الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

أصدك الفكر

Share

السيد رئيس الجمهورية يعتنى بشؤون الفكر والادب

كانت الجلسة التى خصصها فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة للادب والادباء فى اوائل اوت الماضي شيقة ومفيدة جدا . وذلك رغم اشغاله الكثيرة وجسامة المشاكل الداخلية والخارجية التى تاخذ من وقته الكثير .

لقد استمع السيد الرئيس الى حصة فتحتها الاذاعة والتلفزة التونسية لهواة الأدب من الشباب . ومن باب الصدفة أن قرئت قصة للحبيب ابراهم عنوانها " عبث " لم تفز برضا المشرفين على الحصة ورأى فيها السيد الرئيس حسنات كثيرة فجمع ثلة من الادباء في قصر الرئاسة بصقانس (المنستير ) وكان الاطار خلابا يوحى بان هذه الارض هي ارض المجاهدين الذين رابطوا بعين يقظة وقلب مفعم بالايمان في سبيل الواجب المقدس وسردت القصة ووقعت مناقشة طويلة مفيدة تناولت موضوعا من اهم مواضيع الادب فى عصرنا وهو موضوع القصة .

وتبين فى آخر الامر ان الذي اخذ على قصة " عبث " هو انها لم تتماش مع القوالب المألوفة من تمهيد وتقديم وعقدة وحل للعقدة ) وعمود فقرى ( واما رأى السيد الرئيس فهو أن الادب اذا وقع تقييده واقحامه في قوالب قبلية ضاع المقصود منه وهو المتعة الفنية والإيحاء . فاذا أخذ الاثر الادبي بالالباب ووجد فيه السامع لذة ولاقى رضاه فذاك هو المطلوب . وهكذا فان اكره ما يكرهه فخامته سواء كان فى الادب او السياسة هو التحجر والتقيد بقوالب وانظمة لا تتماشى وتطور اذهان الافراد وحيوية الجماعات ولا تنسجم مع تقدمهم ونشدانهم للكمال . وقد ابدى الكثير من الحاضرين بكل حرية ونزاهة وناقشهم السيد الرئيس كواحد منهم بكل تواضع واحترام متبادل . وفي خاتمة هذه الامسية الرائعة دعا السيد الرئيس ضيوفه إلى مائدته وتواصل الحوار .

* ملتقى هواة الادب بدار الشباب برادس

امتدادا لاعتناء فخامة رئيس الجمهورية بهواة الادب فان دار الشباب برادس فتحت ابوابها من 13 اوت الى 17 منه الى الشبان الذين تعودوا المشاركة في حصة الهواة بالاذاعة والتلفزة التونسية فبرزوا بمقالاتهم وقصصهم وأشعارهم .

وان لم نتمكن من معرفة اسماء جميع الذين ساهموا فى هذا الملتقى فان من بينهم من فتحنا لهم صفحات مجلتنا مثل البشير التلمودى وسعد الغزال وخشارم ومنهم من وجهناهم بباب بريد القراء تارة بالتشجيع واخرى بالنصح والنقد . فالجهود اذن متظافرة فى جميع الميادين للاخذ بيد الشباب حتى يتجنب اخطاء ربما تضيع عليه كثيرا من الوقت وحتى يكون بناء لمجتمعه وذلك من دون ضغط على حريته ولا  قتل لمواهبه وهكذا فقد تم الملتقى يسوده جو من المناقشة الحرة والجرأة الخلاقة فكان مثمرا حسب ارتسامات المشاركين انفسهم . واخيرا لا يسعنا الا أن نشكر الاستاذين أحمد اللغماني والمختار حشيشة اللذين سهرا على هذا الملتقى واحتكا بالشبان وأنارا لهم السبيل وكذلك نتوجه بالشكر الى المحاضرين الذين اثروا بتجاربهم هواة متطلعين الى مزيد من المعرفة والى قسط وافر من النظر السديد والتفكير السليم . وهذا تفصيل لنشاط الهواة طيلة ايام الملتقى :

يوم الثلاثاء 13 اوت - ) الساعة التاسعة (

افتتح الملتقي السيد مدير الاذاعة التونسية بالقاء كلمة توضح الغرض التثقيفي الذي ترمي اليه الاذاعة من وراء حصصها وتعرض الى مشكلة الادب التونسي المعاصر وختم كلمته بالتنويه بمحامد فخامة الرئيس الذى ما فتئ ينشط كل حركة ادبية والذى يعلق أملا كبيرا على هذا الملتقى .

( الساعة الخامسة بعد الزوال )

عقدت جلسة ناقش اثناءها الهواة منهاج الحصة وقدموا بعض الاقتراحات

( الساعة التاسعة ليلا )

انعقد منبر حر ابدى فيه الهواة رأيهم حول " المدارس الادبية وارتباطها بالبيئة والمجتمع " .

يوم الاربعاء 4 اوت ) الساعة التاسعة (

وقع تسجيل حصة للهواة قدم فيها اصحاب الاثر . . . ما انتجوه . . باصواتهم واجابوا على مناقشة زملائهم . .

( الساعة الخامسة بعد الزوال )

القى السيد محمد الحليوى محاضرة حول الشعر المعاصر ناقشه فيها الهواة والاستاذ احمد خير الدين وشارك فى المناقشة جميع الهواة الحاضرين

( الساعة التاسعة ليلا )

انعقد منبر حر اشرف عليه الاستاذ المختار حشيشة وحضره كل من الاساتذة البشير خريف والهادى نعمان تناقش فيه الحاضرون حول الاديب بين الهواية والاحتراف .

يوم الخميس ) الساعة التاسعة (

القى  السيد الهادى نعمان محاضرة حول " الالتزام فى الشعر "

( الساعة الحادية عشرة )

انعقد منبر حر باشراف المختار حشيشة تناقش فيه الهواة حول " القصة ومدارسها " وشارك فى هذا المنبر الاستاذ البشير خريف والاستاذ الهادى نعمان .

