الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

أضواء على القصة التونية المعاصرة

Share

ان انتشار القصة فى تونس بعد الاستقلال ظاهرة بارزة لا تحتاج الى تدليل وان تعدد الكتاب فى هذا الفن يسلم به كل من اهتم بالادب التونسى وتتبعه فى المجلات والجرائد والمجموعات القصصية التى تصدر عن دور النشر (1).

وقد فرض ازدهار القصة التونسية على المطالعين والنقاد الاهتمام بها وكثرت بذلك المقالات والبحوث والاستجوابات والتعاليق طامحة الى ان توفى بحق هذا الفن الذى اكتسح ميدان الادب، فتيا جبارا فى تحسس طريقه، يانعا فى ضروب خلقه.

وما هذا العمل الا مساهمة متواضعة فى الكشف عن جوانب من القصة التونسية، هو لن يكون احصائيا كميا، ولا تحليليا بأتم معنى الكلمة بل سكون محاولة تأليفية محدودة للبحث عن العوامل التى حركت كتابنا فكتب القصة بصورة دون أخرى، وظهرت فى أغراضها وتقنيتها ولغتها وأسلوبها متميزة عن غيرها من القصص فى العالم، محتفظة بنوعيتها وأخص خصائصها.

ولن يكون كذلك تقييميا ذوقيا فيه تفضيل، من حيث الروعة الفنية، لكاتب دون آخر بل سيكون مراعيا لدرجة وعى كل قاص بالقضايا والمشاكل الراجعة الى فنه، معتبرا أن مجرد نشر أثر أدبى فى جريدة أو مجلة هو شاهد قبل كل شئ على وضع ثقافى معين، ووثيقة لها دلالاتها يمكن لكل فن من فنون المعرفة أن يعتمدها.

كما أن هذا العمل سيقتصر على القصة فقط (Nouvelle) من دون أن يشما الرواية (Romon) لان الانتاج الطاغى فى هذا الباب هو القصة لا الرواية ولان الفروق بين هذين الفنين كبيرة ولان انصراف الكتاب التونسيين إلى الخلق فى هذا الصنف من الادب دون الآخر لابد أن تكون له أسبابه ومؤثراته.

ولعل النظر فى الفروق الموجودة بين القصة والرواية من حيث هما فنان قائمان بذاتهما يفسر لنا بادىء ذى بدء شغف كتابنا بالقصة أكثر من غيرها. انه لمن الصعب ان نجد تحديدا ثابتا قارا، يصف لنا القصة، ويضع لنا خطوطا واضحة للرواية. اذ الامر مرده فى الواقع الى الخلاقين، وكم تباينت اساليبهم واختلفت مناح بناء أعمالهم بحيث لا نجد بين هذا وذاك الا شبها بعيدا وملامح تماثل ضئيلة.

الا أن من النقاد من وصل الى ضبط الفروق وأثبت أن أشخاص ((القصة غير ايديولوجين)) (2) أى أنهم لا يخضعون فى سلوكهم ومواقفهم الى فكرة مسبقة بل هم يقتطعون من الحياة ويرسمون باقتضاب وايجاز حسب مقتضيات حركة محدودة فى الزمان والمكان بينما نجد أشخاص الرواية يسيرون بمقتضى فكرة محددة لا يخرجون عنها ويملؤون بأبعادها عمرا كاملا أو جزءا كبيرا منه بزمانه ومكانه اللذين يفيضان على الحركة ويشملانها بأوساعهما.

أما العقدة في القصة فهى بسيطة جدا وقد لا توجد فى بعض الاحيان خاصة اذا أصبح الاثر قصيدة منثورة. وعلى كل فهى ((عقدة يأتى تشعبها من الحياة لا من تنظيم واحكام تفرضه ايديولوجية مضبوطة)) (3). كذلك كل ((تحليل نفسانى))، فى القصة لا يخضع ((للافكار بل يسير حسب الاحداث)) (4) وهى التى تسيطر عليه وتنحو به منحى خاصا يباغت فى أكثر الاحيان.

