ـــ 2 ــ (*)
يحيى وعبد الله الحفرى :
عبد الله بن أبي زكرياء يحيى بن سليمان الحفري ، نسبة الى حفرة كانت أمام داره بالقيروان وهو وأبوه من علماء القرن الثالث ، وأصلهم من الفرس ، وقد كان هو وأبوه من المعمرين ، ولم يذكر احد أين ولد يحيى وابنه عبيد الله . لكن تاريخ الميلاد والوفاة لكل منهما ثابت فى عدد من المصادر . فيحيى الاب ولد عام 751/134 وتوفى سنة 851/237 اما عبد الله فميلاده سنة 8814/199 ووفاته سنة و 289 /901 .
وكان يحيى عالما بالفرائض والحساب منذ شبابه ، ولما طلبه الامير ليتولى منصبا فى بيت المال هرب الى المشرق حيث تلقى العلم على عدد من مشاهيره كيونس بن مرقد ، والفضل بن عياض ، وسفيان بن عيينه ، وسمع بافريقية على عبد الرحمن بن زياد . وتتلمذ عليه » يحيى بن عمر - دفين سوسة ، وبشر كثير من اهل القيروان ، من اصحاب سحنون « فهو اذن معاصر له ( 24 ) ولما مات دفن بقرب البهلول بن راشد ، وفي هذا تقدير كبير له .
اما ابنه عبد الله فقد خلف أباه فى الرواية والتدريس لكنه انتقل الى مجدول وبقى بها الى ان مات سنة 901/289 فهو فمودى الوفاة ولعله مولود بها . اذ اننا لا نرى سببا لسكناه بها غير كونه احد ابنائها . خاصة وهو من كبار علماء عصره ، وكانت الفرصة كبيرة امامه في عاصمة الاغالبة ليكون
حيث يريد بطموحة وعلمه . ولكنه فضل الاقامة بمجدول بعد ان بلغ من المكانة العلمية والشهرة فى مجالس العلم بالقيرواوان حدا تلقى فيه العلم على يديه مشاهير العلماء في جيله وتلاميذهم يقول القاضي عياض عنه :
» سمع من أبيه وسحنون وغيره . وكان شيخا صالحا ثبتا سمع منه سليمان بن سالم ، وأبو العرب ، وغيره « ( 25 ) .
موسى القطان :
بعد أبي بكر الفمودى الذى ناظر الشيعة وانظم اليهم خوفا من بطشهم نلتقى مع فمودى آخر ناظر الشيعة ولم يخش بطشهم ، وان ترك المواجهة معهم لينشر مذهبه وأفكاره بعيدا عن المدن الممتلئة بعيونهم ومخبريهم .
ترجم القاضى عياض لصاحبنا موسى ، كما ترجمه وعرف به عدد كبير من المؤرخين والباحثين قديما وحديثا ، ويمكن القول بان القطان نال نصيبا من الاهتمام والعناية يعادل ما لقيه جميع اعلام فموده فى كل العصور ولست أجد تفسيرا لذلك سوى عصبية أهل السنة لعلمائهم ، ولمن وقف منهم بوجه خاص ضد دعاة الفاطميين .
يقول القاضي عياض عن صاحبنا :
» أبو الأسود موسى بن عبد الرحمن بن حبيب المعروف بالقطان من عجم فموده _ رحمه الله _ مولى بنى أمية ، صحب محمد بن سحنون سمع منه ( 26 ) ومن محمد بن تميم العنبرى ( 27 ) ومحمد بن عامر الاندلسي ( 28 ) وعلى بن عبد العزيز وغيرهم ، روى عنه محمد بن مسرور ، وتميم ابن أبى العرب وأبو القاسم الروني « ( 29 ) .
ثم ينقل لنا القاضي عياض بعض الشهادات التى قالها علماء معاصرون لموسى القطان وهم من كبار العلماء والمؤرخين القيروانيين فى القرن الرابع ولست أشك فى انهم جميعا ممن تتلمذ عليه واخذ عنه العلم :
« قال الڤابسى : ما أعجب أهل مصر بمن قدم ، عليهم من القيروان اعجابهم به ، وأبى العباس بن طالب وأبى الفضل الممي .
« قال أبو العرب : كان ثقة فقيها .
« قال غيره : كان من الفقهاء المعدودين والائمة المشهورين .
« قال ابن الجزار : كان فقيها يعرف بالحفظ وله أوضاع كثيرة فى العلم .
« قال ابن حارث : كان يحسن الكلام في الفقه على مذهب مالك واصحابه » ( 30 ) .