( الساعة الخامسة بعد الزوال )

القى السيد ابو القاسم كرو محاضرة حول " البحث لادبى "

يوم الجمعة ) الساعة التاسعة (

القى الاستاذ محمد مزالى مدير الشباب والرياضة محاضرة حول " رسالة الاديب " وكانت المناقشة اثرها حية نشيطة نظرا لما اثارته المحاضرة من مشاكل وجدت تجاوبا فى أنفس الشباب .

( الساعة الخامسة )

انعقدت جلسة ختامية القى فيها مدير الاذاعة السيد الحبيب بو الاعراس كلمة حوصل فيها كل ما وقع فى الملتقى وتعرض لكل المواضيع التى طرقت مبديا رأيه فى كل مشكلة .

يوم السبت

قام المشاركون فى الملتقى بجولة فى الوطن القبلى .

. البعث الفنى الجديد

لقد كان الفن فى تونس اداة ترفيه وتسلية لصنف من المستهلكين ومسوغا للخلاعة والمجون لصنف آخر كان بكل اسف اهم من الاول عددا وشيوعا . ولذلك كان القائمون به موسومين بالنقائص منبوذين من العنصر المستهلك وهكذا وجد مركب بين العنصرين اللازمين لتقدم الفن ورقيه ) المنتج والمستهلك ( واذكر في هذا الصدد غضب المحامي الفنان المرحوم حسونة بن عمار ) 1 ( على العدل الذي رفض قبول تسجيل اسم الشيخ خميس ترنان بدفتره ) حيث كان معرفا باحد الاصدقاء ( لانه رغم اشتهاره بالتقى ، فنان ؟ مغن ؟ عازف ؟ يطرب الجماهير ؟ وجميع هذه التهم تذيب التقى وتزيل مفعوله وينطبق على صاحبه المثل العامى " يعطي الفرض وينقب الارض " .

واذكر ايضا ما قاساه الاستاذ محمد العقربي في أول امره لتعاطى التمثيل حيث طرده خاله المرحوم رشيد بن مصطفى قائلا له : " ما عندناش فى عائلتنا من يلعب المسخرة والكراكوز " ) 1 ولهذا السبب امتلا الوسط الفني بالعناصر التى لم تلق حظا فى الميادين الاخرى من الحياة وفعل الجهل مفعوله . فمسخت كلمات المالوف والاغاني وصارت مثلا  كلمة " يزداد نكية " من المالوف " يازلقية " و " والعذارى المائسات " ) موشح شرقي ( " العذارى الماعسات " . وعاش كل من مارس التمثيل الطور الذي يقوم فيه المشرفون امثال السيدين البشير المتهنى ومحمد الحبيب بتعليم العنصر النسائي على الخصوص بالسماع - فصار بطبيعة الحال الوسط الفني يدعى عدم التشجيع وتدعي الطبقة المثقفة من النظارة عدم اتقان الفنانين - وبقيت تونس تتخبط في هذا الصراع الذي فسح المجال لتوغل الانتاج الاجنبى واحتقارنا لتراثنا ونتاجنا وحتى لما يمكن ان تقوم به فى المستقبل حتى ايقظ الله بعض الهمم فاحدثت الجمعية الرشيدية التى تعاونت مع المشرفين على القسم العربي من الاذاعة فنظمت الحفلات والحصص الاذاعية التونسية التى تطورت و نمت بعد الاستقلال ففتحت الاذاعة أبوابها للانتاج الجديد الصحيح ووفرت الامكانيات لبعث الموسيقى التونسية . وتعرب تعليم الموسيقى بالمدارس والمعاهد فاحدثت بها جمعيات مدرسية تنمي هواية التلاميذ وتبعث المرح فى جو المدرسة .

ولكن رغم الجهود المبذولة ورغم التضحية التى قام بها عدد من المثقفين فقد كان من الصعب التغلب على المركب الذي دب في اذهان المواطنين واصبح نفسية متمكنة ذات جذور راسخة لا يمكن اقتلاعها الا بتسخير المجهود الحكومي .

وهذا هو الذى قامت به كتابة الدولة للشؤون الثقافية والاخبار بالتعاون مع السلط المحلية واللجان الثقافية والمنظمات القومية التى بذل جميعها مجهودا جبارا لازالة النفسية المعطلة لركب الحياة وساهمت بقسط وافر لانجاح مشاريع كتابة الدولة الرامية الى مقاومة التخلف الذهنى والى الرقي بالشعب في الميادين الثقافية والفنية والى تركيز الشخصية التونسية والمحافظة على كيانها من خلال المحافظة على الصالح من تقاليدنا وفنوننا الشعبية فقد انبعثت فرق وترية ومجموعات صوتية على غرار الرشيدية باغلب مدن الجمهورية تجمع بين الحفاظ المحليين وبين الشبان والفتيات في زى موحد محلى وفي مستوى لائق بان تقدم حفلات راقية وظهرت فعلا في عدة مناسبات احرز اغلبها فيها على رضا فخامة السيد الرئيس - وانبعثت ايضا فرق للموسيقى النحاسية باغلب القرى ونظم في السنة الماضية تربص لمسيريها وشارك اغلبها فى المسابقة القومية للموسيقى النحاسية التى كانت نتيجتها فوز فرقة الحرس الوطني بالجائزة الاولى -

واحراز كل من فرق جمال ومنزل بوزلفة وصفاقس على الجائزة الثانية واحراز فرقة طبربة على الجائزة الثالثة - ويكفى فى هذا الصدد الاشارة بانه يوجد فى ولاية سوسة فقط عشر فرق عامة من هذا الصنف من الفن . وفرقتين بصدد التكوين .

وانبعثت ايضا فرق لفن السلامية شارك اغلبها فى المسابقة التى نظمت بالقيروان وفازت فيها فرقة الشيخ عبدالمجيد بن سعد ) من القيروان ( بالجائزة الاولى وفرقة المشائخ صريح وعجاج والبراق بالجائزة الثانية .