وأخيرا فان تقنية بناء القصة تكون بمثابة التأليف (Synththese) بينما الرواية أساس تقنيتها وهيكلها هو ((التحليل المطنب)) (5).

على ضوء كل هذا يصح أن نقول ان القصة أقرب الى الحياة من الرواية والصق بالواقع أى أنها فى نوعيتها (Specificite) وروحها تقترب من خصائص الحياة بصفة عامة، الماثلة فى عنصر التأليف البعيدة عن التمسك بفكرة مسبقة أو ايدولوجية معينة ولو كان للحياة معنى واضح ثابت يقره جميع الناس أو معان محددة مضبوطة تتفق فى شأنها البشرية لهان على الانسان العيش وأصبح تاريخ الانسانية أى تاريخ الحياة المتطورة الحركية شيئا قارا له قوانينه، يمكن لكل عالم أن يتنبأ بمصيره. ولكن الواقع يحتم على المنكبين على دراسة الحياة التى كم شعبها الانسان ونوعها، أن يحترزوا من أن يفلت من بين أصابعهم فهمها اذا هم بالغوا فى تقنينها وأحكموا تبويبها بصفة نهائية وغاية ما يمكن أن يصلوا اليه هو النظر، بمختلف وجوه النظر، الى جانب منها محدود فى الزمان والمكان، مقيد بملابسات وظروف معينة، ورغم هذا فهل يوقى الانسان من الخطأ ويقال من المزالق والعثرات، وخاصة اذا قل التوفيق وافتقد الحدس؟ وهلا يمنعه توقه الى التجريد وهو منفذ تقدمه وتطوره، من أن يستنبط إيديولوجية ما يصهر بها الحياة لينصهر فيها ويعنف بها ليسيطر عليها؟ وجهان اذن للوجود الانسانى قد يتمثلان فى القصة وفي الرواية: من جهة الحياة فى تعقيدها وتشابكها وثروتها ومن جهة اخرى إخضاع الحياة لايديولوجية ما تبسط وتيسر وإن فى جدب ونضوب حياة فى الظاهر.

ولكن المهم فى موضوعنا هو أن نسائل أنفسنا عن الاسباب التى جعلت الكاتب التونسى يميل الى القصة ونتيجة لهذا هل يصح ان نقول تبعا لهذه المقدمة انه يحبذها لانها اقرب الى الحياة؟

قد يكون من السذاجة الجزم بهذا ومن السهولة التى تغطى تشعبا وتعقدا فى كنه الخلق الادبى المتنوع تنوع الخلاقين والكتاب، تأكيد هذا الامر.

فهل نميل اذن الى التسرع ونقول بأن الكتاب التونسيين وخاصة الشباب منهم شغفوا بالقصة لان: ((جدة (هذا النوع) جعلت منه غاويا لاقلام الشباب المولع بالخلق الادبى)) (6) والحال أن القصة موجودة من القرون الوسطى مع بوكاتشو الايطالى وفى أوائل القرن مع تشيكوف وموباسان مثلا وتعدت مستوى ((الموضة)) منذ زمان.

أم هل سننساق إلى التمنى مثل من تساءل قائلا: متى سيتمكن الكتاب التونسيون من ((اجتياز نطاق القصة القصيرة الضيق والارتفاع الى مستوى الرواية الطويلة))؟ (7) المسألة اذن تتعلق بطول النفس وليست هى مربوطة بنوعية هذا الفن. ولو كان الامر ينحصر فى درجه طاقه الكاتب من حيث طول الاثر وقصره لكان علينا أن نطرح تشيكوف مثلا من قائمة الادباء العباقرة. واذا كان الامر تشكيكا فى قدرة التونسى وعبقريته فان لنا والحمد لله اليوم من كتبوا الرواية وأجادوا فيها وأظهروا طول نفسهم مع طول باعهم.

