- ٤ -
الادب العربى والفتح الاسلامى .
لم يفرض الاسلام الجهاد لغرض استعمار الشعوب واخضاعها لنفوذ الدولة العربية . وانما فرضه لينتشل الانسانية من الضلال والانانية والاستبداد . الى الدين الحق والعلم الصحيح والمودة والتسامح والنور الوضاء . ولم يجاهد المسلمون لأولون فى سبيل الملك والسلطان . ولم يقدموا أرواحهم ضحية للمادة والاستغلال وانما جاهدوا لنشر العقيدة الاسلامية والخلق الفاضل . وانما ضحو بنفوسهم فى سبيل الخير والحق .
وقد تم للدعوة غرضها . وقد افلح المؤمنون فى جهادهم . فكان التوفيق عظيماً. وكان الجهاد مثمراً- فقد أنتصر الحق على الباطل وأضاء النور الظلام فانطلقت الافكار من اغلالها تنعم بالحرية والصراحة لا يخشى ضغطاً ولا يخاف عسفاً لها من العدالة الاسلامية ما يقيها الباطل والطغيان .
ولا بد لمثل ذلك الفتح المبين الذى حفل باخطر انقلابات عرفها التأريخ - تأثرت بها أكبر مجموعة من الامم على السواء . . ان تكون وراءه مدنية مزيج فيها خير ما فى تلك الامم من تقاليد وأخلاق وآداب .
فكما حد الاسلام في العرب النعرة الجاهلية والفوضوية المطلقة . وقوم فيهم المعوج من العادات والنزعات - فقد ضم العرب الى اجتماعياتهم خير ما اعجبوا به
من اجتماعيات الامم التى اظلتها الراية الاسلامية واساليبها فى الاستمتاع بمباهج الحياة ومواجهة صعابها .
ويمثل ما استعرت هاتيك الامم . ويمثل ما استعربت آدابها . كذلك هي بدورها قدائرت آدابها ولغاتها فى الادب العربى وفي اللغة العربية . لجد في الادب العربى الكثير ممامن فيه من قبل . وشاب اللغة العربية الكثير من المصطلحات التى لم تكن من اصل اللغة وقواعدها . فكان من ذلك التواشيح الذي قامت عليه الدولة الاسلامية ، ان تطورت حياة العربي جميعها بطور جديد . وكان من ذلك التطور ان اصبحت لغة الدين والعلم والرسميات غير لغة السوقة ومجالس العامة وكان من ذلك التباين بين لغتى العلماء والعامة ان اصبح الادب العربى علماً نظمت قواعده واصوله فى مؤلفات ضخمة تستدعى دراستها والتخصص فيها شطرا من حياة المرءيس بقصير وكان من كل ذلك ان اتسع نطاق الادب العربي وحفلت موضوعاته وكان منه ان تدرج الادب الى تلك المكانة الممتازة بعد ذلك الفتح العظيم .
فكما انضوى كثير من الامم تحت الراية الاسلامية . فقد انضوت آدابها تحت لواء الأدب العربى . وكما استمدت بلاد الا كاسرة وارض القياصرة من بلاد العرب الدين والاخلاق فقد ساعدت علومها ونظمها فى تنظيم الدولة العربية على اساس مركزي يتفق والاوضاع التى يحتاجها للقيام يشؤن رعاياها الذين يختلف عناصرهم ؛ كما يختلف طباعهم ، وتتنوع مشاكلهم بقدر ما تتعارض مصالحهم ويتفاوت طموحهم بمثل ما يتفاوت ماضيهم ، وما يمتاز به بعضهم عن بعض من ثروة وثقافة
فكل ذلك له اثره الفعلي فى انتاج الاديب وطموحه . وكل ذلك ركز للاديب مكانته على اساس عملي له اهمية فى تكيف الرأى العام واعلان شعوره وآرائه ورغباته . وله اثره فى سياسة الدولة وتوجيه دفتها والدعاوة لها . وكل ذلك طفر بالادب فاذا به يصبح السبب الأول لانهاض من تحفزهم آمالهم الى النفوذ والوحاهة في بلاط الخلفاء ودواوين الوزراء ومقاطعات الامراء . واذا بالاديب
يتخطى الشعر الى النثر فيؤدى ببيانه ما عز عليه ان يؤديه بشعره واذا به يسجل في تأريخ الادب العربي رسالاته السياسية ومقاماته الانتقادية وطرفه الاجتماعية ومترجم جماته العلمية فيضم بذلك الى التراث الادبي طريفاً مالبث ان عد من جوهر الادب وصميمه . واذا من ادباء العربية من ينال ما قدره لنفسه واكثر ويسمع من " المعتصم " تصريحه عن الاديب العربى الذى جاء فى كلمته : " خليفة امى وكاتب عامي" . فيدرك مقدار شعور الدولة بضرورة وجوده فيحمد لنفسه جهودها ويشكر لها نشاطها.
