ان اقامة هذا المهرجان (*) وتسميته بمهرجان يوغرطة لما يدعونا الى التبسط ولو بايجاز فى بعض المعانى .
وأول هذه المعانى هو أن تاريخ تونس لا يبدأ كما كان يظن ذلك بعض المؤرخين او بعض الاساتذة بالفتح الاسلامى بل الفتح الاسلامى هو طور من أطوار تاريخ هذه الأمة وهو طور ممتاز وحاسم ، طبع هذه الأمة بطابع الاسلام ورسخ عقيدة وروحانيات لا تزال الى اليوم في مقدمة مقومات الأمة . الا ان هناك اطوار اخرى سبقت الفتح الاسلامى وهى الطور اللوبى والطور القرطاجى فالطور الرومانى والطور الوندالى والطور البيزنطى المسيحى ، وكل من هذه الاطوار ترك اثرا وخلف حضارة وطبع هذه البلاد بطابعه الخاص بحيث انه لا بد من ان نعتنى بتاريخنا من أول حلقة له الى اليوم وان نعلم ابناءنا ان ينظروا الى تاريخهم هذه النظرة والا يتعصبوا لفترة دون أخرى .
وكذلك نقول لبعض الذين لا يرون فى تاريخ البلاد الا الطور الرومانى او الطور المسيحى نقول لهم ان تونس منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا دولة عربية اسلامية وانه اذا اقتصر على درس التاريخ الرومانى او المسيحى واكتفى بذلك فان في هذا اعتداء معنويا على تاريخ هذه البلاد ، ويجب ان نحتاط من نزعة وجدت في عهد الحماية وقد يكون شجعها بعض المستشرقين وهى تتمثل فى العناية بتونس الرومانية او المسيحية فقط .
ومعنى ثان يتفرع عن هذا المعنى هو ان المسألة فى الحقيقة ليست فى دراسة تاريخ تونس الاسلامى او دراسة تاريخ تونس المسيحى او الرومانى المسألة قبل كل شئ هى فى دراسة تونس دراسة منصفة وموضوعية ، دراسة فيها محبة لاكراهية وفيها على الاقل حياد نفسانى ان لم اقل اكبار وتقدير لا تحقير
وازدراء ، ومصيبة هذه البلاد هي ان جل المؤرخين ، ولا اقول كلهم ، ظلموا تاريخها ، نعم ظلموها ظلما وتسرب هذا الظلم فى تلامذتهم وربما فى بعض التونسيين الذين تأثروا بذلك من حيث لا يشعرون وقد لاحظ لى مرة الاستاذ فنطر انه اثار ضجة عندما انتقد بعض زملائه الاساتذة وتحدث امام الطلبة فى الجامعة التونسية منذ سنوات فلاحظ انه ليس من المعقول ان نقول تونس الرومانية لانه كان يجب أن نقول قرطاج فى عهد الرومان لا ان نقول تونس الرومانية بينما نحن نجد فى الكتب وربما حتى فى الكتب المدرسية " باب تونس الرومانية " وهذا التعبير غير صحيح ، فيجب ان ندرس تونس لا بوصفها مقاطعة رومانية أو مسيحية أو فرنسية كما كان الامر فى عهد الحماية ، بل يجب ان ندرس تونس من حيث هى دولة وأمة وحيز جغرافى لها تاريخ ومميزات ومد وجزر وايام خالدات وايام حالكة شأنها فى ذلك شأن كل الامم ، وان نعرف ابناءنا ونعرف الناس بواقعها كما هو بحيث يجب ان ندرس تاريخنا دراسة موضوعية وشاملة بالاستناد الى الواقع .
قال منذ حين الاستاذ باش شاوش ، ان المستشرق الضيف لاحظ التفاوت بين تونس كما تبدو من خلال الكتب وتونس كما تظهر من خلال المشاهدة وهذا منتظر منه ومن غيره لانه هو نفسه ضحية الكتب التى كتبها مؤرخون كثيرون من « رينان »و « قوتيى » فصاعدا وهذا هو الواقع : انظروا ما كتب عن حنبعل او يوغرطة او تكفاريناس او يوبا او عن غيرهم من رجالات هذه البلاد تجدوا العجب العجاب . عندما كنت تلميذا فى الصادقية منذ خمس وعشرين سنة تقريبا وكنا نترجم تاريخ تيتليف من اللاتينية الى الفرنسية أذكر الى الآن النعوت التى كان يلصقها « تيتليف » المؤرخ الرومانى بحنبعل وبصفة عامة الصفات او النفسية التى كان ينسبها الى القرطاجى من خبث ومكر وخداع .