وهل نعزو هذه الظاهرة الى طبيعة النوع القصصى العربى الذى سيطر منذ قرون واتسم بطابع القصة وان هو برز فى صورة رواية طويله لبعض الابواب من ألف ليلة وليلة وكثير من الحكايات والنوادر والخرافات؟ ولكن الرواية فى مصر هى الطاغية وهي التى دخل بها الادب المصرى الى العالم القصصى قبل ولوجه باب القصة.

وهل نجازف ونجزم بأن السنة الادبية الفكرية القومية الممتزجة بروح لتونسيين من حيث لا يشعرون والتى ظهرت فى تآليف أبوليوس واعترافات القديس أغسطينوس وفى أدب الرحلة والتاريخ المدون على الطريقة الادبية هى الحافزة على الانكباب على هذا النوع من الادب؟.

وأخيرا هل نربط هذه الظاهرة بحياتنا العامة بعد الاستقلال، خاصة اذا نحن سلمنا بأن كل كاتب لا بد أن ينطبع فى صورة من الصور، أحب أم كره، انسجم أم لم ينسجم، بظروف الحياة فى تونس أثناء هذه الفترة؟

وهذه الحياة العامة هى خاضعة فى الحقيقة الى السياسة فى معناها العميق عندما ينعكس اثرها على ضروب الحياة الاقتصادية منها أو الاجتماعية أو الثقافية. والسياسة فى تونس بعد الاستقلال الى اليوم لا تقول بالايديولوجيات ولا الافكار المسبقة. واشتهرت بذلك وأثرت على الواقع التونسى أعمق تأثير وسيطرت وما زالت تسيطر فهل تأثر بها كتابنا الى الحد الذى اختاروا فيه القصة على الرواية؟ سؤال أطرحه على المناقشة ولا يمكن لى الاجابة عنه هنا بصورة نهائية ولكن يمكن التمهيد له بما امكن لى جمعه من الملاحظات حول تطور

القصة التونسية وحول القضايا المتعلقة بها والمسيطرة عليها .. ولعل فى تصنيفى لانواع القصص حسب نظرة خاصة لا تخضع الادب الى المدارس من رومنطيقية وواقعية وغيرها ما ينير السبيل للاجابة عن هذا السؤال.

وليس من اليسير تقسيم كتاب القصة فى تونس حسب المدارس المعروفة لان القصة كما ذكرنا لا تخضع فى جوهرها للايديولوجيات فيسهل تصنيفها بهذه الصورة ثم لاننا نضطر كما فعل بعضهم الى حشر كاتب واحد مرة مع النزعة الرومنطيقية ومرة أخرى مع النزعة الواقعية وهكذا دواليك (8). فاما أن يكون هذا التصنيف يصادف حقيقة لا منازع فيها فيكون الكاتب رومنطيقيا فقط أو واقعيا، أو رمزيا ولا يخلط بين نزعة وأخرى واما أن لا يدل على أى وجه موضوعى يمكن الاعتماد عليه بالنسبة لوضعنا الادبى فيقودنا عند ذلك الى تصنيف آخر يكون فيه الكاتب منسجما مع نفسه تربط بين انتاجه مهما تنوع وحدة متينة.

واذا وجدنا صعوبة فى تصنيف انتاج كاتب ما وخفنا أن يلحقه الضيم فمن باب أولى وأحرى اذا اردنا حشر كاتبين أو ثلاثة فى صنف واحد. وكيف نتوصل الى ايجاد وجوه الشبه من دون ان نظلم هذا او نحرف رؤية ذاك؟ لعل أقوم الطرق وأسلمها من الخطأ هى التى تبحث عن المادة الخام التى انطلقت منها القصص وغرق فيها الكاتب أولا ثم صهرها بحسب مزاجه وطاقته على الخلق، ورؤيته الى الكون وقدرته على السبك.

ان كتابا عاشوا نفس الفترة وتأثروا بنفس المؤثرات وانفعلوا لنفس الاحداث لا بد أن يكون فى انتاجهم ما يوحد بينهم ويجمع كلمتهم أى لا بد أن تكون القاعدة الحية التى أرسوا عليها ركائز خلقهم واحدة ولو اختلفت فيما بعد مناهجهم الفنية وتباينت أساليب تعبيرهم. وبعبارة أوضح فان الطريقة التى أعرضها فى هذا العمل هى البحث عن الارضية (Background) التى ترتكز عليها كل مجموعة من القصص ثم وصفها حتى يقع على أساسها ضبط العناصر الجامعة بين كاتب وكاتب.

