الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

أضواء على الجنرال حسين

Share

- توطئة :

لم تكن يقظة العالم الاسلامي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الا منبعثة من أعماقه ، وحدثت هذه اليقظة على اثر نجاح عمليات التوسع في العالم الاسلامي من طرف الاروبيين بعد ( مؤتمر برلين ) المنعقد فى سنة 1878 ؛ الذى أقر تقسيم ( تركة الرجل المريض ) والقضاء على كل ما يمثله من مقومات .

فى ذلك الظرف بالذات وحينما بدا الاستعماريون الاروبيون على وجههم الحقيقى كان لا بد من تصحيح للاوضاع بفتح البصائر وتحريك العزائم لانهاض العقل الاسلامي واستحثاثه " فى سبيل التفكير والنظر والمحافظة على الاعتزاز بالقديم وسد ما به من نقص باضافة كل رائع وطريف اليه ( 1 ) " ،  وهكذا ظهرت " الوهابية " قبل الحملة الفرنسية على مصر ، وظهرت " السنوسية " فى شمال افريقيا ، وامتدت دعوات الاصلاح فى كل من تونس بزعامة محمود قابادو وخير الدين باشا ، وظهرت في تركيا حركة الاتحاديين بزعامة مدحت باشا ، كما ظهر جمال الدين الافغانى فى الشرق ، وخلفه فيما بعد : الامام . محمد عبده ، ثم رشيد رضا ، ثم فى الجزائر برزت الحركة السلفية متأخرة قليلا غير انه ممن اشتهر فى هذه الفترة محمد بن يوسف اطفيش من وادى ميزاب ؛ والذى جاوزت مؤلفاته ثلاثمائة كتاب ، ثم كان محمد بن كنون المتوفى عام 1884 م هو اول من دعا فى المغرب الاقصى الى تحرير العقيدة وقد تأثر المغرب كله به واضطهد هذا المصلح بسبب افكاره ودعوته التجديدية هذه ( 2 )

هكذا كان بروز المصلحين التونسيين وغيرهم فى العالم الاسلامي .. ظهورهم كان نتيجة لتدهور الاوضاع السياسية والاقتصادية ، وفي عهد بات فيه العالم الاسلامي يشكو من عوامل الضعف والوهن الشئ الكثير ،  وارتكزت دعوتهم عموما على : مقاومة الحكم المطلق والبدع ، وعلى محاربة الخوف والانغلاق على النفس ، والحيف ، والاستغلال ، وعلى تمتين عرى ( العروة الوثقى)، واحلال اليقظة فى الشعوب ، والعودة الى السنة ، وفتح الاذهان لتقبل كل جديد .

ان الطابع المميز لهم - وان اختلف من واحد الى آخر - كان دائما يدعو الى التغيير والتجديد الاسلامى .

ففي هذا المنعطف التاريخي كان هناك شعور بالحاجة الى التغيير .. التغيير فى العقلية ، وفي الاتجاهات الفلسفية للفكر ، وفى السيطرة على التصورات الذهنية ، وفى النظر فى البديل الذى نوجه فيه الطاقات والمواهب والقدرات .

وكما قامت الدعوة الاصلاحية بالمشرق ؛ قامت الدعوة الاصلاحية بتونس ) 3 ) . . برز فى ذلك الوقت الكثير من التونسيين الشبان والشيوخ . . جمعهم حب العمل لانقاذ تونس مما قد تتعرض له من مكائد ومناورات ، وطمس شخصية ، وادماج واستلاب .

ان جميعهم هب للذود عنها حتى لا تنجح المخططات للقضاء عليها القضاء الكامل .

وكان يدفع هؤلاء حب فى العمل ، ووطنية صادقة ، وتشبث بالخلافة ، وغيرة على الاسلام وعلى المكاسب . . وكان النصر يرنو لهم من بعيد .. لكن كيف يحرزون عليه وامامهم صور التلاشى والتمزق ، وضعف الحكم وانهيار الاقتصاد والامية ووفرة الامراض الاجتماعية والاخلاقية ؟

ان حال تونس يومئذ كان يتطلب التغيير ؛ خاصة منذ سنة 1815 م ،  والتغيير هو علامة صحة على سلامة المجتمع الذي يرنو الى الافضل . . وهذا التغيير تحتمه عملية التفتت الداخلى التى افضت فيما بعد الى فقدان السيادة سنة 1881 م .