فكل اوروبى بالرغم عنه يكون ضحية هذا المركب والتحامل وهذا لاحظه المؤرخ الفرنسى الكبير شارل اندرى جوليان فى كتابه « تاريخ شمال افريقيا » اذ قال انه الى يوم الناس هذا أى منذ ما يقرب من ثلاثين سنة ( لان الكتاب صدر فى سنة 1929 ) لا نزال نعرف قرطاج وتاريخ قرطاج من خلال ما كتب اعداء قرطاج ، فكيف يمكن ان نعرف الحقيقة اذا حدثك عنها عدو الحقيقة وتواصلت هذه المغالطات المشعور بها او غير المشعور بها حتى القرن التاسع عشر بل حتى مطلع القرن العشرين . وبينما كانت هذه المغالطات نتيجة حروب وحب تفوق واستئثار بالسيادة على البحر المتوسط اصبحت نتيجة مركب جديد مشعور به أو غير مشعور به هو مركب الهلال والصليب ، أو عقدة الحروب الصليبية لان كل ما كان يكتب عن أفريقيا الاسلامية وعن تونس مثلا التى تهمنا اليوم منظور اليه بوصفه ينتسب الى الهلال ، الى الدين الاسلامى . وقد
لمستم من خلال مطالعتكم ما يتقاطر من كتابات " قوتيى " او " رينان " او غيرهما من سموم . وهكذا تلتمسون العذر للجهل الذى قد تشكوه كتب التاريخ المعاصرة واسباب القطيعة او وجوه عدم التقدير والازدراء التى قد يشعر بها سكان اوروبا بالنسبة لسكان تونس او بالنسبة لسكان بلاد الاسلام بصفة عامة .
هذا بطبيعة الحال اخذ يتناقص اليوم والحمد لله لان عهد الاستعمار ولى وانقضى ولان الحروب ، الحرب الاولى والحرب الثانية بالخصوص زعزعت المعتقدات القديمة وابرزت الواقع الملموس كما هو واحدثت صدمة فى النفوس اصبح معها العلماء وعامة المثقفين يدركون انهم ان عرفوا شيئا فقد غابت عنهم اشياء . وتشهد بذلك الدراسات الحديثة التى اصبحنا نطالعها سواء فى الكتب او فى المجلات العلمية كالكتاب الاخير الذى الفه « بيكار » منذ سنتين او ثلاثة عن حنبعل وآخر جملة كتبها المؤلف عن حنبعل فى هذا الكتاب هو هل نحن ، يعنى المؤرخين الاوروبيين ، ضحية جهل مطبق ازاء حنبعل وازاء تاريخ هؤلاء القوم بصفة عامة ؟ وهل هناك عملية تجهيل أو عملية كذب جماعية استمرت قرونا كان ضحيتها حنبعل ومن كان فى مثل شجاعة حنبعل من رجالات هذه البلاد ؟
وهذا يبشر بكل خير لان السلام والوئام بين البشر لا يكون فقط على اساس تكافؤ القوى المادية في كل بلد ولا يكون باعتبار الثروات والمستوى الاقتصادى لكل بلد بل يكون فى اعتقادى اولا وبالذات على اساس تقدير الامم بعضها بعض ومعرفة بعضها لقيم البعض اذ عدو الانسان وعدو السلام هو الجهل الذي ينشا عنه اما مركب غرور او موقف الاحتقار والازدراء ازاء الغير ، وملتقى مثل هذا بما يثيره من حوار ويوفره من تقابل للنظريات وحوار من شانه ان يساعد لا على معرفة تاريخنا كما هو وانصافنا فقط بل يساعد بذلك وبما وراء ذلك على تقريب الشعوب بعضها الى بعض وعلى احلال المودة والتقدير محل الكراهية والاحتقار ، ومن هاته الناحية يكون هذا المهرجان عملا متواضعا لا محالة ولكنه عمل فى سبيل السلام وفي سبيل تمتين صلة الرحم بين البشر رغم ما بينهم من حواجز جغرافية ولغوية ودينية .