لقد تبين عند استعراض القصص المنشورة من الاستقلال الى اليوم أنها تنطلق من ثلاث أرضيات متراكمة حينا ومنفصلة بعضها عن بعض حينا آخر الاولى: اعتمدت الماضى، والثانية: الحاضر، والثالثة المستقبل وكلها وان اختلفت أرضياتها تعالج قضايا انسانية خالدة وتخوض فى أغراض لا يشرف الواحد منها على الآخر وتظهر فى مظهر من الروعة الادبية يتغاير مع قدرة كل كاتب ويتناسب مع درجة سموه الفنى. فكم من كاتب من الصنف الاول لاقى من الشهرة والتقدير ما يجعله يفوق كاتبا من الصنف الثالث مثلا والعكس بالعكس. فهذا التصنيف اذن غير تقييم وليس فيه أى تفاضل بين قصة وأخرى.

ان من يتبع قصص البشير خريف والطيب التريكى ورشاد الحمزاوى ومحمد فرج الشاذلى ومن يشبههم كثر يجد ان ارضية قصصهم تنطلق دائما من ماضى تونس سواء كان الماضى القريب أو الماضى البعيد وهؤلاء اعتمدوا ظروف حياة التونسيين قبل الاستقلال كالبشير خريف فى قصة خليفة الاقرع التى تصور الدفاز وخادم المنزل وهي صور من المجتمع التونسى انقرضت أو تكاد وحتى ان بقى منها شئ فهو الى التلاشى، وفى قصة النقرة مسدودة الواصفة للضيافة القديمة وآفاتها، أو الطيب التريكى فى قصص فرحة الاولاد، وكلاب السوق، وغيرهما التى تحاول ان ترسم لنا نماذج من حياة المنزل والسوق والشارع، وكرشاد الحمزاوى فى قصصه التى تعتمد اشخاصا عاشوا فى الريف وانزل عليهم الفقر والجهل والتخلف من صنوف القهر ما جعلهم يشذون عنه ويتشردون مثل طرننو، هذه كلها جعلت من حياة المجتمع التونسى القديم مسرحا لها واعتنت خاصة بالحالات الاجتماعية والنفسانية حتى ان البشير خريف يمضى فى نزعته هذه الى ابعد حد نشدانا للاصالة فيبحث عن لغة التونسى العامية فى القرن الثامن عشر ليطعم بها رواية ((برق الليل)) وهؤلاء انفسهم لا يهملون ماضيا حافلا بالكفاح فنرى محمد فرج الشاذلى يخصص كثيرا من قصصه لوصف ابطال ضحوا بحياتهم في سبيل الوطن ونضبط البشير خريف يحكى ملحمة 9 افريل فى قصته ((محفظة السمار)) وحتى طرننو رشاد الحمزاوى لا يبخل على الوطن بتضحية فيشارك فى المظاهرات.

وهكذا فان الذى يجمع بين هؤلاء هو شغفهم بالماضى ورواسب الماضى البعيد، بوجهيه المتخلف والمتطلع. فكأن قناعا من الانحطاط وانهيار الذات

والضياع يمزق لتظهر منه الاصالة والبطولة والشخصية فى اجلى مظاهرها. ولعل هذا يتبين بوضوح فى ممارسه هؤلاء الكتاب لاهم عنصر من عناصر فنهم وهي اللغة.

قال احد المستشرقين: ((يمكن القول بان اللغة [العربية] الكلاسيكية هى (Personno) المجتمعات العربية وذلك فى المعنيين اللذين يملكهما اللفظ باللاطينية، الاول فى دلالته على ((القناع)) الخاص بالملاهى فوق الركح وبالمحافل، والثانى فى اشارته الى الشخصية بما تفرضه هذه الكلمة من صدق واصالة (9)، والصدق! والاصالة هما شعار افتتاحيات ((الفكر)) والكلمتان اللتان تترددان اكثر من غيرهما وعنوان استجواب طويل للاستاذ محمد مزالى مدير مجلة ((الفكر)) (10).