اما الفنون الشعبية فقد كاد اغلبها يندثر لولا الحملة التى اشرف عليها السيد كاتب الدولة نفسه والتي اسفرت في مدة وجيزة عن احصاء الموجود وتهذيبه ) بقدر الامكان ( بما امكن معه تنظيم مهرجانات ومسابقات في النطاق الجهوى ثم القومى واخيرا الدولى الذى كان وسيلة لمكافحة جهود عدد من البلدان ودرسا لكل قريب عهد بهذه البادرة ، ولكافة افراد شعبنا اذ عرفوا به القيمة التى تعيرها الامم لفنونها لا سيما ، قد رعى فخامة السيد الرئيس مهرجاننا الدولى بعطف خاص بين به للشعوب المشاركة مدى الاهمية التى اولاها فخامته للتقدم الفني والثقافي بصفة عامة وهذا يعتبر اعظم تسلية الشيخ خميس ترنان واكبر ترضية للمرحوم الاستاذ حسونة بن عمار عن حادثة العدل المتزمت المسكين .

وسوف يرى الشعب التونسي في بحر السنة القادمة مواصلة الاعمال لتهذيب الموجود وتحسينه وجعل تونس بلدا ضحوكا فى وجه المتساكنين والزائرين .       ص . م .

. مع الاستاذ بدوى الجبل

وجه مندوب الزميلة " الصباح " بعض الأسئلة على الشاعر السورى الكبير بدوي الجبل ضيف الجمهورية التونسية راينا تعميما للفائدة نقل بعض ما جاء فيها مع الترحيب بالشاعر العربي الفحل وتمنياتنا له بالصحة والسعادة حتى يواصل خدمته للوطن العربي الكبير

س - ما رأيك في الالتزام في الشعر ؟ ج - انني لا أقر الإلتزام في الشعر ولا في أي نوع من أنواع الفن . أن الالتزام سيطرة على وجدان الشاعر وعبقريتة ووجدان الشاعر وعبقريته فوق ان يخضعا لأي مؤثر على الاطلاق . الشعر كالنور فهل يصح ان يفرض الالتزام على النور ووجدان الشاعر لا يحتاج الى هذا . انه سريع التأثر بكل احداث وطنه وقد شارك الشعر في معارك الحرية بالوطن العربى دون أن يلزمه ذلك الا عاطفة نابعة من صميم وجدانه .

س - ما رأيك في الشعر الجديد ؟ ج - اذا كان معنى الجديد اضافة ثراء جديد الى الادب العربي فنحن نؤيده ونرحب به اما إذا كان معنى الجديد الخروج على طابع الشعر العربي والتحرر من الوزن والقافية والعبث بقواعد اللغة ونقل ادب غريب نقلا مشوها ممسوخا . فهذا ليس جديد او لا تجديدا وانما هي موجة ضعف وتفكك وتهرب من عناء الابداع و الاتقان ولن يكون لهذه الموجة أي أثر فى مستقبل الأدب العربي . الوزن والقافية هما طابع الشعر العربي . والديباجة التي تجلو المعاني والخيال فى اطار من النظم المسكر

أساس لا بد منه فى الشعر العربى . واكثر ما يسمونه بالشعر الجديد عاطل من كل هذا . لا حجة لاصحاب هذه المحاولات . فالشعر العربى الموزون المقفى يتسع لكل خيال ويتسع لكل  ما يجول في النفس الانسانية من دقيق العواطف وجليلها وواضحها وخفيها واللغة العربية من أغنى اللغات فى كل المعانى الإنسانية والفكرية , والوزن والقافية تركيز للجمال وتركيز للموسيقى .

ان الشعر الجديد المتفلت من قيود اللغة والوزن والقافية أي المتفلت من حدود الجمال والموسيقى واصالة البيان لا يمكن أن يبقى .

س - ما رأيك في القصة العربية الجديدة ؟ ج - انا أعتقد أننا لم نصل بعد الى عصر التأليف . نحن فى عصر الترجمة والمحاولات . والقصة فى رأيى لا تزال محاولات بدائية على جمال البعض منها .

س - ما رأيك في الشعر التونسي ؟ ج - انني احصر جوابي بشاعركم العظيم ابو القاسم الشابى الذي هز الدنيا العربية بشعره الخالد . وتونس تعودت فى كل أدوار تاريخها أن تطلع على العالم العربى بعباقرة العلم والفن والتاريخ بين كل فترة وأخرى .

س - ما رأيك في أدب المرأة ؟ انني أحب الشاعرات الثلاث نازك الملائكة وفدوى طوقان وسلمى الخضراء الجيوسي . وشعرهن في طليعة الشعر العربى على الاطلاق . وقد قرأت بعض مقاطيع لشاعرتكم زبيدة بشير . وما قرأته لها شعر منمنم فيه حلاوة وطلاوة .

س - ما هى الكتب ومن هم الشعراء الذين تأثرت بهم في أدبك ؟ ج - لقد نشأت في بيت علم وفقه . فتأثرت أول ما تأثرت بالقراءن الكريم الذي لا يمكن أن تشرق ديباجة الاديب الا بالادمان على تلاوته . ثم تأثرت بالحديث الشريف وبخطب الخلفاء الراشدين ولا سيما خطب على ابن أبى طالب كما تأثرت بخطب الحجاج وخطب زعماء الخوارج اما بين الكتاب فأنا مدين للجاحظ ولأبي جعفر الاسكافي ولأبي فرج الاصفهاني في كتابه الخالد الاغاني ولابى حيان التوحيدي كما تأثرت في الشعر بديوان الحماسة لأبي تمام وبشعر الفحول فى عهدي الجاهلية والإسلام الى آخر العصر الاموى وتأثرت بأبى تمام والبحتري والمتنبى والشريف الرضى ومهيار وأريد أن احترز فأقول : ان التأثر لا يعنى التقليد ولا المشابهة فالشاعر الاصيل لا يقلد ولا يشابه . الشعر كالحسن . كل شاعر له طابعه المميز ودنياه المميزة كما قلت في شعر لي :

كل حسن بدعة مفردة .. ليس بين الحسن والحسن اخاء

س - ما هي انطباعاتك عن تونس ؟ ج - انني في تونس كأنني في سوريا فالجبل والسهل والقرى والكروم والشاطئ

كأنها انتقلت من سوريا الى تونس او من تونس الى سوريا وقد راعتني النظافة فى كل مكان وهي في القرية والمدينة معا وفي الفلاحين والعمال على ما بلغته تونس من حضارة وتقدم .