ومعنى ثالث يحسن ذكره ايضا فى هذا المقام هو ان خدمة تاريخ تونس والتعريف بتاريخ تونس موكلان لما سبق من الاسباب الى الاساتذة التونسيين. ولكنى اقول بكل اسف اننا لو نظرنا فى ما كتب عن تاريخ بلادنا لو جدنا ان الاكثرية من تاليف اجنبى بينما يقول المثل العربى ما حك جلدك مثل ظفرك! نعم يجب ان نعتنى نحن بتاريخ تونس وهذا يقتضى تفهما من طرف الطلبة ،
وبالخصوص الطلبة الذين يختارون دراسة الآداب بعد حصولهم على الباكالوريا فيحب ان نوجه كل سنة عددا وافرا منهم للتاريخ فى حين انه علينا توجيه عدد اقل إلى دراسة اللغة الانقليزية مثلا . فنحن نجد الان ثلاثمائة او اربعمائة من الطلبة يدرسون اللغة الانقليزية بينما نجد عددا ضئيلا ممن يدرسون التاريخ ثم عندما يدرسون التاريخ يحسن بهم ان يتخصصوا ويتبحروا و يتوغلوا فى تاريخ بلادهم لا ان يكتفوا بالتاريخ العام " بحجارة المخلة " كما يقال ، او بمعلومات عامة عن الماضى البعيد والماضى القريب وعن الطور الاسلامى والطور البونيقى والطور القرطاجى . وانا نحمد الله حقا ان اصبح لدينا منذ سنوات قليلة عدد قليل لا محالة لكنه عدد ممتاز من حيث الكيف من الاساتذة التونسيين بين رجال ونساء يهتمون بتاريخنا لكن هذا غير كاف لان تاريخ زاخر ثرى إلا أنه غير مكتشف وغير مدروس وحتى الفترات المدرسية يجب اعادة دراستها على اساس موضوعى علمى وعلى اساس شئ من المحبة وروح الاعتزاز ، اعتزاز المؤرخ بتاريخه من غير تعصب طبعا.
وهذه دعوة نوجهها حينئذ الى طلبتنا وعددهم الان فى تكاثر مطرد حتى ينصرفوا الى هذا الميدان ويدرسوا تاريخنا لاننا مطالبون باحيائه واعادة تبنيه حتى ننصف بلادنا ونقدر انفسنا حق اقدارنا لا دونها ولا فوقها وحتى نستطيع ان نغذى ابناءنا والاجيال القادمة بالغذاء العاطفى والروحى الضرورى.
وهنا نتخلص الى المعنى الرابع وهو ان ما نشكوه فى اعتقادى بالنسبة الى تكوين شبابنا هو جهلهم او عدم عنايتهم بتاريخهم الامر الذى قد يفسر بعض التارات الزائعة عن الوطنية الحقيقية ، تلك التيارات التى تجعل الشاب يقبل على اوروبا او على الشرق البعيد او على الغرب البعيد يتحسس كل جديد ياتى من الخارج بينما رجلاه تطان يوميا كنوزا وكنوزا وقد يفتح الطفل عينية وينظر في الخريطة فيجد ان تونس رقعة جغرافية متواضعة بالنسبة الى بلدان اخرى فينتج عن ذلك مركب نقص واحتقار ثم يقال له ان تونس تعد اربعة ملايين ساكن فعندما يسمع ان هناك بلدانا تعد اربعمائة او ثمانمائة مليون وان سكان الجمهورية التونسية كلهم لا يكادون يكونون نصف او ربع او عشر مدينة من مدن بعض البلدان ربما يشعر بالضيق والحرج لكنه عندما يعرف تاريخ البلاد ويجد الاستاذ المخلص الذي يحبب اليه هذا التاريخ فانه ينشأ ويترعرع وينمو على محبة بلاده لانه يفهم حينئذ ان العبرة ليست بالمساحات ولا بالكم فرجل كألف وألف كأف ، وان هناك بلدانا كبيرة تعد مئات الملايين ، وقد تكون من اكبر البلدان ، تحسدنا على تاريخنا وليس لها تاريخ وان بعض البلدان تاريخها مركب تركيبا وهي تقوم على مقومات اخرى اقتصادية او غيرها ، فحين يفهم الشاب كل ذلك ويفهم ان له هذا التاريخ وهذا الرصيد يستطيع هو عندما يكبر
ويتكون ان يساهم فى تجديد الحضارة وبعثها حتى تشع هذه التربة المتواضعة ماديا العريقة الاصلة الثرية معنويا ، وان يخرج منها افذاذ فى العلم والطب والثقافة والتاريخ وفي غير ذلك من الفنون والاداب والمعارف . وما دام وزن هذه البلاد سيكون على قدر وزن هؤلاء الافذاذ فانه ستستاصل مركبات النقص والاحتقار الذاتى ويستطيع كل تونسى ان يرفع راسه وان ينظر الى غيره من الاقوام نظرة الند للند فتزول عقد من نفسه وغص من قلبه .