وكلنا يعلم مكانة اللغة العربية عند اهلها وجهاد افذاذها من الكتاب لتجديدها وازالة ما علق بها من ادران الماضى وتمزيق القناع الذى صرفها عن الحياة ومواكبتها قرونا وقرونا. وكلنا على يقين من ان قيمة كل كاتب تتجلى فى موقفه ومعالجته للغته. ولقد احس هذا الصنف من الكتاب الذي نحن بصدده ان لغتنا لها هذان الوجهان، فراح كل واحد منهم يواجهها بما لديه من قوة ويحاول ان يرفع عنها القناع. وجلهم رأوا انفسهم مضطرين الى الاسراع فى رفعه بعنف طلبا للاصالة والصدق فتمزق وانزاح منه ما انزاح وبقى ما بقى فظهرت اللغة مزيجا من الفصحى والعامية. وبرز الحوار عند خريف والحمزاوى والتريكى عاميا إقليميا فى بعض الاحيان ليس فيه اى اثر للعمل الفنى ولكنه جميل فى سذاجته وبساطته وحتى من التزم الفصحى مثل فرج الشاذلى فانه احس بهذا القناع الذى تكاثف عليه الغبار فصقله صقلا فقط خشية ان يمزقه وطلع علينا بلغة جميلة تذكرنا بعهود ازدهار العربية.

ولا اريد ان امضى اكثر من هذا فى تحليل موقف هؤلاء الكتاب من اللغة لانهم، وان جمعهم هذا الوعى بوجود هذين الوجهين، فهم يختلفون فى

مواجهتهم وصهرهم لمادتها وهو امر يجرنا إلى دراسة كل كاتب على حدة وتحديد نمط لغته وتأثيره على اغراضه وتقنيته وهو فى اعتقادى الكاشف والمنطلق لعالم كل قاص (11)، ولكن غرضنا ليس هذا.

واذ كان هذا الصنف من الكتاب قد اتخذ ماضى تونس ارضية لقصصه فان صنفا ثانيا ظهر بعده بقليل وانكب يعالج فى انتاجه حاضر تونس. وليس اصدق للدلالة على هذا التيار مما كتبه سنة 1963 مصطفى الفارسى فى محاضرة له عنوانها: ((القصة كامنة فينا)) قال:

((تمر البلاد التونسية فى ايامنا بطور من حياتها تشتبك فيه الانقلابات وتتلاحق وتؤتى اكلها. ولا ارانى فى حاجة الى سرد الاحداث التى تطلع علينا كل يوم فانتم تعيشون فى معتركها مثلى وتقدرون مثلى ايضا ما لها من وقع وبعد اثر فى النفوس. واذا اثرت الوقائع فى النفوس وخاصة فى نفوس من نسميهم بالادباء كانت القصة، نعم القصة فى حياتنا اليومية فيما يجرى امامنا من احداث، فيما تسجله مخيلتنا وما يجب ان يكتبه القلم او ترقنه الآلة الراقنة. حياة عراك بين القديم والحديث، بين الرجعية والتقدم، بين التقليد والتجديد، وحياة صراع بين الحيوية والجمود بين كلمة الحق ورعود الباطل بين صرخة اليتيم الجائع ووقاحة الذى لا يشبع من اكل، نحن نعيش فى كل هذا وذاك فى ازدحام الاحداث وجوع الانجازات. نحن فى اقوى واغنى عصور حيويتنا أليس فى هذا دعوة الى الكتابة والخلق)) (12).

لقد تعمدت اطالة النص هنا لان مصطفى الفارسى هو ابرز من اهتم بهذا الصنف من القصص فعالج فيها اغراضا اجتماعية وسياسية وذاتية وكلها تدور حول الثورة على التقاليد البالية والتطلع الى بناء حاضر متطور متمدن. هى

اكثرها وان اتسمت بطابع الفن دعوة الى التخلص من بقايا المجتمع البالى ولكنها محاولة صادقة لتكون مرآة الحاضر فى صراعه المستمر.

