مدرسة محمد بن عبد السلام بتونس هي المدرسة التي تخرج من بين عرصاتها العبقريان النابغان والاستاذان الكبيران مفخرة تونس ويتيمة عقدها أولهما الفقيه الضليع محمد بن عرفة المتوفى بتونس سنة 803 ه وثانيهما المفكر الذائع الصيت عبد الرحمن بن خلدون المتوفي بمصر سنة 808 وقد جمعت الاقدار بين هذين الفذين بمدرسة محمد بن عبد السلام منذ الطلب وشرح حياتهما العلمية وعنفوان دراستهما وربما حاول ابن خلدون في أواخر أيامه بتونس قبل هجرته إلى مصر أن يتهم رفيقه فى الطلب وخدينه فى الدراسة بالوشاية به لدى السلطان أبي العباس أحمد الحفصى مجدد دولة الحفصيين بتونس بعد ضعفها وخفوتها معللا إذاية الامام ابن عرفة له بعداوة نشأت عن تنافسهما بمدرسة بن عبد السلام وغيره ، وقد تحدث ابن خلدون في رحلته بأن ابن عرفة كان يعاديه نتيجة لتلكم المنافسة التي حصلت بينهما وقت الطلب ، فقال ابن خلدون والعهدة عليه متحدثا عن السلطان ما نصه : وعاد إلى تونس مظفرا ، ماهدا ، فأقبل علي ، واستدناني لمجالسته ، والنجي في خلوته ، فغص بطانته بذلك ، وأفاضوا في السعايات عند السلطان فلم تنجح ، وكانوا يعكفون على إمام الجامع ، وشيخ الفتيا محمد بن عرفة ، وكانت فى قلبه نكتة من الغيرة من لدن اجتماعنا فى المربى بمجالس الشيوخ ، فكثيرا ما كان يظهر شفوفي عليه ، وإن كان أسن مني فاسودت تلك النكتة في قلبه ، ولم تفارقه . ولما قدمت تونس انثال على طلبة العلم من أصحابه وسواهم ، يطلبون الإفادة والإشتغال وأسعفتهم بذلك ، فعظم عليه ، وكان يسر التنفير إلى الكثير منهم
فلم يقبلوا واشتدت غيرته ؛ ووافق ذلك اجتماع البطانة إليه ، فاتفقوا على شأنهم فى التأليب على والسعاية بي ؛ والسلطان خلال ذلك معرض عنهم فى ذلك ، وقد كلفني بالإكباب على تأليف هذا الكتاب لتشوفه إلى المعارف والاخبار ، واقتناء الفضائل ؛ فأكملت منه أخبار البربر وزناتة . وكتبت من أخبار الدولتين وما قبل الإسلام ما وصل إلى منها ، وأكملت منه نسخة رفعتها إلى خزانته . وكان مما يغرون به السلطان علي ، قعودى عن امتداحه ، فإني كنت قد أهملت الشعب وانتحاله جملة وتفرغت للعلم فقط ، فكانوا يقولون له : إنما ترك ذلك استهانة بسلطانك ، لكثرة امتداحه للملوك قبلك ، وتنسمت ذلك عنهم ( من جهة بعض الصديق من بطانتهم الخ انتهى .
ويعني ابن خلدون بمجلس الشيوخ مجلس محمد بن عبد السلام وغيره كما صرح به فى مكان آخر من كتابه
قلت :
وابن عبد السلام استاذ ابن خلدون وابن عرفة شخصية لامعة بهدا المغرب زخرت بها الدواوين على اختلاف ضروبها عرف به صاحب الديباج تحت عنوان محمد بن عبد السلام بن يوسف بن كثير قاضي الجماعة بتونس واشار إلى أنه كان متفننا في علمي الاصول والعربية وعلم الكلام وعلم البيان ووصفه بفصاحة اللسان وقوة العارضة وأهلية الترجيح ونقل فى ترجمته أن ابن عبد السلام ما فحواه : كان نسيسج وحده بتونس فى رتبته العلمية لا ينازعه فيها منازع وذكر له من التأليف شرح مختصر ابن الحاجب ثم ترجم له صاحب نيل الإبتهاج تحت عنوان محمد بن عبد السلام الهواري التونسي قاضي الجماعة بها وعلامتها وإمامها وشيخ الإسلام الإمام المحقق المشهور ثم تحدث عنه الشيخ أبو الحسن بن عبد الله بن الحسن النبهاني المالقي الاندلسي فى كتابه المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتوى نشر ليفى بروفن أستاذ اللغة العربية بالسربون ) وهو تاريخ القضاة بالاندلس ( فقال ناسبا ابن عبد للسلام للمنستير تحت العنوان الآتى نصه
ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام المنستيري وزاد النبهاني فى هذه الترجمة عن ابن عبد السلام أنه منسوب لقرية بظاهر المنستير ووصفه بالفهم والعلم والبراعة في التدريس والتهذيب للبشر والتأليف وبالصلابة فى الحقوق والمضاء في القضاء إلى أبعد حد ، ناهيك بأن ابن عبد السلام نفذ القوانين المشروعة في أحرج الظروف وأدقها بتونس بل وفي الحالات الإستثنائية إذ رد هذا القاضي شهادة رجال من جنود أبي الحسن المريني عند حلولهم بتونس واحتلالهم إياها ولما ليم القاضي بن عبد السلام فى موضوع رد شهادة أولئك الرجال أيام الإحتلال العسكري المريني قال نعم لا أقبل شهادتهم وقد ثبت عندي أنهم فروا من المعركة بواقعة طريف بالاندلس سنة 741 مع توفر الاسباب المانعة لهم شرعا من الوقوع فى معرة الإدبار . ولم يبال بالملام وأصر على ذلك ولم يتزحزح قيد أنملة . وقد أطال خالد البلوي في رحلته متغنيا بخصال ابن عبد السلام جالبا لها من الاسجاع التى كان يتهافت عليها ما حلق به آفاق بعيدة من الخيال الشعري منها أن ابن عبد السلام البحر المتلاطم الامواج والمنهل الذى يعذب بقاع الوهاد والتلاع العجاج نزلت بساحته متفرقات العلوم نزول الماء اللجاج قاضي القضاة وإمام الفقهاء والنحاة العالم العلامة قطب الشورى وعماد قدوة علماء الإسلام نشأ في عفة وصيانة وتبوأ ذروة طهارة وديانة وصعد من هضبة التقي على أعلى مكانة لم تعرف له قط صورة ولا حلت له إلى غير الطاعة حبوة فالمسهب فى أوصافه سكيت وقاصد وهيهات يضرب فى حديد بارد ومن رام بيده لمس الشمس وتعاطى برجله لحاق البرق وصرف همته العلية وفكرته الوقادة الزكية لانتحال فنون العلم وفتح مختومها فملك أعنتها وقاد أزمتها وأوضح أشكالها وحل أقفالها فهو وحيد الاوان وعلامة الزمان والمشار إليه بالبنان والبيان ما قرن به فاضل من العلماء الا رجحه ولا ألقى إليه مبهم من العلوم الا كشفه وأوضحه عدلا في أحكامه جزلا من إقباله في فعله وكلامه له صادقات عزائم لا تأخذه معها في الله لومة لائم إلى نزاهة عن الدنيا وهمة نيطت بالثريا وله فيها ترقرق ماء البشر فأحيا وحيا سمعت في درسه أنيق الفوائد وأخذت عنه شرحه لابن الحاجب مولده سنة ست وسبعين وستمائة سمعت عليه جميع الموطأ وقرأه هو على أبى العباس الطبراني والمعمر أىي محمدبن بنرون ، أهـ ، ملخصا توفى
عام سبعمائة وتسعة وأربعين . وخالد البلوي هذا تحدث عنه ابن الخطيب فى كتابه الإحاطة ووصفه بما يأتي قال خالد بن عيسى البلوي :
هذا الرجل من أهل الفضل والسذاجة ، كثير التواضع ، منحط في ذمة التخلق ، نابه الهيئة ، حسن الاخلاق ، جميل العشرة . محبب فى الادب ؛ قضى ببلده وبغيره ، وحج وقيد رحلته فى سفر وصف فيه البلاد ومن لقي بفصول جلب أكثرها من كلام العماد الاصبهاني ، وصفوان وغيرهما من ملح وقفل إلى الاندلس ، وارتسم فى تونس في الكتابة عن أميرها زمانا يسيرا : الخ
وكل هذا يتضاءل أمام الطريقة العلمية الحديثة التى أصلح بها ابن عبد السلام شؤون التعليم بالمغرب العربي إصلاحا جذويا عميقا فقد كان التعليم بتونس وبالمغرب جاريا فى القرون الاولى إلى عصر ابن عبد السلام وابن زيتون على الاسلوب المعروف في الاعتماد على الاستظهار والتلقين وما كاد ابن عبد السلام يتصدى للتدريس حتى نبذ تلكم الطريقة العتيقة وجدد البحث العلمى على طريقة الاستنتاج والتعليل في مدرسته ومن الصدف أن حضر أعيان علماء المغرب بدرسه مع السلطان أبي الحسن المريني فأثار دهشتهم وخلب أسلوبه ألبابهم فأعجبوا بطريقته أيما أعجاب ولم يتمالك أحد علماء المغرب عن الفات نظر السلطان أبي الحسن إلى جدوى هذا الاسلوب وطلاوة تلكم الطريقة وطرافتها بما فيها من روعة البحث العلمي المبني على أسس من التفكير الحصيف فتأثروا بطريقة ابن عبد السلام وسرعان ما انتشرت هذه الطريقة الجديدة بالمغرب من تونس وإلى ابن عبد السلام هذا يرجع الفضل في ذلك فتطورت أنذاك طرق التدريس واضطر السلطان أبو عنان بالمغرب إلى إلزام المدرسين بالنسج على ذلك المنوال واعتناق تلكم الطريقة المفيدة

