من هو ابن خلدون ؟
هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمى ( ١ ) ويلاحظ ان ابن خلدون يحرص فى مؤلفاته على اضافة صفة الحضرمى الى اسمه لبيان ان أسرته التى اتخذت الاندلس موطنا انما ترجع الى أصل يمانى حضرمى ويتصل نسبها بالصحابي (( وائل بن حجر )) .
وقد تنقلت أسرته من قبل أن يولد بين الاندلس وبلاد المغرب ثم استقرت فى تونس حيث ولد سنة ٧٣٢ الهجرية ١٣٣٢ الميلادية ودرس فيها على عدد كبير من العلماء ثم تقلب فى الوظائف العامة دون أن ينقطع عن طلب العلم الى أن عكف فى قلعة ابن سلامة سنة ٧٧٦ ه ، واعتزل فيها منقطعا لكتابة موسوعته التاريخية التى يسميها (( كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر فى أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر )) . . وانتهى من كتابه هذا فى شكله الاولي سنة ٧٨٠ هجرية ، ثم ترك القلعة ونزل الى تونس وتم له وضع كتابه الثمين فى شكله النهائى سنة ٧٨٤ ه ، ١٣٨٢ م ثم سافر الى مصر وأقام فيها حتى وفاته سنة ٨٠٨ ه ، ١٤٠٦ م ( ٢ )
كان ابن خلدون ، رجل بلاط وسياسة ، خدم ملوكا كثيرين وقام بأسفار ورحلات واتصل بشخصيات كثيرة وعاصر حوادث معقدة مما كان له أثره فى حياته المضطربة وفى بحوثه ودراساته . وكان ، رحمه الله ، فوق ذلك رجلا داهية وافر الذكاء يمتاز بذهنية متفتحة وقوة ملاحظة دقيقة وقدرة على التحصيل والانتاج ، وكان واقعيا
فى اتجاهاته العلمية ، ولذلك جاءت دراساته أدنى الى حقائق الأمور وأقرب الى طبيعة المسائل المدروسة ( ٣ ) .
يمتاز ابن خلدون عن جمهرة المؤرخين المسلمين ، بل عن جميع المؤرخين قبله ، بأنه نظر الى التاريخ كعلم يستحق الدرس لا رواية تدون فقط . وقد أراد أن يكتب التاريخ على ضوء منهج جديد من الشرح والتعليل ، فانتهى به التأمل والدرس الى وضع نوع من الفلسفة الاجتماعية ، وكتب مقدمة مؤلفه التاريخى لتكون شرحا وتمهيدا يقرأ على ضوئها التاريخ وتفهم وقائعه ، فجاءت وحدة مستقلة من الابتكار وحقائق تسجل مذهبا جديدا فى فهم الظواهر الاجتماعية وتعليلها ، وفى فهم التاريخ ونقده وتحليله ( ٤ ) .
ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع
(( علم العمران والاجتماع الانسانى )) لقد ميز ابن خلدون موضوع العلم الجديد الذى وصل اليه شأنه فى هذا شأن العلماء المحدثين الذين يبدأون أولا بتعريف علومهم وتحديد موضوعاتها وميادين بحوثها حتى تستقل وتكتسب أهليتها العلمية ، وفى هذا الصدد يقول : -
( . . وكان هذا علم مستقل بنفسه فانه ذو موضوع وهو العمران البشرى والاجتماع الانسانى وذو مسائل وهى بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد الأخرى ، وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيا كان أو عقليا . . . )
ثم يضيف ابن خلدون قائلا : ( واعلم ان الكلام فى هذا الغرض
مستحدث الصنعة غريب النزعة غزير الفائدة أعثر عليه البحث وادى اليه الغوص وهو ليس من علم الخطابة ولا من علم السياسة . . ) ( ٥ )
وابن خلدون ، من ثم يقسم موضوعه الى أقسام عدة يمكن أن تتفرع الظواهر الاجتماعية لديه الى مجموعتين أساسيتين :
المجموعة الأولى : بحوث تتعلق ببنية المجتمع : Mordholojibne Social ( ٦ ) وهى البحوث التى تتناول دراسة الظواهر المتصلة بالبدو والحضر وأصول المدنيات القديمة ، وقد ظن الفيلسوف الفرنسى Durkheim ( 7 ) وأعضاء مدرسته أنهم أول من عنوا بدراسة بحوث هذه الشعبة من علم
الاجتماع واول من فطنوا الى خواصها الاجتماعية ، ولكن هؤلاء قد أخطأوا لأن ابن خلدون ، قد سبقهم فى ذلك ، منذ خمسة قرون .