لذلك نرى بانى هذه الامة ومؤسس هذه الدولة يحرص الحرص الكبير المتواصل على العناية بالتاريخ واذكر شخصيا انه جمع سنة 1963 فى مدينة الكاف عددا كبيرا من الاساتذة والمختصين فى التاريخ والقى بينهم خطاب وحثهم على العناية بالتاريخ وعلى التاليف فى تاريخ تونس من اول العصور الى العصور الحديثة ولاحظت ان ثمرة هذا العمل ظهرت واينعت وان هناك تقدما محسوسا اصبح اليوم يلاحظ ويلمس بالايدى.
وهناك معنى خامس - قد ذكره السيد الرئيس - وهو ان دراسة تاريخ تونس تلقى اضواء على سياستنا الحالية بل تاريخ تونس يملى هذه السياسة والكثير من الشبان الدستوريين يتحدثون عن البورقيبية لكن البعض منها فيما اعتقد لا يربط بين ما تقوله البورقيبية وما تدعو له وبين تاريخ تونس ، فلماذا مثلا نجد السيد الرئيس يحرص الحرص كله ويعمل قبل كل شىء على تركيز الدولة ؟ ذلك لان التاريخ منذ يوغرطة وماسينيسا وحنبعل يفيدنا ان هذه البلاد كانت في اكثر الفترات بلغت درجة كبيرة من الحضارة وتالق نجمها ثم سرعان ما انحدرت الى الهاوية . ما هو السبب ؟ لم يكن ذلك دائما نسب ضعف قواتها العسكرية ولا بسبب ضعف اقتصادها او فلاحتها بل بسب تشتت شملها وتفشى داء الشحناء والاغراض الشخصية والنزعة القبلية بين افرادها فبالنسبة ليوغرطة مثلا ، يوغرطة الرجل الفذ والقائد العظيم الذي جمع بين الدهاء والشجاعة والمقدرة على الحكم وقيادة الرجال والذى استطاع ان يدوخ رومة فى وقت من الاوقات وان يدخل بين طبقاتها شيئا من التباعد والتحارب ( حتى انه عند رجوعه المرة الاخيرة من رومة بعد ان ضربها كما يقال بالعامية " رأس براس " فتعاون مع طبقة التجار والطبقة الاستقراطية على طبقة الفرسان والجنود قال : روما بلاد للبيع ذاهبة الى الهلاك اذا وجدت من يشتريها ) يرجع هذا البطل بعد ذلك الى بلاده ويدخل فى حرب مع القوات الرومانية ويفشل بسبب قريبه بوخوس الموريطانى الذى كان تحالف معه وخانه ولان " سيلاكونا ليس " الذى كان يتعاون مع ماريوس بعث الاعوان والعيون والانصار ولم يزل ببوخوس ايعازا وبثا لسموم التفرقة حتى انقلب عليه فهناك مكيدة حينئذ اذ لم تخنه القوة ولا الجيش ولا الذكاء ولا العبقرية
بل خانه ذووه وكان السبب هو الشحناء والبغضاء والروح القبلية والتكالب على السلطة وعدم وضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار . ومن المفيد ان نذكر ايضا كيف انهزم حنبعل فى " جاما " سنة اثنتين ومائتين ؟ هل هزمته رومة؟ هل هزمه شيبيون ايمينالوس ؟ كلا لم تهزمه روما ، ولا شيبيون بل هزمه ماسينيسا وضربه من الخلف وهو الذى ضرب حليف حنبعل فى سيرتة وجيوش ماسينيسا هى التى هاجمت من الخلف حتى انهزم حنبعل فى جامة فكثير من المستشرقين وحتى التونسيين انفسهم الذين يدرسون الكتب الاعجمية لا يعتبرون الا بمعركة جامة وينسون معارك « ترازيمان » و « كان »و« رومة » ، ثم اين خبر الاستراتيجية العسكرية العجيبة التى استنبطها حنبعل ؟ اننا نذكر ان حنبعل انهزم شر هزيمة وانه اضطر الى ان يختار المنفى ثم ان يتجرع السم ونشيد ببطولة شيبيون وننكر على حنبعل عبقريته وجهوده الجبارة ووطنيته !
