الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

أصوال الطب العربى فى بلاد الفرس

Share

لقد جاء فى أساطير الفرس ان الطب الفارسي قبل انتشار الاسلام والمدنية العربية ، بدأ فى عصر جمشيد الذى اكتشف المسك والكافور والعنبر وعطور الورد والازاهير ووقف على اسرار العلوم الطبية الغامضة وتعرف على خواص الادوية الخفية حتى شاعت صناعة الطب بين الناس من ذلك العهد

وحوالى القرن السابع قبل الميلاد أتى الى بلاط الملوك الكيانيين ( Achemenides) عدد وافر من الاطباء المصريين فنشروا وصفاتهم وخبرتهم   بين الفرس .

وفى خلال القرون الستة التى ما بين غزو الاسكندر سنة 331 قبل الميلاد وانبثاق فجر العهد الساساني (Sssandes )أصبحت الفرس في حالة سبات وخمول فلا يجد الباحث ما يستحق الذكر الا ما رواه الفردوسى من ان الاسكندر لما دعا ملك الهند يأمره بالدخول فى طاعته اجابه هذا الاخير قائلا : ان له اربعة اشياء لا يملكها احد غيره ولا مثل لها فى جميع العالم ولما سأله الاسكندر عن تلك الاشياء قال : احدها بنت سترى ليس لها نظير في الحسن والجمال وكمال الاداب والثانى جام اذا ملأته بالماء أو بالشراب لم ينقصه الشرب منه وان شربت منه مع الندماء عشر سنين والثالث طبيب اذا قام مع . . لم يصبه داء مدة حياته والرابع فيلسوف يخبر الملك بجميع ما يكون قبل حدوثه فأرسل الاسكندر فى طلبهم وأمر خاصة بحضور الطبيب ولما أتى بين يديه سأله عن اعظم اسباب الامراض فقال : ان يأكل الرحل فاضلا

عما يحتمله المزاج ولا يربط نفسه عند حضور الطعام وذكر ابن ابي أصيبعة ان الاسكندر لما احتوى على فارس أحرق كتب دين المجوسية وعمد الى كتب النجوم والطب والفلسفة فنقلها الى اللغة اليونانية وانقلها الى بلاده وأحرق اصولها .

وفى عهد الاسرة الساسانية جمعت نصوص الكتاب المقدس المسمى بالافستا (Avesta) بعد تشتيتها ووضع لها الشرح المسمى زندافستا الذي كان يحتوى على فصل مبين فى صناعة الطب وكانت هذه الصناعة عند الفرس كما كانت عند البابليين والاشوريين (1) خليطا من التعزيم والرقى مع شئ من المبادى الطبيعية العلمية وفى اعتقادهم ان إله الشر " هريمان " AHRIMAN كان يطلق جميع الامراض ويسلطها على الناس فيعارضه فى ذلك اهرومازاد AHRUMAZADA إله الخير الذي علم الناس جميع الادوية والاساليب  الناجعة لحفظ صحتهم .

وفي سنة 272 ميلاديا انشئت فى الرها ( Edesse ) مدرسة للطب كان يتردد عليها الطلاب من الفرس والسريان واليهود وغيرهم فذاع صيتها الى عام 479 ميلاديا حينما اغلقها الملك زانو ( Zeno) واطرد وشرد رجالها الذين كانوا ينتمون لطائفة النساطرة فالتجأوا لمدينة جنديسابور ) ( Jundisapour ببلاد فارس فوجدوا هناك من عطف ورعاية الاكاسرة ما  شجعهم على تشييد البيمارستانات وتدريس الطب حتى بلغوا فى ذلك شوطا بعيدا واستمر هذا شأنهم الى عهد ظهور الاسلام .

انشأ هذه المدينة الملك الساسانى سابور الاول بن اردشير بابكان فى أواسط القرن الثالث بعد الميلاد فجلب اليها عددا وافرا من أهل الروم الذي كانوا وقتئذ تحت حماية ملكهم المنهزم فاليريان (Valerian) .

