" كان يعلم ان مكة بخير ، ولكنه كان لا يعلم ان أهلها كذلك " . .
قال : - لم يكن ليغيظنى من زوجتى " عزيزة " الا انها كانت تخرج من البيت دون استئذانى ، والا فانها كانت على قسط كبير من التأدب والوقار والقناعة . . تعنى ببيتنا وولدينا سمير وفؤاد كل العناية . . وتؤدى الصلوات الخمس فى اوقاتها
ولقد خيرتها عندما اردت الهجرة الى هذه البلاد المقدسة بين البقاء مع اهلها او النزوح معى ، فأختارت مرافقتى الى هذه البلدة الطيبة المباركة ضاربة بنصح اهلها لها بالتخلف عني عرض الحائط ، الامر الذي جعلني اكبرها واقدر لها اخلاصها ، غير انها تغيرت فجأة واين !؟ فى بلد الله الحرام
كنت اعود الى البيت بعد تجوالى بحثا عن عمل فلا أجدها ولا اجد ولدى وكان من حقي ان استجوبها كأي زوج حينما تعود بادية الاعياء والارهاق ، تفوح منها رائحة صابون معطر ! .. وشعرها مرتب فى هندسة عجيبة ، فكانت اجاباتها تجيء مضطربة مفككة غير مستقيمة . . كأن تقول مثلا : انها
كانت عند الجيران الخ . . الخ . .
ومع اننى كنت قد عزفت عنها ولم أعد اجد ما تجده في نفسك اذا ما أويت الى فراشك ليلا ، الا انها كانت تهتم بزينتها وبتنعيم بشرتها اكثر مما ينبغى . .
واحتلت الوساوس والشكوك الجانب الاكبر من نفسي التى اضافتها الحاجة ، ومع ذلك فلم اشأ ان افسر " الامور " اذ كان ينبغى على - كرجل له كرامته - أن أفعل شيئا قد يكون فيه هلاكنا ودمارنا ومعنا ولدانا .
ومضت الايام والحالة تزداد سوءا على سوء ، حالتى انا النفسية . . لا اهنا بنوم ولا يهدأ لى بال ، بل لا اطوف بالكعبة دون ان اخلط بين التسابيح وبين ذلك السؤال الرهيب : ( اتخوننى عزيزة ؟ ) وكان الجواب دائما ( نعم انها تخونك ) والا فاين تذهب ولم كل هذا الاهتمام بنفسها وملابسها ولم يفوح منها دائما هذا العطر الشذى ! ؟ . .
واصبحت ارى معنى لكل نظرة قد يرسلها نحو دارنا المتواضعة فى
الحفائر أى عابر سبيل ، أو اية ابتسامة قد اراها على وجه أى مخلوق القاه . .
وأتت على انسانيتى ثورتى النفسية المضطربة . . ورأيت الا مهرب لى من تلك الحالة الجنونية الا بالتخلص منها وحزمت امرى على ان اخنقها وهي نائمة وبذلك لا اترك للجريمة اثرا ، ولم افكر فى الطلاق مطلقا حتى لاتنعم بمن تحب من ورائى . .
وكنت اعلم ان القتل افظع جريمة قد يرتكبها انسان ، وان الله قد أعد أشد انواع التعذيب للقتلة ، وكلما ذكرت ذلك ضعفت ووهنت ، ومن ثم زاد حنقي على نفسي وزادت ثورتي المكبوتة . .
وذات يوم انتبهت فجأة على لغط فاذا بهم صبية قد تجمعوا حولى وهم يقولون : المجنون . . المجنون . . . ففطنت الى اننى كنت احدث نفسى فى صوت مسموع ، وانتهرت الصبية فى حزم وعزم ، ثم قفلت راجعا الى البيت وانا شبه محموم . .
ومررت بدار المحسن الكبير سعد الطائفى ، الرجل الذى يضرب المثل بتقواه وحبه للخير وماله المبذول فى سخاء على الفقراء والمساكين وجموع من المعوزين يجلسون امامه في حلق
ودونما ارادة منى رفعت بصرى احملق فى ذلك البناء الضخم الجبار فاذا بي ارى زوجتى تنشر ملابس مغسولة على الحبل الذى يمتد باعلا القصر . . وتسمرت قدماى وتصبب العرق مني باردا غزيرا . .
وتوارت دون ان تراني فاردت ان
اناديها ، ولكنى شعرت بوخزة مؤلمة من عصا فاستدرت فاذا بالسيد الطائفى يقول فى غضب :
- اننا لا نسمح لاحد ان ينظر هكذا الى بيوتنا . . انقلع يا خسيس أين أنت ؟ ! . . أنت في مكة المشرفة
وتمالكت نفسى وقلت في ذلة وخضوع :
- اننى زوج غسالتكم عزيزة وفغر الرجل فاه من الدهشة . . وتمتم قائلا :
- ولكنها . . ولكنها كانت تقول ماذا ؟ ! انت زوجها ؟ ! انها كانت تقول . . .
وقاطعته متمما : - كانت تقول انها أرمل . . اليس كذلك . . لها الله هذه المسكينة . .
وتهالكت على الارض وجلس إلى جوارى الرجل . . وفهمت كل شئ
واتفقنا على كتمان معرفتى صلتها بآل الطائفى ، وان تعفى منذ اليوم التالي من الخدمة . . على أن ابدأ انا العمل ملاحظا فى مصنع ( الليمي كولا ) الذي يمتلكه في الحجون
وحتى اليوم فهي لا تدرى لماذا قلبت لها " عمتها " فجأة ظهر المجن وصرفتها عن خدمتها فى اللحظة التى كنت اذهب فيها الى المصنع . .
وارسل صاحب زفرة طويلة من صدره ثم قال :
- اعوذ بالله من الشك والشرك ، والشقاق والنفاق وسوء الاخلاق ، وسوء المنقلب في الاهل والمال والولد