لقد بدا لهؤلاء المصلحين التونسيين ان القرن العصيب  بدأ ..بدأ منذ وفاة حمودة باشا : ) فى سبتمبر 1814 ( وانقراض الفريق الحاكم الذي كونه ذلك الباى ، وبداية سلسلة الكوارث على المستوى الفلاحى مثلا  (أزمة 1867 ) ،  وبدايات حملة أوربا على بلدان المغرب العربي التى جاءت عقب عام 1815 م  على اثر عودة امن البلدان الاوربية ، ولذلك رأينا ما رأينا اثر انتصاب الحماية الفرنسية على الجزائر : ( 1930 م) ،   وما اعقب ذلك الاحتلال المشؤوم من مضاعفات قهر وتغير فرضثهما الرأسمالية الغازية ؛ ذلك ان الحالة ازدادت سوءا فى تونس ؛ إذ انحطت قيمة المنتجات التى تصدر منها مثل : الحبوب والزيوت والشاشية وغيرها ( ، كما حصل تضخم فى الواردات دى الى نزيف نقدى والى تخفيض فى العملة ، كما ان تجارة التصدير صارت من مشمولات التجار الاوربيين ( 4 )

كل هذا كان دافعا قويا لهؤلاء الوطنيين الذين ساروا على نفس منهج فكر الشيخ الشاعر محمود قابدو ؛ الذى فجر الدعوة الى الاصلاح فى تونس والذى كان من رأيه ان العالم الاسلامى يبغى ان يجدد نفسه ماديا ليدفع الصولة الاوربية عن نفسه ، وتتلخص نظريته : فى " ان العالم الاسلامي متأخر ، مع أن دين الاسلام كفيل له بالتقدم ، فينبغي ان يعزي سبب التأخر

الى أمر خارج عن جوهر الدين لما فقد عند المسلمين تأخروا ، وقد أظهرت المقارنة ان هذا الامر انما هو العلوم الحكيمة ، ولما اقتبس الاوربيون هذه العلوم عن الاسلام ، سادت أوربا على البلاد الاسلامية بنسبة ما اخذت هى من تلك العلوم وهجر المسلمون منها ، فلا سبيل حينئذ الى أخذ الاسلام حظه من السعادة الا باستعادة هذه العلوم التى اضاعها .

وحيث ان الاوربويين قدروا قدرهـ وهذبوها ، وتطورت على ايديهم فلا سبيل الا الى اقتباسها عن الاوربويين بالنقل والتعلم ( 5 )

وعلى ضوء توجيه هذه الفكرة دخل رجال الاصلاح فى تونس معترك العمل ، ويذكر محمد الفاضل ابن عاشور ان هذه الدعوة لاقت استحسانا كبيرا من طرف اهل الفكر وقتئذ ( 6 ) اذ تحزب لها جماعتان :

أ )  جماعة الوسط الزيتوني : وهي جماعة آمنت بعلم قبادو وبفكره فدعت الى شد أزره ، وبرز من هذه الجماعة نابغتان هما : الشيخ سالم بوحاجب ،(7 ) والشيخ محمد بيرم الخامس ( 8 ) .

ب ) جماعة المدرسة الحربية بباردو : وهي جماعة احاطت بالمذاهب والنظريات وتوسعت فى فنون الحكمة ، وتمرنت على الرياضيات والعقليات

والفنون الحربية ونبغ من بين افرادها نابغتان هما : الجنران حسين ، ورستم .

- الجنرال حسين :

اذن فالجنرال حسين هو أحد المصلحين ؛ الذين تكونوا على فكر ومنهج المفكر محمود قابادو وهو واحد من الذين لازموه وتوخوا طريقته . . لكن من هو الجنرال حسين ؟ . . وكيف كانت نشأته ؟ . . وما هو منهجه الاصلاحى ؟

ان الجنرال حسين أو ( الفريق حسين ) كما كان يكني ؛ هو من عائلة جركسية فى جبال القوقاز . . ولد عام 1816 م ونزح الى تونس في مدة الامير مصطفى باشا ، وكان عمره عند قدومه الى تونس دون العشرين .

وتربى ) الفريق حسين ( فى كنف الامراء الحسينيين بقصر باردو ، فاعتنوا بتعليمه كما كانوا يعتنون بمماليكهم وابنائهم .

