الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

ألحان الماضى

Share

أنا فى مصباحك الوضاء زيت احترق طالما شيدت ابراجا من الوهم على هذا الورق طالما ذوبت روحى فى ثرى أرضى العبق فليمت قلبي اذا ما لم يكن زيتا ونور                 نور الدين صمود

أفاق سليمان من نومه مضطربا مشوش البال مثلما يفيق كل يوم خميس . فلبس ثيابه على عجل وقام فاتجه نحو فراش حمودة وكانت خديجة قد أفاقت هي أيضا فخرجت لتسخن قدر الحساء وتهيء الحمار .

- حموده ، حموده افق كفاك نوما .

لكن أين لحمودة أن يسمع صوت أبيه مهما بلغ من الارتفاع وهو ما زال في أعمق فترات النوم يغط ويشخر وتذهب به الاحلام كل مذهب :

- حموده ، حموده افق كادت الشمس أن تطلع . ألم أقل لك البارحة يجب أن نذهب الى الغابة مبكرين

فما كان من الطفل إلا أن دفع صوته بغمغمة غامضة ثم التف بالغطاء ودس رأسه بين ركبتيه ، ولما كثر صياح الاب أتت خديجة لتوقظ الطفل النائم لكن أباه كان قد أمسكه من ذراعه بكلتا يديه وهزه هزتين عنيفتين فجزعت الام وحالت بينهما قائلة :

- لا ! لا ! لا تفعل هذا . ألا تستطيع أن تمهله لحظة فينهض وحده بكل هدوء ؟ كم من مرة قلت لك يجب ألا تحركه عندما يكون نائما ، فلعله يحلم وعندما تهزه بمثل هذا العنف قد يتقطع الخيط . - الخيط ؟

- نعم الخيط . نسيت قصة لزهارى ؟ فسكت سليمان لحظة ثم قال : ايقظى ولدك بسرعة ودعينى ، اكرمك الله ، من الخرافات الفارغة التى ...

إلا أن شيئا كالندم حدث فى نفسه فلم ينه كلامه وعاد الى مكانه صامتا . تذكر أن روح النائم عندما يحلم تخرج من أنفه وتبقى مشدودة الى خيط ذهبي ضئيل لا تراه عيون الانس فتذهب الى أقاصى البلدان وتجوب البحار وتقطع الفيافى وتدخل قصور الملوك وتطأ ساحات القتال وتصحب الطير فى الفضاء والسمك في ظلمات المياه ثم عندما ينتهى الحلم ويحين الرجوع تعود الروح أدراجها ولا تظل الطريق بفضل ذلك الخيط الضئيل وتدخل من حيث خرجت . ومرت بخاطره قصة لزهارى التى لا تزال راسخة فى اذهان شيوخ البلد وعجائزه وان مضى عليها من الامد ما ليس بقصير لما أحدثت من دوى وما حركت من ألسن . عجب الجيران لما بلغهم نعي لزهارى وقد رأوه بالامس سالما مفعما صحة وشبابا لا يخاف على مثله من الموت فامتلأ الزقاق بالرجال ينتظرون الجنازة والمنزل بالنساء الباكيات النادبات ، لكن ما أشد ما كانت دهشتهم لما خرجت أمه ضاحكة مزغردة تقول إن لزهارى لم يمت ، إن الروح قد عادت اليه . أما سر هذا الحدث العجيب فهو أن لزهارى عطش عطشا شديدا أثناء نومه فخرجت روحه لتشرب فوجدت في فناء الدار "قربة" ، فدخلتها وكان من عادة أمه أن تتفقد المنزل كل ليلة قبل أن تنام لتنظم ما تبعثر من ( الادباش ) فوجدت "القربة" ، مفتوحة فأحكمت ربطها ... فكان ما كان من أمر موت لزهارى . ولما كان الغد كثرت النساء في المنزل فاحتجن الى الماء وفتحن "القربة" ...

كاد سليمان يـجنح فرحا وارتباطا لما استوى حموده أمامه واقفا حيا . لكنه أبى إلا أن يؤنبه على كسله واهماله فقال :

- نسيت أن اليوم يوم الماء يا حموده ، ويوم الماء يوم لا يجوز فيه أكرمك الله التكاسل .

تمر الايام والاسابيع والاشهر رتيبة ، شاحبة ، هزيلة لا تكاد تحدث فى منزل سليمان ولا فى نفسه مما يهمه شيئا . فهو كجميع من ابتسم لهم الحظ في ( درجين ) يملك " غابة " تدر عليه كل خريف غلة التمر فيدخر منها ما لا تقبله السوق ويبيع الباقى بأثمان تنخفض وترتفع حسب مطالب التجار