وقد اكرم سابور دورهم فى استرجاع علوم الفرس فى اليونان والاستعانة

طريقة قرائه الكبد (Hepatoscopie)وهى طريقة للتنبؤ عن الغيب اشبه بقراثة الكف وصلت في ذلك العهد الى درجة كبيرة من التطور والتعقيد واصبح يقام بها فى حالات المرض وقبل الشروع فى الزواج أو السفر أو الحروب ولقد خلف البابليون نماذج للكبد من الصلصال يرجع تاريخها الى سنة 2000 قبل الميلاد وتمتاز هذه النماذج بدقتها ورقتها من الناحية التشريحية وفي هذا الصدد فهو جدير بالملاحظة ان العرب اكثروا من ذكر الكبد فى ادابهم واشعارهم واعتبروها مركزا للعواطف والاحاسيس ولا شك ان هناك صلة متينة ما بين عقائدهم هذه وتقاليد البابليين فى هذا المضمار ، كما انه جاء فى اللوحات الطينية البابلية ذكر اسماء عدد وافر من العقاقير والادوية التى كانت تقدم للمرضى لتعافى انفسهم ذلك لانه كان يعتقد هناك انها وسيلة لطرد الارواح الشريرة من جسد المريض .

كما عثر ايضا على لوحات اخرى تحتوى على قائمة طويلة من اسماء النبات والاعشاب التى كانت تزرع فى حدائق ملوك بابل والتي كانت تستعمل لعلاج المرضى والمنكوبين .

كما انه نقلت الينا لوحة حمورابي Hammurabi) ( المشهورة ست فقرات انشئت فى ذلك العهد يعنى حوالى 2300 قبل الميلاد دستور المهنة الطبية فهي مع غيرها من القوانين الاخرى تدل على ما كانت عليه بابل من العظمة واتساع أفق الفكر والمعرفة فى تلك العصور العابرة .

ففي بابل كان الطب فرعا من فروع السحر كما كان فى مصر العتيقة وآستنبط البابليون الكثير من فنونه فتطور الى ان صار سحر بابل مضرب الامثال وانتشر منهم الى العالم القديم باجمعه .

وفي دراسة كثير من الاحجية والتمائم والطلاسم والرقى المستعملة الى يومنا هذا فى البلاد الفارسية والعربية نجد اثارا واضحة للنماذج البابلية مثل الاسماء المحرفة لآلهة بابل والرموز المختلفة والمربعات الحسابية وفي بعض هذه الطلاسم ظاهرة اخرى تمتاز فى تعدد استعمال رقم ستين 60 ومشتقاته والمعروف ان هذا الرقم كان يمثل الوحدة الحسابية فى بابل مثل الستة اليومية (decimes) فى ميدان التجارة ولا يزال اثر هذه الوحدة الحسابية باقيا الى يومنا هذا والساعة تنقسم الى ستين دقيقة والدقيقة الى ستين ثانية والدائرة الى 320 درجة الخ .

يمثلها فبعث الى بلاد اليونان يستجلب منها كتب الفلسفة وأمر بنقلها الى الفارسية واختزنها فى مدينته واخذ الناس فى نسخها وتدوينها .

ولقد عين الملك سابور الثاني فى عهده طبيبا يونانيا اسمه ثيادورس كي يتعاطى صناعة الطب وتعليمه بتلك المدينة فاستمر هذا شأنها الى أواخر القرن الخامس م . الى أن التجأ اليها جمع من الفلاسفة والاطباء النسطوريين القاطنين بالرها EDESSE وكانوا فارين بسبب اضطهاد العاهل البيزنطتى الامبراطور زينو ZEN0 وفي عصر كسرى أنوشروان (571 -531 ميلاديا ) لجأ اليها عدد من فلاسفة الاغريق الذين شردهم الامبراطور JUSTINIEN وأغلق معاهدهم بأثينا وأطردهم فأكرمهم كسرى وشجعهم على التأليف .

ونقل كتب الفلسفة والطب الى اللغة الفارسية ولقد قال القفطي عن أهل جنديسابور : ولم يزل أمرهم يقوى فى العلم حتى أصبح علاجهم على طريقة اليونان والهند لانهم أخذوا فضائل كل فرقة فنبغوا فيها وزادوا عليها الكثير .

والمعروف ان العرب نقلوا أساس طبهم من الشعوب القديمة التى تجاورهم وخاصة من الكلدان والفرس والهنود واليونان وأقاموا الى ذلك ما استنبطوه من تجاربهم فتألف لديهم ما يعبر عنه بالطب الجاهلى .

ولقد اشتهر فى عصور الجاهلية عدد من اطبائهم أشهرهم كان الحارث بن كلده الثقفى رحل الى أرض فارس وأخذ الطب عن أهل جنديسابور وجاد فى هذه الصناعة وباشر بارض فارس وعالج وحصل له بذلك مال وافر وصيت عظيم الى ان اشتاق بلده فرجع الى الطائف واشتهر طبه بين العرب .

