- 3 - (*)
أبو جعفر الفمودى :
نصل الآن بكم ومعكم الى رجل لم يكن عالما ولا فقيها ولا قاضيا أو أديبا، بل رجل من عامة الناس، ومن اضعفهم مالا وعلما ومنزلة اجتماعية، ومع ذلك بلغ فى عصره والعصور الموالية أعلى درجات الاحترام والتقدير والاجلال، وبلغت شهرته المشرق والمغرب، وهابه العلماء والامراء وتقرب اليه الاعيان والفقهاء واصحاب الحاجات طلبا لرضاه وطمعا فى دعواته.
هذا الرجل هو أبو جعفر احمد الفمودى، ولد بفموده (47) حوالى سنه 845/230 وتوفى بسوسة سنة 324 فى شهر ربيع الثانى الموافق شهر فيفرى سنة 936 أى انه عاش 94 عاما.
بدأ حياته بسيطا، فنال بعض التعليم، ثم اشتغل فرانا لحمام عمومى .. وكان كثير التأمل فيمن حوله مسالما لجميع الناس. وذات يوم أامل لهب النار المستعر أمامه فتذكر لهب جهنم فاحدث ذلك فى داخله صدمة نفسيه هائلة ويقظة روحية عارمة، جعلتاه ينصرف عن الحياة بكل ما فيها وينقطع للعبادة والزهد والمرابطة فى حصون السواحل مع المجاهدين المرابطين.
وكانت له زوجة رزق منها ولدان توفيا قبل البلوغ، وعليه نحوها صداق مؤجل (سبعون دينارا) فطلقها واعطاها سبعة دنانير هى كل ما كان يملك
من حطام الدنيا. وكانت هى زوجة خيرة فاسقطت عنه باقى صداقها وتزوجت بغيره وبقي كل منهما يذكر صاحبه بالخير ويدعو له (48).
وبعد طوافه بحصون السواحل، استقر بقصر الطوب فى سوسة حيث بقي معظم حياته، ثم انتقل الى دار زميل وسمي له يدعى أبا جعفر الأربسى، خارج الرباط، فبقي معه الى ان مات الاربسى أواخر سنه 934/323 ومات الفمودى بعده بستة أشهر فدفن بجوار صاحبه على ساحل سوسه حيث حمل المكان اسم الرجلين الى اليوم، فيقال ((شط بو جعفر)) (49) .
ونظرا لكثرة التفاصيل المتعلقة بحياة أبى جعفر الفمودى ولاشتهاره بالصلاح والزهد وانقطاعه التام للعبادة، فقد أحيط بهالة من الاساطير ونسبت اليه البركات والمكاشفات، وألف بعضهم عن مناقبه (50) .
كان الفمودى ميالا الى العزلة بينما كان صاحبه الاربسى يحب زيارة الناس له ومحادثتهم فسأل الفمودى يوما صاحبه الاربسى عن السبب الذى يحلمه على قبول زيارة الناس له وكثرة حديثه معهم، فأجابه الاربسى بانه يتأنس بهم. فقال الفمودى: لو ذقت حلاوة الانس بالخالق ما احتجت الى مؤانسه المخلوق)).
كان الفمودى يقول: ((ما أجد حس اقدام الناس اذا صعدوا الى من الدرج الا كضرب السياط فى اكتافى)). وقد عود نفسه وروضها على عدم سماع ما حوله، فكان ينصرف الى العبادة اياما وشهورا لا يرى احدا ولا يحادث احدا. وكان زاهدا فى كل شئ، لا يأكل السمك واللحوم والفواكه ويعيش بكد يمينه، يضفر الحلفاء، فلما اصيب بمرض فى يده ورجله عجز عن الكسب، فعاش - بعد تدخل جماعة المرابطين - مع الاربسى .. لا يملك سوى ركوة وجلد صوف ..
ومع ذلك هابه عبد الله المهدى مؤسس الدولة الفاطمية، فحين استولى جيشه عل حصون السواحل قرب المهدية، كان بينها حصن يدعى قصر زياد قرب جبنيانة يرابط فيه المرابطون، وبينهم الفمودى، فوقع تحويل الرباط الى الثكنة للجيش والمعدات الحربية، فاخرجوا منه جميع المرابطين الا الفمودى لم يستطع احد ان يعلمه او يرغمه على الخروج وفى ذات يوم خرج الفمودى من غرفته لقضاء حاجة فوجد الحصن خاليا من المرابطين العباد، فسأل عنهم فقيل اخرجوا. فقال: وما يقعدنى هنا ولست خيرا من باقى المسلمين. وانتقل الى قصر الطوب بسوسة.
بلغ فى العبادة حد الاندماج .. والانفصال عن العالم الخارجى، فكان فى عبادته او صلاته لا يسمع اصوات من حوله مهما علت وارتفع ضجيجها، وكان ينام جالسا.