س - ما هي النواحي التي عرضت لك في شعرك ؟ ج - لقد عشت شبابي وكهولتي - ونحن في صراع مع الاستعمار - فكان من الطبيعي ان يكون شعري في هذه الفترة شعرا وطنيا ملتهبا متأثرا وقد صادر الاستعمار الفرنسي ديواني الذي أصدرته سنة 1924 كما أن للمرأة أثرا كبيرا في شعري . وقلب الشاعر حتى في كهولته يبقى متفتحا للجمال كل جمال وللحب كل حب . اما في السنوات الاخيرة فأغلب شعري وجداني وفيه لوعة وحزن . ان رفاقي القدماء يتهاوون واحدا بعد الآخر . حتى صار لي تحت التراب أكثر مما بقى لي فوقه . مات سعد الله الجابري و كان اقرب انسان الي في الدنيا ومات مظهر رسلان وجميل مردم و نجيب الريس وعادل العظمة وسليمان المعصراني وعبدالواحد هارون وشيخ الوطنيين ورئيسهم هاشم الاتاسي ومات والدي الذي ربانى وهذبني وثقفني وكان عالما برا وعضوا فى المجمع العلمي العربي وماتت ابنتي فى ربيعها الثامن عشر بعد ان اكملت دراستها الجامعية . فكان لذلك كله أثر فى شعرى طبعه بطابع الحزن ومناجاة هؤلاء الإخوان والأهل والحنين اليهم . ان قلبي عامر بهم كما لو كانوا أحياء .

س - نريد لمحة عن حياتك الوطنية ؟ ج - لقد ساهمت بقسط متواضع في جهاد امتي عشرين عاما قضيت خمسة منها فى السجون وقضيت اكثر منها مشردا طريدا وعانيت الفاقة والحرمان و لكنني لست مغبونا فقد تفضل وطني علي فشرفني بالنيابة ست مرات وان كانت تتخللها السجون والمنافي وشرفني بالوزارة أربع مرات كما اننى انتخبت لعضوية المجمع العلمي العربي وهي ذروة شرف العلم والادب عندنا واعتز بلقبه فوق ما اعتز بالقاب النيابة والوزارة . وقد ءان لي بعد هذا الكفاح الطويل المرير ان ارتاح وانصرف الى أدبي وعلمي معتزلا العمل السياسي انني الآن فى طريقي الى أروبا للاستشفاء وعندما أعود بعافيتي ان شاء الله سأنصرف الى تهذيب بعض كتب لى في الادب والتاريخ ولا سيما تاريخ الحركات العربية التي رافقتها وعرفت زعماءها واحدا واحدا وكان لى شرف المساهمة بقسط متواضع فيها كما ان لى ديوان شعر تحول بعض الظروف دون طبعه الان وأرجو ان يتهيأ لى ذلك قريبا ان شاء الله . ارجو أن ترفع جريدتكم الغراء شكري وامتناني لفخامة الرئيس على كريم عنايته ولرجال الدولة الذين اسبغوا على حبهم ولسفراء الدول العربية الذين كرمونى واحتفوا بي . ولشعب تونس كله . هذا الشعب المضياف الكريم القوى على وداعة . الشجاع على حنان وحب .

. ميثاق الشباب

دعا الديوان السياسى للحزب الحر الدستورى اطارات الشباب التونسي الى الاجتماع فى ملتقى قومى يومى 27 و 28 جويلية وقع اثناءه درس واقع الشباب واحكام وسائل العمل للنهوض به والاستماع الى خطابين هامين احدهما لفخامة الرئيس رفع به كل الالتباسات ووضح به رسالة الشباب

والاخر للسيد الباهى الادغم ونظرا الى أن أهم عمل انجز فى هذا الملتقى هو ميثاق الشباب فاننا آثرنا نقله الى القراء لانه يعد نقطة تحول لكل ما ستقوم به منظمات الشباب فى المستقبل . وهذا هو الميثاق

" ان الشباب التونسى المعتز بكفاحه فى طليعة الجماهير الشعبية التى كتلها ويقودها " الحزب الحر الدستورى التونسى " فى معركتها التاريخية من اجل نيل الحرية وبلوغ الاستقلال وتدعيم السيادة القومية ، الواعى لرسالته السامية المتجددة بتجدد اهداف الشعب ، المدرك للآمال التى تعلقها الامة التونسية عليه والاعمال التى تنتظرها منه فى طور البناء والتشييد باعتباره القوة الخلاقة المدركة الحاملة لقيم المستقبل والصانعة للتاريخ .

- يعتبر نفسه مجندا في طليعة امتة فى جهادها الاكبر وثورتها المباركة من أجل خلق مجتمع افضل وحياة اسعد .

1 - التحلى بالاخلاق الفاضلة المستمدة من خصال المكافحين الدستوريين والمقتبسة من معاني الاستشهاد والبطولة والتى تتجلى خاصة فى قوة العزيمة والايمان وروح البذل والتضحية والتفانى فى خدمة الوطن وواجب النزاهة والتجرد والصدق فى القول والاخلاص فى العمل .

2 - توسيع ثقافته وصقل مواهبه وتوجيه طموحه الخلاق فى خدمة الشعب . 3 - تقوية شخصيته المنبثقة من صميم واقع بلاده وتاريخها المجيد وحضارتها الانسانية الاصيلة . 4 - تنمية لياقته البدنية والمحافظة على صحته وتوازنه الذاتى . - يؤمن بمبادىء أساسية واهداف سامية يتخذها قاعدة لعمله ومرجعا لسلوكه وهى :

1 - الذود عن حرمة الوطن وحماية النظام الجمهورى ومكاسب الشعب . 2 - الاشتراكية الدستورية كمذهب اقتصادى وثقافى واجتماعى كفيل وحده بواسطة تخطيط شامل باستثمار طاقات البلاد المادية والبشرية وتوفير الازدهار الاقتصادى والعدالة الاجتماعية فى كنف الحرية والديموقراطية .

ومن اصول هذه الاشتراكية الدستورية : أ - القضاء على الاستغلال والتفاوت الاجتماعى وتوفير تكافؤ الفرص لجميع المواطنين . ب - لا نهوض للفرد الا بنهوض المجتمع وازدهاره . ج - تطاحن الطبقات ليس ضرورة حتمية للنمو الاقتصادى والتطور الاجتماعى .

