أين أنت يا سيدى المسؤول ؟ ! أين أنت يا سيدى ؟ لقد سقط البيت يا سيدى المدير !... سقط على أطفالى !... تراكمت الحجارة الرطبة ، والحديد الصدىء , سقط على رؤوسهم الصغيرة .... شج رأس الصغير !...
أين بابك الواسع يا سيدى المسؤول ؟ لترى بيتى المنهار ؟.. أنت لا ترضى أن تأتى لترى ... ولكنك يا حضرة المدير تقدر على التصور ، فخيالك لا شك واسع ، فقد شبعت تنقلا وطوافا ورحيلا ... تقدر على تصور أطفالك وهم ينزفون تحت الحجارة والحديد ...
والأعين مفتوحة ، زجاجية ، جامدة ...
حين أتيتك ، قلت لى صبرا...
هاك مطلب قرض جديد . . . عمرى الاوراق امضى عليها ، وعرفى بالامضاء ...
- ألم أقدم مطلب قرض بعد ؟ ! أنملأ الأوراق ألف مرة لترضى يا سيدى ؟ ألم يكف الملف الذى طلبت ؟ ! أعطيتك كل ما أردت ...
سددت كل ديونى لأعطيك شهادة الخلاص .... خنقت رغباتى ، وشهوات أطفالى لأدخر كل شهر القسط الذى تطلبون ...
تذللت لموظفى مختلف الادارات ليرضوا باعطائى ما طلبت من ضمانات وشهادات ...
فماذا سأفعل أيضا يا سيدى المدير ؟! ... مطلب قرض جديد !...
حين عدت اليك بالاوراق الجديدة ، كنت يا حضرة المدير فى رحلة الى باريس ! ...
والرحلة تطول ... وفى مكتبك ، لا يقدر على تعويضك أحد ... الكل يجب أن ينتظر ...
- صبرا متى يعود المدير من باريس ! - كيف ؟ ! وأنا لى رقم من بين هاته الارقام منذ ستة أشهر والارقام جاهزة مغلقة ...
أعطيت كل شئ ... كتبت ألف ورقة ... والتسبقة دفعتها ... فماذا تطلبون أيضا ؟ ..
- صبرا . سيعود المدير قريبا ! صبرا !
صبرنا يا سيدى المدير ، كما صبرنا كل هاته الاعوام ... كلما أعود من العمل ؟ أدخل الازقة الملتوية ، أتجنب برك الطين والبول وبقايا الاطفال ...
أسد أنفى ... وبقايا الزبالة ما زالت متراكمة تحت الحيطان الوسخة ...
أرفع رأسى أنشد هواء ! فيبدو ثقب مستطيل يظهر وجه السماء .. مجرد ثقب ...
صبرت على الازقة الطويلة العفنة .. صبرت طويلا يا حضرة المدير ...
كل يوم ، حين أصل بيتى ، أصعد الدرج الضيق منهكة ، أصعده ، طويلا ضيقا مظلما ، كميت يدفن واقفا ، أصعد الدرجات العالية المشققة ...
وحين أصل ، أرتمى على الفراش فى قمة الاعياء ... أغمض عينى وأحلم بالبيت الذى وعدتنى به يا سيدى ... أحلم بالشرفة المطلة على البحر ، بالنوافذ الكبيرة الواسعة ، ببياض جديد يحيط بى بعد سواد رطوبة الجدران .... وأحلم ...
فقد دفعت كل ما ادخرت تعبت من جمع مئات الاوراق ... حفيت أقدامى من طريق مكتبكم البعيد . . ولم يبق الا القليل ، فصبرا ... جميلا ... وأبلع مخدر الصبر.. وأحلم.. وحين أفتح عينى ، يقابلنى السقف وقد أسودت رطوبته وتوزعت فى أشكال ضبابية سوداء . مشوهة ، غريبة , ومخيفة.. عالية.. تكاد تمد أيادى أخطبوطية تتسلل مع الجدران لتقبض على فى سريرى ...
أجل يا سيدى المدير !...
كنت تظن أنى أكترى شقة ، فأنا أعمل ويبدو مظهرى باعثا على الاحترام !. كنت أتركك تتوهم ذلك ... ولو فكرت قليلا لعرفت أنه لا يمكننى أن ادخر ما تطلبه حضرتك ، وأدفع شهريا أربعين دينارا كراء ...
أين أنت يا حضرة المسؤول ؟..
تعال انظر القطط تتجمع حول بقايا بيت الجدود ... تعال ! انظر هاته العيون المخيفة المتربصة ، وهاته الاجساد الرمادية تسكعا !..
أين أنت يا حضرة المسؤول ؟..
أخذت الاوراق والمال وكل شئ ، وقلت صبرا .
ساذهب الى الادارة فى تونس وأسأل إن كانت هناك أوراق أخرى تطلب قبل تسليم المفاتيح ...
لم أنت مسؤول اذن ؟ ! وانت تستشير كى تعطى رقما تسلمت ثمنه وأخذت كل الضمانات والشهادات التى تهمه ؟!.. ما الذى كنت تريد اكثر يا سيدى ؟..
- المسكن قديم .. يجب أن نرحل فى أقرب وقت! . . - سترحلين ! سترحلين !... عشرون يوما ويأتى المدير ! - ولم أنت موجود ؟ ألا تعوضه ؟ - أنا أعين فقط ولا أدير ...
تعال انظر يا سيدى !
اختم رحلة باريس بمشهد من فيلم قديم ، ولكنك لم تره فى باريس ... لم تره من قبل ...
تعال انظر أيها المسؤول ! سقط بيتى يا سيدى وأنا فى العمل! سقط على أطفالى يا سيدى! والرقم الذى ما زلت تحتفظ بمفتاحه ، أتركه لك يا سيدى !.. الثقب اتسع اليوم ... ظهرت اليوم السماء ... بكت السماء... والركام تناثر.. تناثر ...
وها هم الاطفال الذين كانوا يحملون بالبيت الجديد ها هم الاطفال ، شبعوا صبرا ، فكسروا القضبان ليروا السماء !...
شكرا لك أيها المسؤول على المفتاح .. . شكرا ... أعده الى خزينتك .. فقد شبعنا صبرا ... شكرا لك ...
بنزرت فى جوان 1977