ولم يكن الفارسى وحده هو الذى خاض هذه المعمعة بل سبقه الطاهر فيفة فى قصصه الخمس التى نشرت بالفكر سنة 1956-1957 ولكنه انقطع عن ذلك فترة طويلة وها هو يرجع الى ميدان القصة محملا بتجارب الحياة والفن. كما الى حسن نصر ورشيد الغالى وكذلك عدد كبير من أسرة ((هواة الأدب)) لم يبخلوا بتحليلهم العميق للصراع الذى يخوضه الشاب التونسى فى خضم الحياة الجديدة.

لهذا فان شخصيات قصص هؤلاء الكتاب كلها تحيا فى بيئة وحدة وهى البيئة التونسية وتعيش زمنا واحدا وهو الحاضر وان وصفت بقايا الماضى فللدعوة الى القضاء عليه وكلها تعانى ازمة التطور التى تجتازها البلاد من اجل الاستقلال وتبحث عن نفسها فى خضم الحياة وهي بين الامل المطلق فى تفاؤلها والتشاؤم المفرط.

وكأن هؤلاء الكتاب يحسون بان لهم رسالة عليهم تبليغها الى الناس فلم يشعروا بشديد الحاجة الى مواجهة اللغة مواجهة صريحة مثلما فعله الصنف الاول بل المهم عندهم هو الابلاغ وما اللغة عندهم الا اداة للافهام ان ادت دورها وانفتحت لها القلوب لم يعد ما من شانه ان يبعث على الحيرة لهذا فلن نجد الا نادرا الحوار بالعامية ولن نظفر الا قليلا بتأنق فى العبارة او زخرف او بحث عن طرافة فى اللغة بل هو السهل الرقراق الذى يحمل بين طياته افكارا ونظريات وتفلسفا يبعدنا فى بعض الاحيان عن دقائق الحياة الواقعية.

ويأتي الصنف الثالث متأخرا شيئا ما عن الثانى ولربما وضعنا له تاريخ سنة 1963 عندما جمع السيد الرئيس ثلة من الادباء للنظر فى قصة الحبيب ابراهم ((عبث)) (13) وعندما بدأ رعيل آخر من الشباب يكتب فى مجلة ((الفكر)) كمحمود التونسى والحبيب ابراهم ثم سمير العيادى وعز الدين المدنى وغيرهم ثم اخذوا ينشرون ابتداء من سنة 1966 في مجلة ((قصص)) سنة

تأسيسها، ثم منذ اكثر من عام فى الملحق الادبى لجريدة ((العمل)) لسان الحزب الاشتراكى الدستورى.

ولعله من المهم ان الفت النظر الى بعض التواريخ والاحداث التى يمكن ان يستنتج منها الباحث ما يدل على انبعاث هذا التيار الثالث فابتداء من سن 1963 بدأت الحكومة والحزب فى سياسة موجهة نحو الاعتناء بالشباب والالتفات اليه والخوض فى مشاكله لتهيئة مستقبل البلاد. وفى اكتوبر سنة 1964 انعقد مؤتمر المصير وتسمى الحزب بالاشتراكى واثار لاول مرة رئيس الدولة مسألة الخلف فى الحكم. كل هذا يدل على ان البلاد كانت متجهة الى المستقبل اكثر من قبل، وقد تخلصت من العقبات الكاداء التى كانت تكبل مسيرتها.

وليس من الغريب آنذاك ان نجد مجلة ((الفكر)) تخصص معظم عدد جانفى 1964 للشباب ومشاكله، وليس من الغريب ان نجد فى نفس العدد مصطفى الفارسى يرد على شاب يبحث عن المصير فى قلق وعن المستقبل فى حيرة تحت عنوان ((رسالة الى صديق)) قائلا:

((نحن يا أخى فى عصر الخلق عصر الثورة المتواصلة على الاوضاع الواهية المتداعية فما احوجنا الى ساعدك الى قلمك الى ايمانك الى هذا المعدن الطيب الذى فيك .. فما هذه الرحلة التى ذكرت المحفوفة بالاخطار والمفاجآت ((رحلة الانسان عبر وجوده وعبر نفسه فى متاهاتها المظلمة ؟)) (14).