د - احترام الذات البشرية وتوخى اساليب الاقناع . ه - الاصلاح الزراعي المتماشى مع امكانيات البلاد ومقتضيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

و - توفير اسباب الحرية الحقيقية والديمقراطية الاصيلة والتشهير بحرية الكسل والتخريب والفوضى والديمقراطية الزائفة . ز - التمسك بروح الحضارة العربية الاسلامية والاعتزاز بالعبقرية التونسية وروحها الثورية البناءة .

- ويعلن العزم على توحيد صفوف الشباب وتعبئته فى طليعة القوى الشعبية العاملة على استئصال الاوضاع البالية وبناء مجتمع افضل ويرى فى هذه الوحدة استجابة لضرورة الكفاح ضد التخلف فى جميع مظاهره . - ويصرح بان جهاده جزء من جهاد الشباب فى العالم متصل بالتيارات التحريرية التقدمية التى تحمل لواءها القوى الفتية الواعية .

- ويؤمن بالمصير المشترك لشعوب المغرب العربى الكبير فيعمل على تجسيمه .

- ويسعى الى تنمية روح التعاون بين الشباب العربى ليكون قوة ايجابية بناءة لوحدة عربية سليمة . - ويعتبر ميثاق اديس ابابا أساسا متينا للتعاون الافريقي وانبعاث قارة افريقية متحررة موحدة .

- ويلتزم ب : 1 - مقاومة الاستعمار فى جميع مظاهره . 2 - التشهير بالميز العنصرى وتكتيل الجهود للقضاء عليه . 3 - المساهمة فى تقوية روح التضامن بين شباب العالم من اجل التفاهم والتعاون والتآخى لتشييد عالم يسوده السلم والخير والوئام بين البشر . والشباب التونسى المؤمن بمصير بلاده المعتد بطاقته الانشائية والمدرك لما تعلقه الامة التونسية عليه من آمال يشعر بالاعتزاز لانتمائه للحزب الحر الدستورى التونسى ويجد في رسالة حزب الجماهير المتجددة الهادفة الى خلق مجتمع اشتراكى أصيل يوفر الازدهار الشامل والكرامة الحق لكافة المواطنين الاطار الطبيعى لعمله الانشائى وثورته الخلاقة تحت لواء الحزب وبقيادة المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة رمز السداد والتضحية والاخلاص .

. مدينة القيروان تشجع الثقافة

اعلنت لجنة التنسيق الحزبي بالقيروان عن المسابقات الادبية التالية : وفقا لارادة فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة فى تشجيع الانتاج الادبي وايمانا من القيروان - ماضيا وحاضرا - بالفكر فى كل مجالاته الخلاقة تنظم لجنة التنسيق الحزبي بالقيروان مسابقة ادبية قومية فى :

اولا - بحث تاريخي يتناول بالدرس - القيروان عبر تاريخ المغرب العربى والاندلس وصقلية منذ الفتح الاسلامي - تاثيرها فيه وتاثرها به . قيمة الجائزة خمسمائة دينار من والى سوسة والقيروان ورئيس لجنة التنسيق الجزبى .

الشروط : 1 - ان تتوفر فى البحث شروط : البحث  الموضوعي العلمى 2 - لم ينشر ولم يذع ولم يقدم لمسابقة سابقة .

ثانيا - عشرة قصائد باللغة العربية دون تحديد لمواضيعها وتقدر قيمة الجائزة بثلاثمائة دينار من لجنة التنسيق الحزبى . الشرط - لم تذع ولم تنشر ولم تقدم لمسابقة سابقة ثالثا - مسرحية تجوز كتابتها بالفصحى او العامية التونسية المهذبة دون تحديد لموضوعها وتقدر قيمة الجائزة ب 300 دينار من بلدية القيروان .

الشرط : - لم تنشر ولم تذع ولم تمثل ولم تقدم لمسابقة سابقة رابعا - قصة بالفصحى دون تحديد لموضوعها وتقدر قيمة الجائزة ب 200 دينار من اللجنة الثقافية .

الشرط : - لم تذع ولم تقدم لمسابقة سابقة .

الشروط العامة : 1 - تبتدئ المسابقة من 15 سبتمبر 1963 الى 15 مارس 1964 فتدوم ستة اشهر . 2 - توجه نسخ الانتاج فى ثلاث نظائر مكتوبة على صفحة واحدة بالراقنة بعنوان - الوالي رئيس لجنة التنسيق الحزبي . - مقر لجنة التنسيق الحزبي بالقيروان - 3 تعلن لجنة التنسيق الحزبي في شهر اكتوبر 1963 عن لجنة التحكيم 4 - تعلن النتائج النهائية عن طريق الاذاعة والصحافة فى أوائل جويلية 1964 5 - تقدم الجوائز في حفل ادبي ينظم بالقيروان ايام الجمعة والسبت والاحد من أوائل شهر جويلية سنة 1964 . 6 - تحتفظ اللجنة بكامل ما يصلها من انتاج ناجح وغير ناجح ولا يسع مجلة الفكر الا التنويه بهذا المجهود القيم الذى نود ان يعم كافة الجهات حتى تزدهر حركة التاليف في بلادنا ويكون البعث الثقافي المنشود . مع شكرنا وتقديرنا لرجال القيروان الغيورين .

. لقطات عن بشر فارس

كنا اخبرنا قراءنا فى عدد سابق عن وفاة الكاتب والشاعر الكبير بشر فارس . وها نحن نقتطف من جريدة الاهرام الصادرة بالقاهرة فقرات تلقى اضواء على نشاط الراحل الكريم وتبين مدى خدمته للادب العربي الاسلامى خاصة والانسانى عامة

جاء فى جريدة الاهرام الصادرة بالقاهرة مقالا للويس عوض يتحدث عن بشر فارس قال : اديب عالم افتقدناه فى الحادى والعشرين من فبراير 1963 إثر نوبة قلبية مفاجئة لم تمهله إلا ساعات قليلة ، فمات عن ست وخمسين سنة قضاها فى طلب العلم والادب وفي انتاجهما . ذلك هو الدكتور بشر فارس ، السكريتير الفخرى للمجمع العلمى المصرى ، صاحب الرسالات الكثيرة في اللغويات العربية وفى التصوير الاسلامى ، وصاحب الاثار الفنية الشحيحة وهي مسرحية " مفرق الطريق " ومسرحية " جبهة الغيب " ومجموعة القصص القصيرة التى تحمل عنوان " سوء تفاهم " .