فاذا رجعنا الى يوغورطة قلنا ان الحبل الذى شنقه فتلته ايدى بنى الاعمام وذوى القربى :
وظلم ذوى القربى اشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند
لذا كان السيد الرئيس يحرص دائما منذ الحركة النضالية ضد الاستعمار وبخصوص من اليوم الذى اسس فيه الدولة على القضاء على العصبيات والعروشية والروح القبلية والتشبث بالمصلحة الخاصة وما يسمى « بالبونتو » ويوصى باحترام الدولة من حيث هى دولة وقبول اوامر الرئيس واوامر من ينتخبهم الشعب من حيث هى اوامر تصدر عن الشعب مهما كانت لان قبول الشئ الذى قد لا يرضى الاغلبية او لا يرضينى شخصيا اهون بكثير مما لو عمدت الى شق عصا الطاعة على الدولة القائمة اعتدادا بسداد الراى فنقلب النظام ونفسد الوضع ونحن نريد تحسينه وندعى الخير والعدالة والحرية وغير ذلك من الشعارات .
وهكذا فان محاولة اقرار الخير او العدالة او نصرة الحقيقة بمحض الاجتهاد الشخصى والتنمر او الخروج عن الدولة مضرتة اشد بكثير وابعد اثرا مما لو قبلنا الشئ الذى نراه شخصيا غير معقول او غير عادل وحاولنا بالطرق الديمقراطية التشريعية القانونية شيئا فشيئا ان ندعو الشعب له ونقنع الناس به .
هذه هى العبرة التى يجب ان نستمدها من يوغرطة ومن الحبل الذى شنق به بعد ان دوخ الرومان وادخل فى صفوفهم الرعب والخوف وبعد ان كاد ان
يؤسس دولة قوية عتيدة على غرار ما فعله ماسينيسا وعلى غرار ما سوف بفعله فيما بعد الصنهاجيون .
هذا هو الواقع - مصيبة هذه الرقعة من افريقيا الشمالية او افريقية هي ان هناك رجالا عباقرة يجود بهم الدهر في هذه التربة اسسو دولة ووطدوا اركانها ثم خانهم قومهم بحيث أن أسباب الضعف لا تأتى من الخارج بل هي كامنة فينا نابعة منا فيجب ان نحتاط منها وان نستاصلها ونطهر انفسنا منها وان نقدس الدولة ونقدس النظام وان نطور الامور بحسب ما تراه الجماعة وبحسب ما تمليه الحكومة الشرعية مهما كانت الملابسات وحتى الاخطاء وربما كان هذا افضل بكثير مما لو حاولنا ان نقلب الوضع بمحض اجتهادنا الشخصي وحاولنا ان نغير من عندياتنا بدعوى اننا نمثل الخير والعدالة المطلقة وهذا درس يجب ان نستمده من يوغرطة وماسينيسا وحنبعل والصنهاجيين والحفصيين والحسنيين وغيرهم من الرجالات والدول التي دالت ومرت على هذه البلاد بحيث ليس من الغريب ان تتعلق عناية السيد الرئيس باحياء تاريخ الكاف واحياء شخصية يوغرطة لانه كما قال في 12 سبتمبر 1968 في هذه المدينة بالذات عندما يدرس الشباب تاريخ يوغرطة يفهم جيدا سياسة بورقيبة وهذه بصورة موجزة بطبيعة الحال بعض المعاني التي خطرت ببالى عندما طلب الى الاشراف على مهرجان يوغرطة وهي معان استوحيتها من يوغرطة ومن حبى للتاريخ وحرصى على الاتعاظ به وارجو ان يعتبر بها الشباب بالخصوص فيتعظوا بتاريخ يوغرطة ويفهموا حاضرهم ليحسنوا بناء مستقبلهم .