هذه الرحلة هى التى كانت من ذلك الوقت وما زالت تشغل بال الشباب وقد وعى واقعه فى بلاده وفى العالم بما فيه من مشاكل وقضايا ورام ان يتجاوزه، ((وان يرى الدنيا بنظرة اخرى غير التقليد. فانفجرت عنده القيم الموروثة وراح يعبر عن قلقه من اجل ان يكون غير الذى كان، ويفصح عن غضبه لانه لم يجد نفسه [كل ذلك] توقا الى تجاوز نفسه)) (15).

هذا التيار الثانى من كتاب القصة من امثال عز الدين المدنى وسمير العيادى ومحمود التونسى ورضوان الكونى وغيرهم وان هم تحدثوا عن الماضى او

الحاضر فى قصصهم فان الذى يهمهم اكثر من ذلك هو تجاوز الماضى والحاضر الى مستقبل يفهمه كل واحد منهم فهما خاصا، غامضا فى بعض الاحيان، شعريا فى أغلبه.

ولكنهم كلهم فهموا ان ((الأدب لا يكون أدبا الا اذا تجاوز الوثيقة)) (16) ((فخالطت أصواتهم أصداء المعاصرة والقلق، وأخذت البابهم البحث فى مجاهل اللغة وعميق الاغراض)) (17). وانضموا الى كتاب القصة فى العالم الذين لا هم لهم)) الا ان يوحوا بتجربتهم عوض وصفها او تفسيرها)) (18)

وفهموا اكثر من ذلك ان ((الاسلوب ليس هو صورة من صور التعبير، بل هو ايضا ... طريقة لامتلاك النفس)) (19) لانهم احسوا فى ((بحثهم عن الشكل والمضمون انهم قد فقدوا تمام انفسهم وان عالمهم ينهار)) (20).

ومن هنا أتت التجارب فى الشكل ومن هنا تجاسر عز الدين المدنى (21) وجماعة فى غير العمودى والحر (22) (لان التيار فى الواقع واحد) على اللغة وارادوا ان يزيحوا ذلك القناع وان لا يبقوا اثرا له لتظهر اللغة بعد الصهر والسبك الجديد متجاوزة الماضى والحاضر ومستقبلة المستقبل. لهذا كانت اللغة العربية وعبقريتها هي الهدف الاول فى اعمالهم الادبية فاجتهدوا كل منهم حسب قدرته ودرجة وعيه وشقوا طريقا لانفسهم عليهم العهدة فيها.

ثلاثة تيارات اذن فى القصة التونسية لا يقل الواحد خطرا عن الآخر، ولا يمتاز الكاتب من هذه الاصناف عن صاحبه الا بصدق التعبير وسمو الفن فى تجسيمه لوعيه وتليغه ادبيا رؤيته للكون وعالمه الذى صنعه لنفسه.

ثلاثة تيارات كلها ملتحمة بالواقع التونسى متحدة مع مختلف فتراته بعد الاستقلال، واعية بقدر طاقة كل منها للقضايا الحيوية المطروحة امام المجتمع التونسى، متفاعلة عن شعور او غير شعور مع اعمق التطورات المقلقلة للحياة فى تونس.

فهل يصح اذن ان نقول ان انصراف الكتاب الى القصة اكثر من الرواية قد فرضته مقتضيات الحياة فى تونس واثرت فيه احوال السياسة؟

قد نميل بعد الذى قمنا به من محاولة تأليفية الى تأكيد ذلك. ولكن لا يصح هذا فى رأيى الا اذا نظرنا الى الرواية بنفس المنظار وحللنا عواملها وتحققنا من وجودها على اكمل وجه.

اشترك في نشرتنا البريدية