اهديت اليه مرة ثلاثة احمال من التمر ففرقها جميعا على الفقراء والمرابطين، واحتفظ بخمس تمرات. وكان صائم الدهر، وعند المغرب انشغل بالصلاة ولم يأكل التمرات (51).
المجدولى الشاعر :
ننتقل بكم الآن الى اجواء اخرى ونماذج فكرية وانسانية مغايرة تماما لما كنا معه وتعرفنا عليه مع أهل العلم والفقه والزهد .. فنقف قليلا مع بعض شعراء فموده فى القرنين الخامس والسادس الهجريين.
وفى طليعة هؤلاء شاعر عاصر ابن رشيق وصاحبه وارخ له وحفظ لنا بعض شعره، ولولا ابن رشيق ومن نقل عنه كالعمرى والتيفاشى وياقوت الحموى لما علمنا بهذا الشاعر ولا سمعنا به فضلا عن ضياع اشعاره واخباره. يقول ابن رشيق (52):
(( أبو بكر عتيق بن عبد العزيز المذحجى من فموده. نشأ بقرية بها تسمى مجدولة )) ولذلك عرف بالمجدولي .
(( كان شاعرا شريرا، منابشا، معجبا بما يصنعه، لا يرى احدا مع نفسه. وكان سريع البديهة، مدلا على الكلام، لا يطلب الا الوزن، متسامحا لنفسه فى العربية إذا اعوزته لفظة صنعها على ما يشاء، وروى بيتا شاهدا عليها ... فان طولب به احال على كتاب لم يسمع بذكره قط)).
هذا ما قاله عنه ابن رشيق، ورغم نقده له والتشنيع عليه بما كان يلفق من شواهد اللغة وألفاظها، فان الرجل كان - كما يبدو - من أهل الابداع والاختراع، وليس من جماعة الاستماع والاتباع. فهو يبتكر المعانى، ويضع لها - عند الحاجة - الالفاظ المناسبة، وهذا هو التوليد الصحيح السليم الذى يقود الى التجديد والنهضة.
ولو لم تكن للمجدولى مكانة أدبية حقيقية، لما اتعب بن رشيق نفسه، وعرف به واختاره شاعرا فى مستوى شعراء افريقية الذين عرف بهم فى كتابه المفقود ((انموذج الزمان فى شعراء القيروان)) واختار طائفة من اشعاره وصلنا منها النزر القليل، نسمعكم منه قوله:
ألم هدوءا حين لاعين كاشح يخا ف ولا الخلخال يغرى ولا السمط
فطوف حتى صاح بالليل صائح من الفجر، واستولى على فرعه الوخط
فلم ير مثلى فى الهوى ذا حفيظة ولم ار طيفا طارقا مثله قط
ويفيدنا ابن رشيق بأن ابا بكر المجدولى كان من شعراء البلاط الصنهاجى وانه مدح المعز بن باديس. وانه مات سنة 1018/409 وعمره أربعون سنة.
وهكذا قطف الموت هذه الشاعرية قبل ان تغدق عطاءها الشعرى فى ذلك العصر المزدحم فى دولة المعز بعشرات الشعراء. وحسبكم انه كان واحدا من مائة وثلاثين شاعرا اختارهم ابن رشيق لكتابه عن شعراء القيروان فى عصره. فما هو عدد الذين اهمل ذكرهم يا ترى؟
أبو حفص الفمودى :
وهذا شاعر آخر من بلاد فموده، لا نعرف عنه ايضا الا القليل ولكنه قليل يدل على الكثير الكثير.
ويندو أنه من مواليد القيروان، وان أباه من الوافدين عليها من فموده وقد يكون أبوه أحد رجال العلم أو الادب، ولكن أخباره لم تصل الينا،
ولولا سطور قليلة كتبها صاحب المدارك عن ابنه أبى حفص عمر، لما علمنا شيئا عنه أيضا.
قال القاضى عياض :
(( أبو حفص عمر الفمودى، قيروانى نزل صفاقس .. وكان فقيها، أديب، مفتيا، ومن حفاظ المدونة والقائمين عليها، ومن حفاظ الشعر. أخذ عن أبى بكر وأبى عمران (الفاسى)، وصحب (أبا القاسم) السيورى)).
ذكر بعض أصحابه، قال:
لما ودعنى الفقيه أبو حفص أنشدنى:
هيجوا للبين برقا فلمع وأثاروا دمع عينى فاندفع
ودعوا قلبي فلما جاءهم أوقفوه بين يأس وطمع (53)
وقد نقل هذه الترجمة حرفيا صاحب المعالم (54) ومؤلف عنوان الاريب (55) دون الاشارة إلى اصلها. واعتبره ح. ح. عبد الوهاب من اعلام القرن الخامس (56) ولعله استنتج ذلك من شيوخه ومن ترتيبه فى المعالم والمدارك.
وأبو حفص الفمودى نموذج آخر وحجة أخرى على مدى اهمال المؤرخين لكثير من الاعلام البارزين ممن كان ينبغى تخصيص الصفحات لحياتهم والترجمة لهم بتفصيل.