وقلة الامطار أو كثرتها أثناء العام . يتقاضى ثمن الغلة فيقيم فى الاسابيع الاولى الولائم ويشترى الرؤوس وقد يذبح خروفا أو شاة . ثم يأتى زمن التقسيم والتقتير فيأخذ في قرض تلك الصبابة الباقية فتاتة فتاتة مثلما يفعل الفأر بقطعة الشحم الى أن تنفذ عند مقدم الصيف أو فى منتصفه فتشتد به الحال حتى عودة الخريف إلا أنه لا يموت جوعا ولا عياله ولا اهل (درجين) يموتون جوعا أثناء هذه الفترة العسيرة لانهم يجدون فى غاباتهم ما يسدون به الرمق من رطب وخضر وغلال ثم لانهم يعيشون بأمل الخريف المتجدد . وهل يحتاج سليمان الحفناوى بعد هذا الى أى عمل ؟ إنه ينتسب الى عائلة محترمة لا يليق بها أن يتعاطى ابناؤها ما يتعاطاه الحلاقون والقصابون والحدادون مثل هذه الحرف الوضيعة . لذلك تراه يقضى عامة يومه فى المنزل مسندا ظهره الى الحائط باسطا ذراعيه الطويلتين على ساقيه الهزيلتين لا يتحرك إلا لابعاد الذباب عن وجهه أو للاشارة باصبعه منبها الى عمل أغفلته زوجته او ذنب اقترفه أحد الاطفال .

ويظل جالسا في مكانه الساعات الطويلة لا يغادره الا عندما تهرب عنه الشمس فى الشتاء فيلحقها او الظل فى الصيف فيسرع اليه .

- والله لو كنت انا ربي لعكست اكرمك الله الامر فقللت من الظل فى الشتاء وأكثرت منه فى الصيف وقللت من الشمس فى الصيف وأكثرت منها في الشتاء .

بمثل هذا كان يتحدث فيثير المشاكل فيحلها اولا يحلها ويعلق على كل ما يجرى أمامه في المنزل فيسدى النصائح ويثقف ويصلح ما لم يستقم من كلام زوجته وأبنائه الى أن يرهقهم فتفر الزوجة ضجرة الى شؤونها والاطفال الى العابهم أمام المنزل لكن سليمان لا يتوقف عن الكلام وان عدم السامع وحرم متعة التحدث الى من يصغى اليه أخذ في مناجاة نفسه بذكريات طفولته وشبابه الجميلة عندما كان أبوه على قيد الحياة فلا مشاكل الماء والغابة تكدر صفو حياته ولا شؤون الدار ترهق ظهره بوطأة عبئها الثقيل او يناجيها باماله العذبة الذى ما فتئت تهرب من بين يديه مثل حفنة الماء كلما ظن أنا قبض عليها ، وآماله كثيرة منها ما ورثها عن أبيه ومنها ما هى وليدة نفسه فطبق السمك مثلا ، طالما سمع أباه يحدث به نفسه متمنيا أن يقع بين يديه يوما فينتحي به زاوية وينهال عليه نهشا ومضغا ولوكا ورميا بالشوك يمنة وشمالا . ولكن الوالد انتقل الى رحمة ربه دون تحقيق الحلم فتشبث به

الابن لا رغبة فى أكل السمك لذاته بل تضامنا عائليا قبل كل شىء . أما "السطح" فشىء آخر ...

- هذا شيء لا يطاق ولا يمكن لهذه الحال أن تستمر . لا . لا. بد لهذا "السطح" أكرمك الله من باب .

هكذا كان يقول كل يوم مرة على الاقل بعد أن يطيل النظر الى "السطح" وعندما يتحتم عليه الانتقال من مكانه ينتهز الفرصة فيصعد اليه ويجيل نظره في كامل أنحائه ثم يهبط ويطرق قليلا ثم يلتفت اليه ويقول : "أيها السطح لابد لك من باب يغلق ولن تنفك ترينني من شرك أكرمك الله ألوانا ما لم أصنع هذا الباب . إنك لكالجرح المتعفن ينهش جنبى وينخر عظامى " .

وما كان سليمان ليحرص كل هذا الحرص لو لم تكن الاسباب قاهرة فمن هذا السطح تدخل كلاب الجيران وقططهم فتختطف ما طاب لها من فراخ الدجاج والحمائم وتمضى . وسليمان يحب الديكة والحمائم حبا يحسده عليه أعز أبنائه ولم يكن يحرص على تفريخها وتربيتها أملا فى ثمن بيعها او فى لحم يأكله بل لكى تصبح قادرة على مصارعة ديكة الجيران أو حمائمهم لان كل أهل الزقاق صغارا وكبارا مغرمون بمعاركة دواجن بعضهم بعض . يخرجونها أمام منازلهم فيهيجونها مثلما يفعل الاطفال بأكباش العيد فترى الديكة والحمائم تهوى وتنقض والريش يتطاير فى الفضاء وهم محيطون بها ينتظرون نهاية المعركة محرضين او ساخرين او ناقمين . إلا أن سليمان لم ينتصر له ديك او حمام قط . فالكلاب والقطط لا تنى تحرمه من أحسنها كلما نما واشتد عوده . فلم يبق الا أمل واحد هو أن يجعل لسطحه بابا يغلق . يقرر كل يوم أنه سوف يشرع فى العمل غدا . فإذا كان الغد أعلن الى زوجته وأبنائه أن القدرة لم تسمح وأن الذنب ليس ذنبه وعاود العزم .