المجموعة الثانية : دراسة النظم العمرانية :
ان البحوث التى تتعلق بجوانب متعددة قد خصت كل جانب على حدة ، فقد أفرد للظواهر السياسية ( الباب الثالث ) ( ٨ )
وللظواهر الاقتصادية الباب الخامس ( ٩ ) , وللظواهر التربوية الباب السادس ( ١٠ ) .
وابن خلدون ، باتباعه هذا الأسلوب فى البحث يدلنا على انه فيلسوف استوعب معظم فروع علم الاجتماع وعالج أهم أبوابه وهو بذلك يكون أول من وصل الى ضرورة قيام ما اصطلح العلماء المحدثون على تسميته باسم : ( علم الوظائف الاجتماعية ) . ( Social Functions Science )
يضاف الى ذلك ، ان ابن خلدون ، قد درس الظواهر الاجتماعية فى حالة الاستقرار والسكون ( Statics ) وكذلك حالة المادة الدايناميكية . ( Dynamics ) وقد عنى ابن خلدون فى دراسته لكل طائفة ، من طوائف النظم العمرانية بأن يمزج بين هاتين الناحيتين ، فقد كان يدرس عناصر الظاهرة وأجزاءها ووظائفها ، وما الى ذلك ، من مسائل الدراسة السكونية الاستقرارية ثم يدرس ، فى نفس الوقت ، تطورها والقوانين التى تخضع لها فى هذا التطور . ان هذه الطريقة التى سار عليها ابن خلدون فى بحثه طريقة سليمة لأن من المتعذر فى علم مثل علم الاجتماع أن نفصل فى دراستنا بين الناحيتين التشريحية والتطورية معا ، كما فعل اوغست كومت ( August Comte ) ( 11 ) ، فيما بعد وأدى به هذا الفصل الى أخطاء كثيرة وهنت من عظمة بحوث كومت وقللت من شأنها ( ١٢ ) .
ان أفكار ابن خلدون ، لم يعن بها قبل منتصف القرن التاسع عشر ، وقد كان وقوف الغرب على تراث ابن خلدون ونظرياته
الاجتماعية اكتشافا علميا حقا ( ١٣ ) . لقد ظفر الغرب بكثير من نظريات المفكر المسلم فى الشؤون الاجتماعية والفلسفية والاقتصادية التى لم يطرقها البحث الغربى الا بعد ابن خلدون بعصور طويلة . من ذلك ما ردده ماكيافللى Machiqvelle وفيكو Vico ومنتسكيو Montesquieu وآدم سميث Adam Smith وأغست كومت Comte بعد قرون ( ١٤ ) .
لقد كان المعتقد أن البحث الغربى أول من اهتدى الى فلسفة التاريخ ومبادئ علم الاجتماع وأصول الاقتصاد السياسى ، فاذا بابن خلدون يسبقه بقرون ، ويغزو فى مقدمته هذه الميادين كلها ، ويعرض كثيرا من نواحيها ونظرياتها بقوة وبراعة . ومن ثم فانا نرى النقد الغربى ، بعد أن اكتشفه ودرسه ، يرتفع بتراثه الى أسمى
مكانة ، وينظمه فى سلك الفلاسفة ومؤرخى الحضارة وعلماء الاجتماع والاقتصاد السياسى ، بل ويعترف له بفضل السبق فى هذه الميادين .
