هذه مقتطفات من حياة على الدوعاجى (I) العائلية ولعلها تنير القارئ وتجلى له السبيل ليفهم ما كتبه وما نظمه
ولد الدوعاجى سنة 1909 بتونس بنهج مارس قرب حى باب سويقة . واغتبط والداه به اذ هو الذكر الاول الذى انجباه وقد بلغت اخته عائشة فى ذلك العام التاسعة من عمرها . وكان على محل العطف عند ابيه ومحل العناية والحب عند أمه وأخته . ومات ابوه وهو لم يتجاوز الثالثة من عمره فأصبح يتيما وازداد بذلك شغف امه به وتضاعف عطفها عليه . وكانت لا ترفض له امرا أبدا وتسعى دوما لارضاء كل شهواته وتلبية جميع دعواته . وهكذا نشأ على "مدللا" مبجلا حرا فى جميع تصرفاته
وقد دخل مدرسة قرآنية فى الحى قرب داره وتعلم اللغتين وبارحها فى الثانية عشرة من عمره وقد ادرك بداية سن المراهقة وكما هو شأن المراهقين اراد ان يتوخى هدفا لحياته فأعرض عن التعليم الثانوى ولم يرض لنفسه الدخول الى جامع الزيتونة واختار مهنة التجارة واراد ان يكون تاجرا كبيرا ذا شأن ومال. واقترح على امه ان يتعلم مهنة التجارة فى دكان احد اصدقاء ابيه فتمانعت فى اول الامر والح عليها فرضيت ودخل على دكان السيد المبزع "كصانع" ولم يلبث ان اصبح اجيرا بهذا الدكان وأتقن التجارة وشغف بها . ولم تمض مدة حتى رأى نفسه اهلا لفتح دكان باسمه والقيام بشؤونه وحده وطلب من امه ان تعطيه المال اللازم ليحقق رغبته فامتنعت خوفا عليه من ان يضيع ماله وتتالم من ذلك نفسه والح عليها واصرت على الامتناع
وكانت هذه أول مرة يجد فيها امه عرضة فى سبيله وانجر له من ذلك صدمة اهتزت لها نفسه وتداولتها ضروب القياس والثورة ثم هدأ هدؤه واستقرت حاله ورجع له الامل من جديد فجعل لنفسه هدفا آخر يسعى اليه فى حياته واراد ان يصير فلاحا مثل ابيه وطلب من امه ان تسمح له بان يعتنى بنفسه بفلاحة الارض التى خلفها له ابوه واقر اليها بأنه يريد ان يصبح فلاحا . فأمتنعت امه هذه المرة ايضا خوفا على أبنها من اخطار السفر وشقاء مهنة الفلاحة واقرت هى ايضا بما تضمره له من خير قائلة ان أبنها العزيز ليس فى حاجة الى اتخاذ عمل وما خلفه له ابوه من مال يكفيه ليعيش طول حياته مطمئنا من دون عمل
فاصطدمت نفس على بهذا الموقف وتأججت واضطربت . وكان له ان يثور ويهجر منزله وامه أو ان يياس ويفشل ويخمل ويعيش بلا هدف فأختار اليأس والفشل والخمول لان فى هجرته عن منزله قضاء على حياة امه اذ كانت تحبه حبا مفرطا وكان على ايضا يحبها ولا يروم لها الاسى
وهكذا دب اليأس فى نفسه وساد الخمول حياته ولم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره . وكان لهذا اليأس عواقب فتعاطى على المخدرات وشرب الخمر واقبل على تحطيم جسمه كانه يريد ان ينتقم من غيره فلم يجد احدا فأنتقم من جسمه
وكان من المتوقع ان يسعى حثيثا فى هذه الطريق طريق اليأس والخمول حتى تفنى روحه بفناء جسمه لكن نفسه تابى الخمول ولا تروم الجمود . وان حرمت من النشاط المادى فقد وجدت فى ميدان الفكر والروح غذاء ومحركا . وهكذا كانت عزلة الدوعاجى عزلة ناشطة نشط فيها فكره فكتب المسرحيات الاجتماعية ونشطت فيها روحه فنظم الشعر الجميل . وكان ينام النهار ويسهر الليل
وهو يكتب وينظم ولا يبارح بيته الا الفينة بعد الاخرى . وكان يؤمه اصدقاؤه الى منزله ويتجاذبون اطراف الحديث فى الادب والشعر والفن وقضى عقدا من حياته على هاته الحال حتى دب مرض السل فى جسمه فانتقل الى اريانة وقضى فيها حولين سعيا لتحسين حاله ثم قضى شهرا بمستشفى شارل نيكول وبارحه ثلاثة ايام قبل ان تناله المنون فى 2 شعبان 1368 ه 1949 م وبعد وفاته انعزلت امه فى بيت قضت به تسعة اعوام وبارحته يوم قبضت لتلتحق بابنها العزيز فى دار البقاء .