واثر تأسيس ) مدرسة المهندسين بباردو ( من طرف المشير أحمد باي الاول اختير هذا الشاب ضمن من سيلحقون بها ، وهنالك تلقى الفنون العسكرية والعلوم العربية أيضا .

ان استاذه في العلوم العربية هو الشيخ محمود قابادو ، و ( قابادو ) هذا ؛ كان عبقرية تونسية جمعت معارف عجيبة من فنون القول والحكمة والرياضيات والآداب ، وقد " تعاطى اللغة العربية وأدبها ففاق جميع علماء عصره في الاحاطة بمادة اللغة ورواية الادب ومعرفة التاريخ " ( 9 ) حسبما يذكر ذلك محمد الفاضل ابن عاشور فى كتابه ( الحركة الادبية والفكرية فى تونس) .

كما اتقن ( الجنرال حسين ) مختلف العلوم الرياضية ، والطبيعية ، واللغات الاجنبية عن الاساتذة الاوربيين ؛ الذين جلبوا لتدريس هذه المواد بـ ( مدرسة المهندسين ) أو( بمكتب العلوم العربية ) بباردو .

وأمكن للطالب ( حسين ) من أن يبرع فى العربية ومن ان يتقن العلوم العسكرية والعقلية والنقلية الى جانب اللغات التالية وهى : ( الايطالية ) ، و ( التركية )  و (الفرنسية) ؛ كان كما ذكر المؤرخ محمد الفاضل ابن عاشور مثقفا واسع الاطلاع لان " ثقافته راقية ، وكان من الناحية العلمية والمقدرة القلمية في العربية واللغات الاجنبية يفوق جميع رجال الدولة والمماليك فى عصره " حتى الوزير خير الدين ( 10 ) .

- وظائفه :

وأمام تفوقه فى الدراسة أصبح أهل الحل والعقد ينظرون اليه بعين الاعتبار فرقي في عهد أحمد باشا الاول الى رتبة " بكباشى " : ( عقيد ) ،  والحق بعساكر ) الخيالة ( وبقى متقلبا فى تلك الخطة الى آخر مدة هذا الباى .

وما ان تولى المشير الثاني محمد باشا حتى التفت الى مترجمنا ورقاه الى ( أمير آلاى) ؛ شأنه فى ذلك شأن معظم خريجي " معهد العلوم الحربية " بباردو كالوزير ( خير الدين باشا ) والوزير ( رستم) .

والملاحظ أن هذه الخطة بوأته لان يكون من جملة عظماء الرجال فى الدولة ؛ لذلك رأيناه يسهم فى عملية تطوير مجتمعه ؛ فعهد اليه بتدوين آراء اللجنة المؤلفة لتفصيل ( عهد الأمان ) فى سنة 1274 هـ ( 1857 م) ، ثم في عام ( 1858 م ) لما تأسس مجلس بلدية تونس المكون من عشرة اعضاء يختار رئيسا لهذا المجلس ؛ فكان أول رئيس بلدية فى تاريخ تونس الحديث ( 11 )

وحرص ( الجنرال حسين ) عند اضطلاعه بهذه المسؤولية ان ينقطع لخدمة الصالح العام في ادارة البلدية بجد وامانة يشهد بها كل المؤرخين ، كما سهل عملية توريد البضائع ، واقام قسطاس العدل على الاسواق ؛ مما استجلب الطمأنينة فى النفوس والرخاء فى الرزق .

واشتهر شيخ مدينة تونس ) حسين ( بتقشفه ونظافة يده ؛ حتى انه اتخذ فى ) دار العشرة ( مقر المجلس البلدى بيتا صغيرا سكن فيه بعد ان كان يسكن ثكنات الجنود بباردو ، ولذلك اشتهرت هذه الدار فيما بعد بـ  " دارحسين " .

وتولى  ) الفريق حسين ) عملية تطوير وتحسين ( المطبعة الرسمية ) فى عهد الصادق باي ، كما وضعت اعمال المطبعة وتحرير ( الرائد الرسمى ) تحت نظره ، وامام نشاطه المتزايد سواء فى ( البلدية ) او فى ( الرائد ) سماه الصادق باي ( فريقا ) ثم عينه عضوا فى ( المجلس الاكبر ) وهو بمثابة ( مجلس النواب ) ثم رقاه ؛ كعضو بـ ( المجلس الخاص ) (12 ) .