وقد أنشأ بشر فارس لونا من الادب أثار كثيرا من التساؤل بين النقاد والادباء لفرط ما تفرد به من خصائص قلما تتكرر في سواه ولاسيما من المعاصرين ، فقد تفرد بأسلوب شديد التحكيك مفرط في التأنق الى حد الاغراب ولكن من يتأمل تكوينه وثقافته يجد التفسير الكافي لهذا الاسلوب وهذا الفكر الذي هو بشر فارس .

وإلى باريس قصد بشر فارس ليدرس الادب العربى فى السوربون فتعلم على المستشرق المعروف جودفروا ديمومبين وعلى ماسنيون وعلى فوكونيه ، وكان جودفروا ديمومبين هو المشرف مباشرة على دراساته وأبحاثه . وأعد عليه رسالة فى موضوع " العرض عند عرب الجاهلية " حصل بها على الدكتوراه فى الاداب عام 1932 . وقد طبعت هذه الرسالة في نفس العام كالمألوف فى رسائل الدكتوراه التى تقدم إلى جامعة باريس ، وقدم لها استاذه ديمومبين .

وفي 1936 نشرت له طائفة من الابحاث باللغة الفرنسية فى دائرة المعارف الاسلامية . فلما كان عام 1938 ظهر لبشر فارس عن دار المعارف أول عمل أدبي من إنشائه هو مسرحيته الاولى " مفرق الطريق " وقد ترجمت هذه المسرحية إلى الفرنسية ونشرت فى عدد الربيع من مجلة " لاريفيوتيارترال " أى مجلة المسرح .

ثم طبعت الترجمة الفرنسية مطبعة مصر فى 1952 وأخرجت هذه المسرحية فى مسرح الجيب بباريس على نفقة صاحبها . كذلك ترجمت " مفرق الطريق " إلى اللغة الالمانية .

وفى 1942 صدرت لبشر فارس مجموعته القصصية الوحيدة " سوء تفاهم " ، وفي عامي 1945،1944 أشرف بشر فارس على باب " التعقيب والتنقيب " فى مجلة المقتطف الشهرية واستكتب فى هذا الباب اعلام الادب العربى الحديث .

ومنذ عام 1948 اتجه بشر فارس إلى تخصيص القسم الاكبر من وقته وأبحاثه لدراسة التصوير العربى والاسلامى فنشر له المعهد العلمى الفرنسى للاثار الشرقية بالقاهرة فى 1948 كتابه " منمنمة دينية تمثل الرسول : من اسلوب التصوير العربى البغدادى " . والكتاب باللغتين العربية والفرنسية . وفى 1952 ظهر له كتابه " سر الزخرفة الاسلامية " بالعربية والفرنسية ، وهو أيضا من رسائل المعهد الفرنسى للاثار الشرقية بالقاهرة . وفى 1953 حقق بشر فارس " كتاب الترباق : أثر عربي مصور " ، وهو مخطوط يرجع إلى عام 595 للهجرة محفوظ في المكتبة الاهلية بباريس ، وقدم للنص بدراسة وضعها باللغة الفرنسية مع موجز باللغة العربية . وقد نشر له كتاب الترباق المعهد الفرنسى للاثار الشرقية بالقاهرة . وفي 1957 نشر له المعهد الفرنسى للاثار الشرقية بدمشق بحثه ) كيف زوقت العرب كتب الفلسفة والفقه " وهو دراسة مستفيضة باللغة الفرنسية مع تحقيقات ضافية باللغة العربية وفى 1955 ظهر له بحث آخر مستفيض بالفرنسية فى مجلة المعهد العلمى المصرى موضوعه " الفن القدسى فى التصوير الاسلامى " ومعه موجز بالعربية . وكان آخر كتاب نشر له فى التصوير الاسلامى كتابه " سوانح مسيحية وملامح اسلامية : حول مخطوط مزوق من القرن السابع الهجرى " . وهذا الكتاب الذى ظهر عام 1961 هو أيضا من رسائل المعهد الفرنسى للاثار الشرقية بالقاهرة .

ورغم كل هذا الانقطاع لدراسة الاثار الاسلامية والعربية ، كان يعاود بشر فارس حنينه إلى الخلق الادبى . فكتب مسرحيته الثانية " جبهة الغيب : أحدوثة شرقية في خمس مراحل " وقد نشرتها له دار مجلة " شعر " البيروتية عام 1960 أى بعد ست وعشرين سنة من صدور مسرحيته الاولى " مفرق الطريق " والباحث الذى عرف علم بشر فارس وفنه ، يعرف أن فنه لم يذو فيه لفرط علمه كما يعرف أن العلم فيه لم يتأثر بشخصية الفنان فيه . فان كان بشر فارس الفنان قليل الانتاج في الادب الخالق ، استطاع أن يصمت عشرات

السنوات دون أن يتحرج صدره بشئ عارم فيه يطالب صاحبه بالافراج عنه ولا يذيقه طعم الراحة حتى يفرج عنه فى قصة أو قصيدة أو مسرحية ، فذلك لأسباب لا تتصل بضحولة نبعه وانما تتصل بطبيعة هذا الينبوع الذى لم يكن يتدفق منه ماء مقدس جياش ، وإنما كان يسيل منه سائل غريب جميل غامض الالوان غامض القوام غامض المصدر غامض الاثر سائل شحيح يجمع في بلورى الكاسات وفى صغير القنانى أفخر الكريستال فلا تعرف أن كان ماء مقطرا أم سلافا صافيا معتقا من عهد كنعان أو دواء سحريا لمرض من تلك الامراض النادرة التى لم يرد ذكرها فى الكتب ولا تصادفها فى الحياة اليومية .