هذا ما شهد به معاصرون له ، ونقله عياض باهتمام وعناية . . وفي قول ابن حارث :
« كان يحسن الكلام في الفقه على مذهب مالك واصحابه ما يفسر لنا وقوفه الصارم ضد الشيعة غداة انتصارهم الساحق على الاغالبة . فقد كان النصير الاكبر لابى عثمان سعيد بن الحداد زعيم أهل السنة فى مواجهة الشيعة (31) وكان له نعم السند والمعين فى تلك المجالس الخطيرة التى اعدها دعاة الشيعة كشرك للايقاع بعلماء السنة ، وخاصة منهم فقهاء المالكية الذين كانوا اكثر العلماء صرامة وصلابة فى الدفاع عن مذهبهم (32) .
وقد حفظت لنا كتب الطبقات نماذج كاملة لبعض هذه المجالس التى كان يتزعمها ابن الحداد ، ويناصره فيها بالنص والحجة الفقيه الڤمودى أبو الاسود موسى القطان (33) .
ونظرا لما كان يتمتع به سعيد بن الحداد من مكانة كبيرة لدى علماء السنة وعامة سكان القيروان ، فقد تجنب دعاة الفاطميين ورجال دولتهم اضطهاده أو الحاق أى ضرر به ، ونجا موسى معه بسبب وقوفه الى جانبه وحماية ابن الحداد له . فلما مات سعيد سنة 817/312 (34 ) خشي موسى على نفسه من الاستمرار فى مواجهة الفاطميين ففر من القيروان ولازم سكنى البادية ، وكان انصاره وتلاميذه يتسللون اليه للاخذ عنه .
وكانت شهرة موسى القطان قد جاوزت افريقية الى المشرق فلما اشتد عليه أمر الفاطميين واضطر الى الاقامة فى البادية اقترح عليه بعض اصحابه الهجرة الى مصر ، قائلا (35) :
« يا أبا الاسود لو مضيت الى مصر فيها خلق عظيم ينتفعون بك ، فقد بلغهم ذكرك فكان جواب أبى الاسود :
« ما طلبت العلم الا لهذا ، والا فلا نفعنى الله به يوم ينفع العلم أهله » يريد انه لم يطلب العلم ليكون مجرد معلم او استاذ بل ليكون داعية للحق ، مناهضا للظلم والباطل .
وليس فى قول أبى الاسود اية مبالغة او ادعاء فقد كان هذا هو موقفه وسلوكه ، قبل ان ينتصب الفاطميون حكاما للبلاد . فقد عينه الامير ابراهيم بن الاغلب الثاني قاضيا بطرابلس ، فى تاريخ غير محدد .. ولكنه بالتأكيد بين سنوات 896/283 و 901/289 ثم عزله وسجنه عنده بتونس داخل كنيسة . فيبقى مدة طويلة ، ثم اطلق سراحه (36) .
وتختلف الروايات فى سبب سجنه كا تختلف فى سبب الافراج عنه ، كما اختلفت في شأن سيرته اثناء توليه القضاء بطرابلس والمرجح - كما يقول صاحب المعالم - ان صاحبنا ، كان نزيها عادلا أمينا ، « فنفذ الحقوق وأخذ للضعيف من القوى ، فاجتمعت كلمتهم عليه » (37) فشكوه الى الامير بتهم
ملفقة ، وكان الامير ينتظر ذلك ، ولعله كان المحرض يجد المبرر لعزل موسى وسجنه ، فقد ذكر صاحب المعالم ايضا ان الامير اراد الاستيلاء على أموال اليتامي فأبى موسى ذلك.. فحقد عليه الامير وعزله وسجنه . ثم أطلق سراحه بعد فتوى أفتى بها وهو فى السجن . ومن المعلوم ان الامير إبراهيم بن أحمد قد تول الامارة سنة 874/261 وانتقل الى الاقامة بتونس سنة 896/283 وتخلى عن الحكم لابنه سنة 901/289 فيكون موسى القطان قد عاد الى القيروان قريبا من هذا التاريخ ليواجه بعد سبع سنوات محة جديدة هى سطوة الفاطميين ، وشدة بطشهم بالمخالفين لهم من أهل السنة . وقد عاش سنواته الاخيرة فى البادية منفيا باختياره ، ولعله عاد الى القيروان قبيل وفاته بقليل حيث توفى سنة 306 في شهر ذى القعدة افريل 919 .
وكان مولده سنة 839/235 أى ان عمره كان حين وفاته يناهز الحادية والسبعين عاما (38) .
وينسب اليه من الكتب « أحكام القرآن » فى اثنى عشر جزءا . كما ألف عالمان كتابين فى مناقبه لم يصلا الينا .. وكان اعتقاد أهل السنة فى صلاحه وتقواه كبيرا جدا مما حمل بعضهم على نسبة الكرامات اليه والقول بأن دعوته مستجابة (39) .