لكن طينة ( الفريق حسين ) لم تكن من نفس طينة ( الصادق باي)  ؛ لذلك سرعان ما نفر من العمل مع ( الصادق باى ) ومع رجال دولته المختلسين . فاستقال من مناصبه وخرج يسوح فى أوربا وأمريكا ، كما زار عدة بلدان اخرى من بينها المغرب الاقصى ، وختم سياحته هذه بأداء فريضة الحج ، وفي أثناء ذلك ، مر على مصر ، ثم استقر فى ( دار الخلافة ) باسطانبول وعرض عليه المرحوم : ( عالي باشا ) عدة وظائف ؛ لكنه أعرض عن جميعها لما ورد عليه الطلب من تونس بالرجوع اليها . .

آثر ( الفريق حسين )  خدمة وطنه ونفع شعبه بدلا عن الوظائف والخطط السياسية التى عرضت عليه فى ( دار الخلافة ) بأسطانبول ؛ لانه كان يقدر مسؤوليته كوطنى وكمثقف ملتزم .

وعند عودة ) الفريق حسين ( الى تونس عهد اليه بعدة مسؤوليات خطيرة فى الدولة منها : ) نظارة الداخلية( ، ثم كلف بـ ( نظارة المعاف) ، وعين فيما بعد على رأس ( نظارة التجارة) ، ثم لقب بـ ( وزير الاستشارة ) عام 1290 هـ ( 1873 م ) وبعدها تكتل مع جماعة المصلحين بزعامة الوزير خير الدين فى ( قضية محمود بن عياد) . . وهنا كانت مواقفه الوطنية الشجاعة ؛  التى أبرزته كمصلح تونسي طالما تألم لاوضاع البلاد ولما كان يجرى فيها من فساد مما جعل الشعب يثور ضد كل اوضاعها ؛ فكانت ثورة ) على بن غذاهم ( فى سنة 1864 م ( 13 )  وعند قيام هذه الثورة استعفى من مناصبه وخرج من البلاد .

- نزعته الاصلاحية :

نشأ ) الفريق حسين (  منذ فجر شبابه نشأة دينية ، ومنذ ظهوره على المسرح السياسي كان مأخوذا بالنزعة الاصلاحية ، وتستطيع ان تستشف هذا حتى من حياته الخاصة التى التزم فيها بالتقشف فلم يبحث عن قصر فاخر يشيده كما فعل الوزيران : مصطفى بن اسماعيل ومصطفى خزندار فى أيامهما ؛ ذلك انه انقطع لخدمة الصالح العام فلم يتزوج ، وكانت سكناه فى ثكنات الجند مع أعوانه الجنود ، ثم لما عهد اليه برئاسة بلدية العاصمة اتخذ فى مقر البلدية بيتا صغيرا سكن فيه .

ويذكر محمد بيرم الخامس انه " كانت للوزير مصطفى بن اسماعيل ضغائن على الفقيد كما كانت بينه وبين قنصل فرنسا فى تونس " روستان " مشاحنات لتباين أفكارهما ومقاصدهما ؛ لذلك عزله من وظائفه " (14 ) .

ومما يذكر عن ) الفريق حسين ( انه كان شديد الغيرة على المصلحة الوطنية كما كان يتألم لاعمال المخربين للاقتصاد . . وما اكثرهم وقتئذ !

ان اولئك المتلهفين على الثروة من أى طريق ؛ هم الذين ابتزوا جانبا هاما من الثروة ، ثم التجأوا الى البلاد الاجنبية عائشين فى هناء ، وما فكروا قط فى ان ينالهم العقاب من أولى الامر ؛ ) ليقينهم بقلة الكفاءة فى الرجال الذين بيدهم مقاليد الامور ؛ من أجل هذا كان المترجم من الرجال المدركين لمعنى المسؤولية الحريصين على أن لا ينجو من المسؤولية أمام مصلحة الوطن أى مقصر فيها . وقد ظهر تكتل هؤلاء الرجال لأول مرة فى قضية ) محمود بن عياد بزعامة الوزير خير الدين ؛ فكان الوزير حسين من المهتمين بأمر تلك النازلة الباذلين أقصى جهودهم فى ان تنتج للبلاد عوضا من مالها المسلوب ،  ولرجال الدولة درسا يفهمهم ان المعتدى وان بعد مغلوب ) ( 15 ) .