وقد كان بشر فارس لسنوات وسنوات يشغل منصب السكرتير الفخرى للمعهد العلمى المصرى الذى لا يخاطب إلا صفوة الصفوة . أما رأى العلم فيما قدمه بشر فارس من خدمات لدراسة الاثار العربية والاسلامية فأولى منى بالحديث عنها أساتذة الاثار وأساتذة الفنون التشكيلية ، وإنما الذى استطيع ان اتحدث عنه فى غير حرج هو بشر فارس الكاتب المنشىء الفنان وبعض الوجوه التى أعرفها عن شخصية بشر فارس الانسان

أما بشر فارس الفنان فأول ما يبدهك فيه أمران : الامر الاول هو أنك تقرأ له " مفرق الطريق " ثم " سوء تفاهم " ثم " جبهة الغيب " فتحس بأنك إزاء رجل واحد لم يتغير خلال ثلاثين سنة ، ولم يتطور ولم يجر عليه ما يجرى عادة على ادب الادباء من نمو تدريجي إلى الكمال أم الانهيار ، فكأنما بشر فارس قد اهتدى منذ حياته الباكرة إلى رقية أدبية استقرت في وجدانه ولم يستقر فى وجدانه غيرها أو لعله ولد بها - ولازمته هذه الرقية طول حياته . والأمر الثاني هو أنك حين تقرأ له كل هذه الاشياء تحس احساسا واضحا بأنك إزاء كاتب يعتقد ويثبت بالممارسة أن الذي يهم في الفن والحياة ليس ما تقوله او تعمله ولكن الطريقة التى تقوله أو تعمله بها ، فالفن أو الحياة ليست مضمونا يبحث لنفسه عن أسلوب خاص يعبر عنه ، وإنما الفن والحياة أسلوب اولا وقبل كل شىء ، بل وربما أسلوب أولا وآخرا ، أو بعبارة أخرى الفن والحياة أسلوب مشتمل فيه مضمونه إن لم يكن هو نفسه المضمون . فان كان قد قدر لك ان تعرف بشر فارس رجلا لم يسعك في كل مرة تلاقيه فيها او تستمع إليه فيها إلا أن تذكر قول الناقد الكبير بيفون أن الاسلوب هو الرجل أو أن الاسلوب هو الانسان .

فإن اردت ان تعرف ما هذه الرقية التى اهتدى إليها بشر فارس أو ولد

بها فلازمته فى أدبه طول حياته . فاستمع أولا إلى كلام سميرة فى " مفترق الطريق "

" تريدون الامور واضحة خوفا على سلامة أذهانكم . أينبغى لكل أمر يحصل أن ينساق إلى ناحية معلومة فى ملتويات أفهامكم تنتظره ؟ متاع يندرج فى خزانة لاشئ أكره الى الحياة من إطار يعد لمجراها أن الروح والفكر مع ما يجيش فيهما من نزعات ووثبات ينكران السد والحد . إنكم تفتكون بهما "

ثم استمع لقول الشخص الثالث " هو " لسميرة فى نفس المسرحية : " علمتني اليوم أن الحياة مجموعة سوء تفاهم " .

فان ذكرت هاتين القضيتين مما استطعت أن تضع يدك على مفتاح أدب بشر فارس وربما شخصيته أيضا . استطعت أن تفهم كيف يمص الكلب القصب في " متفرق الطريق " واستطعت أن تفهم قول سميرة : " أنى عرفت ذلك السراب ، بل شربت منه . وكان الماء أجاجا على لذة وإنى أود لو أرتشفه مرة أخرى . آه حتى هذا لا يفوتني اليوم . الحب معترك قتلاه الاوهام " واستطعت أن تخوض في نقائض " جبهة الغيب " الى آخرها وأن تخرج منها بمعنى عميق وحين أقول ) تفهم " لا أقصد أنك تفهم كل هذا بالعقل الذى يفهم الاشياء والافكار ، وإنما أقصد تحس أنك تفهم ، أو تفهم إحساسك وخيالك وبأية ملكة فيك إلا المنطق الصورى الذى يعلمك أن التناقض هو سبيل الخطا فبشر فارس ينتمى إلى مدرسة من تلك المدارس العديدة التى تقوم على أن التناقض هو سبيل الصواب ، وهذا معني سوء التفاهم الذى يحدثنا عنه كثيرا . لا اقصد سوء تفاهم الانسان مع الغير ولكن سوء تفاهم الانسان مع نفسه ، وسوء تفاهم الالفاظ مع الالفاظ ، وسوء تفاهم الافكار مع الافكار . شىء واحد أعتقد أن بشر فارس نجح فيه أو اهتدى إليه بسليقته الخاصة ، وهذا هو إزالة سوء التفاهم بين الافكار والالفاظ المعبرة عنها ، أو بين الالفاظ وما تتضمنه من أفكار . فإن أنت قبلت ألفاظه قبلت أفكاره أيضا وان أنت قبلت أفكاره قبلت ألفاظه وهذه هي عملية المصالحة التى جعلت منه فنانا سيرد اسمه فى كتب تاريخ الادب على نحو ما ، قد يتعب النقاد فى تصويره لغموضه مبنى ومعنى ولكنهم بغير شك سيحاولون تصويره . فبشر فارس اليوم نموذج للفنان المرفوض ، لانه سقط بين مدرستين : بين مدرسة المعقول ومدرسة اللامعقول ونحن اليوم نقبل اللامعقول كما نقبل المعقول لاننا قد تعلمنا أن اللاتفاهم اساس من أسس الحياة وبالتالى فهو أساس من أسس الفن . ولكن لم نتعلم ان سوء التفاهم ، وهو شئ غير اللاتفاهم يمكن ان يكون اساسا من اسس الفن