يعتقد عدد من علماء الغرب بأن نظريات ابن خلدون التاريخية هى نظام فلسفى ومدخل الى فلسفته الاجتماعية ، وفى هذا يقول ، مثلا ، دى بوير ( الهولندى ) : (( حاول ابن خلدون أن يؤسس نظاما فلسفيا جديدا لم يخطر على بال أرسطو وأن يجعل من التاريخ نظاما فلسفيا ، وهو يقول لنا أن هذا النظام ، هو الحياة الاجتماعية . وأن مهمة التاريخ هى أن يظهر لنا كيف يعمل الناس ؟ وكيف يحصلون على أقواتهم ؟ ولم يتحاربون ؟ وكيف تتقدم الحضارة وتنمو ؟ وكيف تضمحل وتموت ؟ ))
ثم يضيف دى بوير قائلا : (( ان ابن خلدون هو بلا ريب أول من حاول أن يشرح بافاضة تطور المجتمع وتقدمه لأسباب وعلل معينة وأن يعرض ظروف الجنس والاقليم ووسائل الانتاج وما اليها ، وأثرها فى تكوين ذهن الانسان وعاطفته فى تكوين المجتمع )) ( ١٥ ) .
ويرون ان ابن خلدون لم يسبقه أحد من الفلاسفة الاغريق ومنطقهم ولا سابق له فى الفكر الاسلامى ، خلاق للنظريات الشاملة ذو عقل متحرر نشيط . ويرون ، كذلك ، ان فيلسوفنا العربى العظيم هو مؤسس علم الاجتماع . وذلك بأن جعل التأريخ علم الاجتماع الانسانى ، أى ان ابن خلدون وضع القواعد الأولى لعلم الاجتماع ذاته ( ١٦ ) . بل منهم من يرى ان ابن خلدون قد سبق
علماء أوربا المحدثين الى التفكير فيما نسميه بعلم الاقتصاد السياسى ( الذى يزعم بعض الغربيين بأن آدم سميث ، هو الذى كشف قواعده ) ( ١٧ ) .
ويضاف الى ذلك ان النظريات المنسوبة الى ابن خلدون ، وهى التى توصل بها الى ادراك أثر البيئة على الجماعات البشرية ( ١٨ ) قد سبق بها دارون بخمسة قرون ( ١٩ ) ، وانه توصل الى ما نسميه بوحدة المادة - أى خضوع الانسان والحيوان لقوانين اجتماعية عامة وذلك قبل أن يتكلم عنها هيجل ( ٢٠ ) . بل ان نظرياته فى الامارة - أو فى السياسة ( ٢١ ) يتردد ، بعد ذلك ، فى آراء ماكيافللى فى كتابه (( الامير )) الذى كتبه عام ١٥١٣ ميلادية ، وفى هذا يقول العلامة الاجتماعى جمبلوفتش :
(( ان فضل السبق يرجع بحق الى العلامة الاجتماعى العربى ابن خلدون ، فيما يتعلق بهذه النصائح التى أسداها ماكيافللى ، بعد ذلك ، الى الحكام فى كتابه ( الامير ) )) ( ٢٢ ) .
ويعترف المؤرخ الانكليزى المعاصر توينبي ( Toynbee ) في كتابه (( دراسة التأريخ )) الصادر فى لندن عام ١٩٣٥ م اذ يقول :
(( ان فلسفة التاريخ التى تخيلها ابن خلدون ، ثم بسطها فى كتبه ، لهى ، بدون شك ، أعظم انتاج أبدعه أى ذهن ، فى أى عصر وفى أى زمن . . )) ( ٢٣ ) .
وبجانب هذا وذاك ، يرى شميت ( Schmidt ) فى دراسته عن ابن خلدون ان ابن خلدون تاريخى واجتماعى وفيلسوف لذا فاننا نجد الدكتور شميت يقدم ابن
خلدون فى ثلاث صفات .