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر من كانت به علة ان يأتيه فيسأله عن علته ويعالجها والمعروف أن الطب النبوى كثيرا ما كان متأثرا مما أتى به تجارب الحارث بن كلده وحكمه القيمة فى ذلك الميدان وللحارث عدة مصنفات منها كتاب المحاورة فى الطب بينه وبين كسرى أنوشروان .

وعندما زالت دولة بني أمية ورجع الحكم لبنى عباس أسس أبو جعفر المنصور

مدينه بغداد سنة 147 ه وجعلها عاصمة لملكه وكانت مدينة جنديسابور الى ذلك الحين لما كانت لاجيال عديدة مضت محطة للرحال وكعبة القاصدين من رواد صناعة الطب والتدوين فيه .

واستمر هذا شأن جنديسابور الى تأسيس مدينة بغداد وكان المنصور في بداية امره أصابه مرض صعب بالمعدة فجمع حاشيته يسألهم عن أمهر طبيب يعرف فى سائر المدن فأجابوا : ما فى عصرنا أفضل من جورجيس بن بختيشوع (1)رئيس أطباء جنديسابور فأتى هذا الاخير فبراه وبقى فى خدمة المنصور الى ان مرض بدوره واستأذن المنصور للرجوع تاركا أحد تلاميده المدعو عيسى بن شهلا فى مكانه وكان جورجيس قد ترك سابقا بجنديسابور ابنه بختيشوع الذى تولى صناعة الطب بمهارة وحكمة كادت ان تفوق ما وصل اليه والده وفى ذلك العهد لحق بالرشيد صداع شديد عجز اطباؤه عن علاجه فسأل عن أمهر الاطباء فقيل له فهو العالم العلامة بختيشوع اكبر اطباء جنديسابور فدعاه الى بغداد وأصبح عمدة العلم والحكمة في بلاط الملك ولما توفى ورثه ابنه جبريل وكان أول اتصال جبريل بالرشيد ان طلبه لعلاج جارية له تمطت فوقع فك بيدها فلم تستطع إبراءها بعد ذلك والاطباء يعالجونها (بالتمريخ) والادهان دون فائدة فشفاها جبريل بحيلة لطيفة قد سر منها الرشيد كثيرا ورفع مكانته اكثر فأكثر .

ابتدات حركه النقل والترجمة فى العصر العباسى فى أيام المنصور ينقل جورجيس بختيشوع كتبا طبية من اللغة اليونانية إلى العربية غير ما ألفه فى السريانيه كما نقل كتبا فى المنطق والطب وكان الفرس قد نقلوها من اليونانية ونقل ابنه كتبا كثيرة من كتب ابقراط وغالينوس أمره المنصور بنقلها فى ايام الرشيد انشئ بيت الحكمة واسندت رئاستها الى سلما الطبيب وجمع الرشيد عددا من التراجمة منهم طبيبه يوحنا بن ماسويه Jean le MESUE ورغبهم فى نقل العلم من لغات اليونان والسريان والفرس

أما المأمون فكان واسع الفكر شغوفا بالاطلاع محبا للعلم والعلماء وكان عصره من أزهر العصور الاسلامية وتقاطر فى ذلك العهد على بلاط الملك المترجمون من انحاء جزيرة العراق والشام وفارس وفيهم النساطرة واليعاقبة والصابئة والمجوس والروم والبراهمة يترجمون من اليونانية والفارسية والسريانية والسنسسكريتية والنبطية واللتينية وغيرها وكثر فى بغداد الوراقون وباعة الكتب وتعددت مجالس الادب والمناظرة فاصبح اهتمام الناس منحصرا فى البحث والمطالعة وظلت تلك النهضة مستمرة بعد المأمون الى عدد من خلفائه حتى انتقلت أهم كتب العلماء الى العربية وفي أواخر عصر الترجمة بعد منتصف القرن الرابع الهجرى ظهرت بشائر عهد جديد هو عهد التأليف والإبتكار ويعتبر كتاب فردوس الحكمة فاتحة لهذا العصر الجديد النير الذى وصل الى ذروته فى عهد الرئيس بن سينا وابتدأ يضمحل بعد بداية القرن الحادي عشر الميلادي وقد اشتهر اربعة من هؤلاء المؤلفين العباقرة اقتبسوا الكثير مما كتبوه فى مؤلفاتهم ولكنهم زادوها اتقانا واضافوا اليها الكثير من تجاربهم وعصارة أفكارهم وهؤلاء العباقرة الاربعة كلهم من بلاد الفرس العريقة الماجدة وهم : على بن ربن الطبرى ، ومحمد بن زكريا الرازى ، وعلى بن عباس المجوسى ، وعلى أبو الحسن عبد الله بن سينا .

اشترك في نشرتنا البريدية