« قال بعض اصحابه : رأيت صاحبا لنا في النوم ، فسألته عن استاذنا موسى - رحمه الله - فقال : ذلك رجل يدخل على الله متى شاء ۮ» (40) ولمن يريد متابعة سيرة الرجل وزيادة التحرى فى هذه الكرامات ان يعود الى المدارك ومعالم الايمان الذى له تعاليق رشيقة وتلميحات لبقة . وقد انفرد بنسبة أبى الاسود الى الطب ، وان لم يكن طبيبا محترفا او متخصصا .
القاضى ابن محفوظ :
بعد أبي بكر الڤمودى ، الشخصية المنحازة الى الفاطميين خوفا من شرهم ، وبعد أبى الاسود القطان الشخصية الصامدة فى مواجهة فكرهم واضطهادهم ،
نلتقى مع شخصية ثالثة ، تختلف تماما عن هذين الرجلين ، لا من حيث المكانة العلمية أو الدور التاريخي والاجتماعى بل من حيث انها شخصية شيعية التفكير والمذهب من قبل ان يظهر الفاطميون كحكام فى البلاد . وهذا يدل على ان القرن الثالث لم يكن قرن صراع عقائدى بين اتباع الفكر السني والفكر المعتزلي فحسب ، بل كان الفكر الشيعى موجودا ايضا كاتجاه عند بعض العلماء ، وان كان اتجاها ضعيف الاثر قليل الاتباع .
هذه الشخصية الثالثة هى القاضى محمد بن محفوظ الڤمودى الذى لا نعرف أين ومتى ولد !؟ وكيف انتقل الى القيروان وتعلم بها وعاش فيها معتنقا مذهب الشيعة فى محيط سنى متعصب ؟ ولعلنا نستنتج من هذا كله أمرين :
الاول : انه لا يمكن اتهام الرجل بالطمع والانتهازية او بالخوف والضعف تجاه الدولة الشيعية ، فالرجل كان شيعيا قبل وجود دولتهم ، وقد شهد بذلك علماء السنة انفسهم (41) .
الثاني : ان هذا التشيع القديم منه ، هو الذي جعل مؤرخى السنة يهملونه تماما ، ولم يذكره سوى مؤرخ اندلسي معاصر هو الخشني انما ذكره فى سياق تعداده لمن تولى منصب قاضى القيروان ، فكتب عنه سطرا واحدا هو :
« وولى القضاء بعد ذلك - اى بعد محمد بن عمر المروذى - محمد ابن المحفوظ ، من أهل لموزة . وكان شيعيا من قبل . فكان قاضيا حتى مات سنة ست وثلاثمائة » (42) .
وهذا السطر أو قل سطرا ونصفا ، هو كل ما ترجم به الخشنى لابن المحفوظ .. ومع ذلك ، فان ما قاله الخشني في غاية الاهمية ، فمنه نستنتج :
1 - ان ابن المحفوظ من كبار علماء افريقية ، لانه ذكره بينهم .
2 - انه من بلدة تسمى لموزة . ولا شك انها واحدة من معالم ڤموده المجهولة ، التى لا تعرف الا باسماء المنتسبين اليها (43) .
3 - ان ابن المحفوظ تولى القضاء بعد المروذى ، أى سنه 303 التى قتل فيها المروذى .
4 - ان ابن المحفوظ بقي متوليا قضاء القيروان الى حين وفاته سنة 306 .
ومعلوم ان قضاء القيروان كان أعلى مناصبها ، ولا يتولاه الا كبار العلماء والفقهاء .
وقد اهتم به المؤرخون ومؤلفو كتب الطبقات والانساب ، وحتى معاجم اللغة ، بسبب هذا المنصب .
فنحن نجد الاهتمام بابن المحفوظ ونسبته الى ڤموده وتوليه قضاء القيروان، فى عديد المصادر الهامة ، مثل دستور الاعلام لابن عزم ، واقتباس الانوار للرشاطى (44) وتاج الروس للزبيدى (45) .
وجميع هؤلاء لم يزيدوا شيئا عن ذلك ، سوى الزبيدى وابن عذارى المراكشي فقد ذكر كلاهما وفاته فى سنة سبع وثلاثمائة ، وزاد المراكشي : ان ابن المحفوظ « كان ضعيف الرأى جائز الحكم » (46) .
ولست ادرى كيف استفاد هذه المعلومات لا سيما وان الخشنى المعاصر للڤمودى لم يصفه بذلك ، بينما المراكشى عاش بعده بأربعة قرون . وحين نعرف ان المراكشي مؤرخا متعصبا للسنة وشديد النقمة على الفاطميين ، ندرك سبب انفراده بتلك المعلومات التى يبدو انه اعتمد فيها على الرشاطى وان لم يذكره .

