الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

أعلام (ڤموده) الاسلاميه

Share

(* ) - 4 -

ابن مسافر الڤمودى

واسمه الكامل : أبو محمد عبد المعطى بن مسافر بن يوسف الڤمودى.

كان من رجال الحديث الثقاة ومن رواة الموطا ومن أهل الزهد والصلاح يعد  مثالا للاستقامة المطلقة والنزاهة التامة يقول الشعر ويشتغل بالادب رغم  تخصصه في الحديث وقد هاجر الى الشرق وطوف في بلدانه ، واستقر في  الاسكندرية مدرسا للحديث وعنه اخذ الكثيرون . ومن أشهرهم الحافظ  السلفى . وهو أعظم وأشهر المحدثين في القرن السادس وأصله من اصبهان  واسمه الكامل أبو طاهر احمد بن محمد بن احمد بن محمد بن ابراهيم  السلفى . ولد باصبهان سنة 1081/474 وطاف اقطار الاسلام الشرقية  كالعراق والحجاز والشام ومصر ، واستقر فى الاسكندرية سنة 1117/511 وبقي فيها الى وفاته بها سنة 1180/576.

وقد بلغت مكانته وشهرته في الحديث أقصى الارجاء وأعلى الدرجات (57)  وكان يدون الحديث والاخبار والادب على جميع من يمر بثغر الاسكندرية من  العلماء والادباء والحجاج وحتى من التجار ورجال الاعمال . وترك ذلك كله فى  جذاذات مبوبة سماها « معجم السفر » وهو كتاب العمر بالنسبة له ، وهو من  أهم المصادر الموثوقة عن معاصريه من أهل الحديث والادب .

ويبدو ان السلفى قد تتلمذ على بن مسافر القمودي وكتب عنه الاحاديث  خلال السنوات الأولى من اقامته فى الاسكندرية وان صداقة روحية وأدبية  قامت بين الرجلين

ولكن السلفي الذي كتب الحديث عن بن مسافر القمودي وأعطى عنه  صورة مشرقة للغاية تدل على مكانة القمودى العلمية والاجتماعية والادبية ...  لم يذكر لنا تاريخ ميلاد القمودي أو وفاته ، أو حتى تاريخ لقائه به (58)

وكل ما ذكره السلفى : ان القمودى حين اجتمع به كان عمره قريبا من  المائة عام ، وأن القمودى قال قصائد اخوانية كثيرة في السلفى ، وان أهل الاسكندرية لم يعرفوا من القمودي زلة قط (59)

السكدلى الشاعر:

في ختام هذا الحديث نلتقى بشاعر ، لعله من كبار شعراء البلاد التونسية  في القرن السادس الهجرى ، الثاني عشر ميلادى ، ان لم يكن اكبرهم  واشعرهم باطلاق.

ومع ذلك ، فنحن نكاد لا نعرف اى شىء عنه . ولولا نتف قليلة اختارها  صاحب الخريدة من قصيدة واحدة من شعر هذا الشاعر لما امكن ان تسمع عنه أي خبر .

والغريب .. ان صاحب الخريدة الذي اعجب بشعره واختار منه في كتابه  لم يذكر لنا حتى اسمه واسم أبيه ، فضلا عن تاريخ ميلاده أو وفاته ، أو البلد الذي انجبه وعاش فيه .

ولولا ان الابيات المختارة من قصيدة قيلت في مدح أمير لما امكن لنا ان نعرف شيئا عن بلده وعصره وبعض الملابسات المتصلة بذلك .

وهاكم أولا كلام صاحب الخريدة بنصه وحرفه : قال وأنشدوني للسكدلى في مدافع بن رشيد (60) يهنيه بعيد النحر من قصيدة موسومة بالممدوح أولها :

خلیلی عوجا بي لتلك المرابع        لنسفح بالسفحین در مدامعی

ولا تبخلا بالدمع عل الذى بنا          يبرده سح الدموع الهوامع

منازل ساداتي ومغنى أحبتى       وموضع اترابى (61) وخیر مواضعی

بها قد جنيت العيش غضا وملبسى     شبابى ومن اهواه غير ممانعي

ومنها

الا قاتل الله اللوى من محلة          وقاتل دهرا باللوى غير راجع

یکاد فؤادى من تذكره الحمى.       وأهل الحمى ينقد بين الاضالع

ومنها فى التخلص

لقد ملكت روحي كما ملك العلا       وحاز الندى جود المليك ( المدافع)