وفي الحق لقد افاد الفتح الاسلامى الادب العربى ووفق الاديب العربى لاستثمار تلك الفائدة بما يملكه من ثروة اديبة وبما جد فى الدولة العربية بفعل التوسع من تنظيم . فهو قد وفق فى اداء واجبه الادبى فجدد فى الادب العربى النثر باسلوب يتفق وتطور الامة العربية ويفيدها فى مختلف حالاتها ومتعدد مناسباتها ضاما الى الادب العربى ماربحه من معانى واساليب وعلوم . فى الوقت الذي انعرفت فيه الاغلبية الى غير ذلك من مكاسب الفتح الاسلامى . وهو قد وفق فى اثبات وجوده فى الدولة بما اضطلع به من واجبات التنظيم وتركيز المسؤليات وترتيب الاعمال وتكييفها على طراز عربي فيه من تجارب الامم التى أنارها الاسلام نظامها ودقتها . وفيه من روعة الادب العربى وجماله ، ما جعله مثلا خالداً ندرسه اليوم ونعجب بالكثير منه .
فلم تكتف الدولة العربية بعد ذلك من الاديب العربى بالمدح وتخليد المآثر ولم يقع الاديب بنظم القصائد ونقد الاخلاق فكان من رغبة الدولة وطموح الادب ان ساهم عبد الحميد وابن الزيات وابن العميد وابن برد والصاحب بن عباد وغيرهم فى سياسة دولهم بتلك الرسائل التى قامت بدور هام في قضايا هاتيك الدول وسياستها وابرازها بشكل فاتن اخذ مكانته من تأريخ الادب العربى واخذ الناس ينشرونه الفنية بعد الفينة يدرسون فيه الادب والتأريخ والسياسة فيرتسم فى اخيلتهم عهد ركن الدولة كما تصوره لهم رسالة ابن العميد لبعض الخوارج : ) - كيف وجدت مازلت عنه ؟وكيف تجد ماصرت اليه ؟ الم تكمن
من الأول فى ظل ظاليل . ونسيم عليل . وريح بليل . وغذاء غذي . وما روى ومهاد وطئ . وكن كنين . ومكان مكين وحص حصين عززت فيه بعد الذلة . وكثرت فيه بعد القلة . وارتفعت بعد الضعة وايسرت بعد المعسرة واثريت بعد المتربة ؟ ففيم انت الآن من الامر .)
ويتصورون النزاع الذي قام بين العرب والبربر فى الاندلس كما صورته لهم براعة ابن برد فى رسائله التى ساهم بها فى ذلك الصراع الرهيب
) وقد افضى الامر اليكم معشر الموالى . وهذا اسمكم وقد رفع الله عنكم العبودية به واخرجكم عن رق الملك . وصيركم منا . وخلطهم بنا و أقضى بانسابكم الينا وانولاء لحمه . ومولى القوم منهم . ملعون من انتمى لغير ابيه أو ادعي غير مواليه . هذا حكم الاسلام على لسانه عليه السلام . واما حكم الدنيا وسيرة أهل السداد والصلاح فيها فلا يجزئ أيضاً الا ان يكون ضلعكم معنا . وميلكم الينا وتعصبكم لنا . فنحن احق الناس بكم واجدران نعمل عمل ابائنا فى امثالكم من موليهم فان نقمتم حالا فرقت الشمل . او لقيتم امراً صدع الجمع فتلك الفتنة التى يعق فيها الابن اباه ويقل المسلم اخاه .
وغير ذلك من الرسائل التى سجلها الثعابى وغير الثعابى من نقاد الادب ومؤرخيه فسجلوا بها صوراً ناطقة تحدث الاجيال بعد الاجيال عن حياة تلك الامم والادوار التى مثلوها على مسرح الحياة والتطور الفكرى الذي طرا على العالم العربى بعد الفتح الأسلامي الشيء الكثير الذى يفي بحاجة المستزيد
) يتبع (