فاذا ذكرنا جملة حقائق عن بشر فارس الانسان أمكننا ان نفسر هذا الذى يمكن ان نسميه " سوء التفاهم الكبير " أو سوء التفاهم الاكبر " . فلنذكر أنه ينتمي إلى تلك الفئة الغريبة التى يمكن أن نسميها أقلية داخل أقلية أو الاقلية المركبة لا الاقلية البسيطة . فلانه لبناني الاصل اتخذ له مصر وطنا قبل ان يولد جاء مصريا دون أن يفقد لبنانيته ، و هذا أول سوء تفاهم فى حياته ، فلو قد ولد ونشأ فى لبنان ثم تمصر لتمت فيه مصالحة من نوع ما ، مصالحة من يعرف له جذورا واضحة وتربية واضحة ثم نقلت نبتته إلى مشتل كما حدث لجماعة من المغتربين من شعراء المهجر ، جيران وإيليا أبو ماضى وامثالهما اما ان تكون جذوره لبنانية اغتدت وترعرعت في أرض مصر ، بل في ريف مصر حيث لا ارز ولا ثلوج ، ولكن رغم اختلافها ليست غريبة كمهجر شعراء المهجر فى امريكا بحيث تغرى المرء أن يعيش في عالمين مستقلين في وقت واحد ، وإنما قريبة قربا يوجد اللبس والاختلاط . ولانه ماروني المذهب نما فى بلاد المأرونية فيه مشتولة بلا جدور عميقة فى تاريخ البلاد بل لا تزال إلى اليوم لونا من العبادة الخاصة التى لا يقتحم أسرارها إلا أتباعها ، نشأ فيه سوء التفاهم الثانى . فلو قد كان مارونيا فى لبنان حيث الموارنة كثيرون وحيث

كنيستهم كنيسة قومية لتمت فيه هذه المصالحة التى تحدثنا عنها على وجه ما لتعدد الروابط الاخرى مع البيئة . ولو قد كان مسيحيا ارثوذكسيا أو بروتستانيا لبنانى الجذور أو كاتوليكيا نبت فى مصر فلربما اندمج في اقباط مصر وتمت فى روحه مصالحة من نوع ما مع من يشاركونه عبادته في مصر وإذا كان اللبنانى المارونى شيئا ممكنا فالارجح انه من أشق الامور على روح الانسان أن تكون مصرية مارونية . ولان بشر فارس كان فرنسي الثقافة عربي العلم والاهتمامات العقلية نشأ فيه الصدع الثالث فهو قد قصد باريس طالبا لا لدراسة الادب الفرنسى أو الحضارة الاروبية ولكن ليدرس الادب العربي اعماله العلمية الكثيرة ، لا يكتب بها عن ادب فرنسا وحضارة فرنسا ولكن يكتب بها عن أدب العرب وحضارة العرب بل يكتب بها عن أخص وجوه هذه الحضارة العربية التى لا يعرفها إلا المتفقهون في الحياة العربية والتاريخ العربى ولو ان بشر فارس كان يتقن الفرنسية كل هذا الاتقان ويرطن بالعربية شأن بعض المولدين أو شأن المستشرقين لما كانت أمامه مشكلة ولكنه كان ضالعا فى اللغة العربية عارفا بأسرارها محيطا بأدق دقائقها إلى درجة لا تتوفر إلا في رجال المجمع اللغوى وفي أساطين اللغويين في العالم العربي . ومن عاش بهذا الازدواج الغريب طول حياته العلمية والادبية حاول الوانا من المصالحة تبدو مصالحة فى الظاهر ولكنها فى حقيقتها مجاورة

خارجية . ومن هنا كانت عامة كتاباته تظهر باللغتين معا متجاورتين فى كل كتاب فكان ينشىء نفس النص مرة بالعربية ومرة بالفرنسية وينشر الصيغتين معا فى كتاب واحد . وفي الادب كل يكتب عن سميرة وأحياء مصر وعن زبنة وفدا هادى والامام وجبل شبيه جدا بجبل لبنان فى " جبهة الغيب " ومع ذلك يهتم أشد الاهتمام بأن تمثل مسرحياته فى مسارح الجيب الفرنسية فى باريس وبالالمانية فى سالزبورج وفيينا ويتكبد فى ذلك المشقة كل المشقة . وكان فى بشر فارس نوع من الشطحات الروحانية التى تجعل المرء يحاول أن يقرأ ما هو مسطور على جبهة الغيب ويعدل عن العقل كأداة لفهم الحياة ولخلق الفن , ومع ذلك فقد كان فيه احتفال بوجه الحياة المادى واحترام تام لترف الحياة وربما عرضها وهكذا دواليك .

كل هذه النقائض وجدت فى نفس بشر فارس إلى درجة سوء التفاهم سوء تفاهم الانسان مع نفسه ، وقد قضى حياته وخصص أدبه لحل سوء التفاهم المركب هذا وأعتقد أنه قد اهتدى إلى نوع من الحل وهو لا يزال فى سن باكر فأنشأ لنفسه نوعا من الاسلوب فى الحياة والادب مدروس بعناية فائقة قل أن تجد مثلها عناية وملتزم به في كل شئ يقال ويكتب ويعمل الى درجة جعلت منه طبيعة ثانية . وجعلت الناس لا ترى فى بشر فارس إلا هذا الوجه الغريب في أدبه وسلوكه وهذا الاسلوب هو أن يجعل من الحياة نفسها فنا جميلا معقدا أشد التعقيد . فكان يعنى بهندامه ومظهره لا كما يعنى صفوة أهل الذوق ممن يتابعون أفضل الازياء والاساليب ولكن ليعبر عن شخصيته المنفردة وينشئ زيا خاصا به يميزه عن كل ما عداه ومظهرا لا يخطئه من يراه , بل كان يعنى بزيه ومظهره إلى درجه تلفت النظر وتصرفه إلى تأمل غرابة الالوان والخطوط والاشكال كذلك أقام فى داره ديوانا أو إيوانا شرقيا أن رأيته خلت أنك ترى جناحا في قصر أمير عربي ممن تقرأ عنهم فى قصص شهرزاد . كذلك كان بشر فارس يكتب فيتأنق فى الفكرة ويتأنق فى اللفظ و لا يمشي أبدافى الطريق المطروق بل يمشى وحيدا فى طريق فريد هو طريق بشر فارس . فكل الناس يحدثونك عن جبين الغيب وما هو مكتوب عليه من أسرار اما بشر فارس فيحدثك وحده عن جبهة الغيب وكل الناس يقسمون مسرحياتهم الى فصول أو مشاهد ، وبشر فارس وحده يقسم مسرحيته إلى مراحل أو أزمنة .

اشترك في نشرتنا البريدية