أولا - ابن خلدون كمؤرخ : يعتبره فى صف المؤرخين العالميين أمثال ديودور الصقلى ، ونقولاوس الدمشقى , أو تروجوس بومبيوس ممن كتبوا فى القرن الاول الميلادى ، أو المؤلفين من كتاب القرن الثامن عشر مثل جاتيرر ، وشلتسر ، هذا مع كونه يتفوق عليهم سواء فى الانتفاع بالمصادر القديمة أو فى الرواية الأصلية .
ثانيا - ابن خلدون فيلسوف : وفى هذا يرى الدكتور شميت ان ابن خلدون هو الذى اكتشف ميدان التأريخ الحقيقى وطبيعته ، يضاف الى ذلك ، ان أحدا من غير ابن خلدون لم يقل ان التأريخ علم خاص موضوعه بحث جميع الظواهر الاجتماعية فى حياة الانسان .
ثالثا ابن خلدون اجتماعى : يرى الدكتور شميت ، مع معظم النقاد ان ابن خلدون ، هو مؤسس علم الاجتماع ، ويرى ، بالأخص مع جمبلوفتش ( Gumplovicz ) ان علم الاجتماع وجد قبل أوغست كومت Comte بعصور طويلة , وان ابن خلدون ذهب فى تفكيره الى حدود لم يذهب اليها كومت ، نفسه ، وانه فيما عالج من خواص العادة والاقليم والارض والغذاء ، قد سبق منتسكيو ، وبكل ، وسبنسر ، وغيرهم ( ٢٥ ) .
هكذا ، والحق يقال ، ان الانسان لا يملك نفسه من الذهول أمام هذه العقلية الجبارة ، التى كانت لابن خلدون ، اذ نقرأ فى المقدمة آراء غاية فى الطرافة والدقة ، بل انا لنعجب كيف دعا هذا المفكر العظيم
الى أخذ الطلاب باللين ( ٢٦ ) ، مثلا ، والى عدم البدء بتعليمهم الملخصات ( ٢٧ ) فى زمن كان أبعد الأشياء عن الذهن مثل قواعد التربية هذه .
ان أعظم مغامرات هذا المفكر العظيم تتمثل فى آرائه الجديدة التى أعلنها فى علم العمران والاجتماع الانسانى ، وفى فلسفة : التاريخ والتربية وفى فهم الجمال والفن وفى الاقتصاد .
ولتصور مفكرا عربيا اسلاميا ، يقول ، منذ عدة قرون : ان كل شئ نسبى لأهل زمانه ومكانه ، فنستشف فى هذا أساس نظرية التطور وهو أن الموجودات خاضعة للتغيير .
ثم نمعن النظر فى مفكر يحاول أن يفسر ظواهر الطبيعة تفسيرا عقليا بدلا من الخرافات . وان ابن خلدون أحدث شيئا ضخما فى تفكير البشرية اكتمل فى تفكير هيجل ، وسان سيمون . وفى آراء منتسكيو ، وكومت ، وآدم سميث . وفى آراء معظم أساتذة المدارس الحديثة فى أحدث العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية ، بل انه سبقنا ، نحن فى القرن العشرين ، الى أشياء صحيحة فيما نسميه اليوم بعلم الفولكلور ( الفنون الشعبية ) .
اذن ، كان عبد الرحمن بن خلدون ظاهرة متكاملة فى العصر الذى شاع فيه الانحلال
فى الدولة الاسلامية استطاع هذا العبقرى ان يقيم نظاما فلسفيا غير مسبوق اليه . . انه عقل بشرى لا نظير له فى أى زمان ومكان ، كما يقول المؤرخ المعاصر توينبى .
ويعد ، ابن خلدون ، بعد هذا كله ، علما من أعلام الحضارة الاسلامية ، ترى من خلال نظرياته العقل المسلم الخصب الذى قلما أنجبت الانسانية مثله ، وانه المفكر الاجتماعى الاسلامى ، ولقد مهد الطريق لعلوم كثيرة فى المجالات السياسية والاجتماعية والتربوية والفلسفية والاقتصادية والتاريخية والشعبية ، بل انه يعد موسوعة علمية حوت كل جديد .