ومنها فى المديح

فما أنت الا جوهر قام ذاته.         بنور هدى من جوهر العدل ساطع

وراجيك موفور ، وشانيك هالك        وأيامك الدنيا بغير مضارع » (62)

من هذا النص يتضح ، ان صاحب الخريدة او من نقل عنه : 1 - نسب الشاعر الى قفصة 2 - لقبه بالسكدلى 3 - ونقل مديحه فى مدافع بن رشيد

وهذا كل ما جاء به فهل يمكن بهذا وحده ان نعرف الرجل وعصره  وشعره واخباره ؟ طبعا ، لا . ولكن اى شيء نستطيع ان نقوم به لادراك  حقيقة الرجل .. وبلوغ أى يقين عنه وعن شخصيته وتاريخه ؟. لا شيء ..  سوى أن نربط الظروف بالاسماء ، وبالزمان والمكان .. وهذا ما قمنا به ، فدلنا على جوانب أساسية من حياة الرجل ونسبته وعصره :

1 ـ فكونه من أهل قفصة ، أمر مهم للغاية ، فهو مفتاح يمكننا به ان تحدد  البلدة أو القرية التي ينتمي اليها ، أهى قفصة المدينة ، أم احدى القرى أو القصور التابعة لها ..؟

2 - لقب السكدلى ، كان غريبا عندى ، ولم يخطر ببالى قط ، انه نسبة الى  بلدة معينة أو مكان معروف ، فقد جعلنا صاحب الخريدة لا نفكر في المكان ، بعد  ان قدمه لنا كشاعر من أهل قفصة.

ثم رأيت في کتاب فرنسی ، وضعه احد المراقبين المدنيين عقب الحرب  العالمية الثانية عن سكان اراضى العروش والمناجم في « المراقبة المدنية ، لجهة  قفصة ، فوجدت اسم « بلاد سيقدال » شمال المكناسي . فقفز الى خاطرى  فورا اسم الشاعر السكدلى ، المنسوب الى أهل قفصة . وقلت لا بد أن يكون  من هذا المكان ، وبالمراجعة (63) تأكد انه شاعر قمودي من شمال المكناسي  ونسبته الى أهل قفصة عند مؤلف الخريدة وغيره من المصادر التي نقل عنها ،  انما تؤكد هذه الحقيقة ، فالمنطقة كلها واحدة جغرافيا وبشريا ، ثم ان تكرر  النسبة دليل على انتقال المنسوب من مكان نسبته الاولى الى مكان نسبته الثانية  ولقب السكدلى جاء ذكره في البداية فهو دال على اصل الرجل ومسقط رأسه دون ريب .

3- اما مدافع بن رشيد ، الذي مدحه السكدلى بتلك القصيدة الفريدة ، الممتازة - رغم كونها مديحا - فهو أمير من أمراء بني هلال الذين حكموا مدينة.

قابس في عهد ملوك الطوائف ، الذين تقاسموا المملكة الصنهاجية من منتصف  القرن الخامس الى سنة 1160/555 حين زجف عليهم عبد المؤمن بن علي  الموحدى فقضى عليهم وحرر السواحل التونسية من سيطرتهم ومن نفوذ النرمان .

وكان مدافع بن رشيد أميرا على قابس من سنة 542 الى 555 وكان هو  نفسه شاعرا وكريما سخيا بعطاياه وجوائزه على شعراء المديح الذين كانوا  كثيرين في بلاطه . فكان السكدلى ويحيى التيفاشي القفصى من كبار الشعراء  الذين عاشوا حوله ومدحوه باشعارهم ، وانتهت اخبارهم بل وحياتهم بانتهاء امارته وزوال سلطانه (64)

وبختام القول والتعريف بشاعر نموده الكبير السكدلى ، ينتهى حديثنا عن  هذه النماذج من اعلام نموده الاسلامية ، الذين هم في الواقع مجرد أمثلة  لعصرهم وثقافتهم ومناطق انتسابهم اما المزيد من التفاصيل عنهم وعن  عشرات الاعلام الآخرين الذين انجبتهم بلاد نموده قديما أو ولاية سيدى  بوزيد حديثا .. فانه سيكون - كما وعدتكم فى طالع هذا الحديث ـ في كتاب يطبع فور الانتهاء من جمعه وتأليفه ان شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية