لقد فجرت هذا الصباح . . الارض دمية فى يد غلام نزق جبار . حسناء ابتذلت بعد عز ووقار ام رؤوم مثل بها تشكو العقوق والخذلان . هائمة فقدت الرفيق والطريق ، قد بصفت نقمتها فى وجه السماء :
" ربي لم تركتني ثكلى عاقرا الى الابد . . حين تضجت واكتملت خصوبتى وتمت وأزدهت محاسنى فطمت ولم اشبع من الامومة لم أرتو . . رباه ! ابنائى ! طعنت بألف خنجر . . الف طعنة هوجاء لقد تقسموا جسمي بنصالهم صدرى الحانى طالما ناولتهم اياه . كل ابى الا ان يغمس يده الشقية فى دمى . كفرا بلبن الأم . كفرا بعسل الثمار . كفرا بالعطور والانوار . أنظر الى جراحي . . . افواه تفور منها الدماء . أشربتها سما زعافا . اكاد الفظ امعائى انا مقتولة قاتلة رب هب لى من لدنك . . لكن اى صوت هذا ؟ ؟ رقيق شرود كالسراب ينأى ويقترب ، سراج تلطمه الرياح . . الا تسمع . . هذا نشيد الوداع . . . بالشجى الصوت ومرارة اللحن . يدنو فتتلقفه نفسى ترق له وتواكبه . لكأنه الجنين تهتز له احشائى عطفا ورحمة . . صوت احد أبنائى يند بني :
" سلاما عليك بهجة الارض ونعيمها . . نضرة الحقول واشراقها . . طهارة اللحم . . . حلاوة الثمار . . عبير المروج وسحر الالوان . . كل تلاشى كل اربد وانطفأ . . . انها المقابر المتنقلة . انه الموت طغى وبغى وقال انا ربكم الاعلى . . يكشر عن انيابه فى كل جهة من كل صوب ، يسفر عن وقاحته ودعارته ، لم يعد يعمل في الخفاء . انه فى البراكين فاغرة اشداقها اجتاحت البر والبحر تقذف بالحمم والنيران . . . انه فى الماء ، اجاجا يتقيؤه المرء فى الحين . انه فى الهواء كدرا كثيفا تنسد به الخياشيم . . لقد جن الموت . قرم الى لحم البشر ينوشه باظافره الدامية الظامئة . . عطش الى دماء الارض يعبها عبا فيحرقه الظمأ . . ياالله ! اين الاشجار اتكون هذه اشلاؤها ممزقة . . حطب لم يعد يصلح وقودا . . ارض صلعاء . . والاطفال لله ما ابشعهم ! اين وداعة
وجوه الصغار . . عذوبة وجوه الصغار . . جسمى لزمته البرداء . . لم تعد الشمس تدفئ . . صدئت فلت اشعتها . . عبثا اعانقها اضمها الى ضما . وا أسفاه ماتت شهوتها . . اني لألثم جسما باردا . . حسن عقيم . . لم يعد يغني من جوع . . عرق عرق لزج ينبع مني . . جسمى اضحى كالدمل الممد يسيل دما ابيض . . قد اغمت الدنيا بين يدى . . بصرى ان هو الا لمحات مسترقة . . لم يعد يبرق الا لماما . . اشباح فضفاضة تترقرق . . اشباح ترتعش لاتكاد تأخذها العين حتى تتلاشى وتذوب . . امد عينى الى الاشياء فتشرد الصور عني هازئة ساخرة . . عيناى زمردتان كانتا تنبضان بالنور الماستان وهاجتان اواه قد نضب عنهما شعاع الحياة . . انا كالأعمى يتحسس طريقه ، حرم النور ولا يزال ينشبث به يحن اليه ، لا ينى يقول تبارك ، تبارك النور