وهكذا يتضح من هذه الفقرة أن ) الفريق حسين ( كان شديد التعلق بنزعة الاصلاح ، وكثير الادراك للمصلحة الوطنية ولمسؤوليته كمثقف ، ولهذا الاعتبار وجه كل طاقاته لمعاضدة الوزير المصلح خير الدين باشا فوقف معه

في جميع الظروف الصعبة وصحبه فى رحلته الى باريس لمخاصمه محمود بنى عياد ، ومكث مدة هناك الف فى اثنائها عدة رسائل سياسيه هامة اشهرها "حسم الالدداد في نازلة محمود بن عياد " التى طبعت بتونس سنة 1292 هـ - ( 1875 م ) ( 16 ) .

ومن غيرته الوطنية اهتمامه بقضية مماثلة هى قضية ) نسيم شمامة ( التى اشتهرت كثيرا فى حياته ( 17 ) .

وفي نطاق توجهه الاصلاحى وأيام اشرافه على ) نظارة التعليم (  فى عهد خير الدين ؛ اهتمامه باصلاح التعليم فى كل من ) الصادقية (  و ) جامع الزيتونة ( فكان الواسطة بين الوزير الاكبر وبين المدرسين وبذل فى هذا الصدد جهودا تذكر الى هذا الوقت بكل اكبار .

وتقديرا لخدماته الواضحة ولمنزعه فى الاصلاح وسمه  )  خيرالدين باشا ) ضمن الرحال الستة عند انشاء ( نيشان العهد المرصع ) فى شوال سنة 1291 هـ ( 1874 م ) .

وأمام تشعب نازلة ( نسيم بيشى شمامة ) اضطر الى البقاء بايطاليا عدة سنوات : ( 1857-1887 ) مع التردد على تونس فى فترات متقطعة .

وتمضى الايام ويعزل خير الدين باشا ويخلو الجو للوزير مصطفى بن اسماعيل الذى كان عدوا لدودا له ، وتتكاثر مفاسد ذوى الامتيازات المالية ، ويحاط ( الفريق حسين ) بالمخاطر والمناورات من كل الجهات وافضى الامر فى النهاية الى عزله من وظائفه وتجريده من نياشينه عام 1881 م وظل مقيما بايطاليا الى ان توفى بمدينة ( فيرانزا )  سنة 1886 م ، وأوصى بأن تصرف ثروته على المجاريج والعجز من عساكر الخلافة العثمانية .

ورثاه المرحوم محمود قابدو قائلا :

يا نفس بشراك وافاك الحسين فلا ترين للدهر الا المنظر الحسنا

وهكذا تواري هذا المصلح السياسي بعدما قدم خدمات جليلة لفائدة وطنه ، وساهم فى عملية اثبات الذات ، وبلورة الشخصية الثقافية التونسية على انه يمكن ان نلخص مذهبه الاصلاحى فى رأيى فيما يلى :

اولا : فتح الذهن البشرى بالعمل على حرية الفكر وحرية العقيدة . ثانيا : دعوته الى تعزيز الخلافة العثمانية ؛ شأنه فى ذلك شأن الوزير خير الدين باشا ورفيقه محمد بيرم الخامس وغيرهما من رواد الاصلاح فى تونس .

ثالثا : تكتيل النخبة ضد  ذوى الامتيازات المالية الخاصة والانقطاع لخدمة الوطن . رابعا : دفع الشعب فى تيار اليقظة الفكرية حتى لا تحوم الاخطار الاوربية حوله فيفقد السيادة والنصير .

وعلى هذا التوهج الحر قصر ) الجنرال حسين ( حياته ، وأتيح له سواء فى منصب المسؤول أو فى غيره ؛ ألا يتوقف ؛ فقاوم المرتشين ، والنصابين ،  وأصحاب الامتيازات ، وربط فكره بفكر محمود قابدو وخير الدين باشا وبحركة المصلحين المسلمين وهدفه من وراء ذلك هو تعزيز الاحرار ، ومقاومة الانحراف والخيانة ، ونصرة المثل والقيم .

اشترك في نشرتنا البريدية