- قلت لك ان المسألة مسألة خشب لا أكثر ولا أقل ، عندما يحضر يأتي أكرمك الله كل شىء .

فتجيبه زوجته : أما أنا فما أظنك صانعا هذا الباب حتى لو اجتمعت لك من الاخشاب غابة كاملة . - غدا ساتى بالخشب وسترين . لماذا الكلام بلا فائدة .

فتسكت خديجة . لكن الايام لم تكن تمر كلها على هذا النحو من الرتابة والهدوء فيوم الخميس يوم رئيسى فى حياة سليمان لان له فيه موعدا مع الغابة وللغابة موعد مع الماء . ينهض مبكرا قبل طلوع الشمس بكثير ويقصد اليها ليشرف على عملية السقى بنفسه فلا ( خماسه ) يتهاون بالعمل ولا الاجوار يسرقون قسطا من مائه عندما يفتحون فجوة فى جنب الساقية فيتسرب الماء الى أراضيهم وكثيرا ما أدركهم متلبسين بالجريمة فتقوم قائمته وتشتد خصوماته وقلما تنتهي عند حد الكلام . وقد تعود أن يصطحب معه حموده أحب أبنائه إليه على صغر سنه ليغرس فى نفسه حب النخل غرسا . وكان الابن مطيعا لابيه معتبرا بنصائحه شغوفا بالاستماع الى احاديثه عن النخل وما أكثرها فى بلد مثل ( درجين ) وما أشد فيها العلاقة بين الانسان والنخل والماء . وقد جازاه بنخلة تكون ملكا خاصا له يفعل بثمن غلتها ما يشاء . واعطاء النخلة لاعز الابناء سنة متبعة فى ( درجين ) وتسمى هذه النخلة "نحيلة" الاب على ابنه حتى اذا صار أبا وقفها بدوره على أحب أبنائه اليه فيفاخر بها اخوته ويتطاول عليهم وعندما يقع ختان الطفل تحمل الام جلدة الختان وتعلقها فى النخلة وتتركها فينشأ فى الطفل حب لتلك النخلة وتكون بينهما علاقة نفسية إذ أصبحت النخلة كأنها انسان وتصير فى نظر العائلة فردا منها او جزءا من الطفل .

انتهى سليمان وحموده من أكل " الحساء" لكن الطفل لم يأكل كثيرا لان أباه ما انفك يؤنبه ويرميه بالكسل ، والتناوم والطيش .

الماء كل شىء فى هذه البلاد يا حمودة ، سوف تقدر ثمن الماء عندما تبلغ سنى .

وبينما كانا يمتطيان ظهر الحمار كان يقول فى لهجة تهديد :

- إن بقيت على كسلك وعدم اعتنائك سأحرمك من النخلة واعطيها أحد اخوتك الآخرين .

ثم قال فى خشوع كبير :

- لانها نخلة عظيمة . تلك النخلة ياحمودة لها أكرمك الله تاريخ عظيم قديم . لذلك اخترتها لك دون غيرها . ولم أفعل ذلك عبثا . تلك النخلة ...

- 2 - ما كانت درجين لتوجد لولا هذا الواد الذي يقطعها طولا فيقسم

المدينة الى قسمين ثم يواصل سيره نحو غابة النخل وئيدا صامتا تياها كأنه سلطان . نعم وهل عرف اهل درجين سلطانا غيره ؟ بفضله استطاعوا منذ آلاف السنين أن يجعلوا من الرمل اليابس ارضا خصبة كريمة تمتد عليها غابة النخل ريانة خضراء زاهية كأنها حلم فى ضمير الصحراء . من ثمر نخلها يأكلون ومن أخشابه يسقفون بيوتهم ويصنعون أبوابهم وبأغصانه يطبخون طعامهم ويتدفأون في ليالي الشتاء . ثم ان أهل درجين من هذا الواد يشربون وبه يقاومون حرارة الصيف القاسية وريحه الجهنمية التى تمر على الجسم فتكاد تترك آثارها . فترى الناس يغادرون منازلهم ودكاكينهم عند اشتداد الهاجرة فيقصدون اليه جريا لكى لا يحرق اقدامهم لهب الرمل حتى اذا بلغوه ارتموا فيه بثيابهم وقضوا هناك الساعات الطوال . وما كان لهم ان يعتبروا وادهم موردا يرتزقون منه فحسب ولا وسيلة يدفعون بها اذى الصيف بل إنهم يعبدونه عبادة مثلما يعبدون الله والنخل ولقد تأتى السنون العجاف فيكفرون بالله وبالنخل لكنهم لا يكفرون أبدا بالواد لانه باق هو هو منذ عرفوه لم يتغير ما نقص له يوما مجرى ولا نضب نبع .

لكن الماء ككل شىء مقدس لا بد أن تقوم من أجله الخصومات والفتن ولقد شهدت درجين فتنه نشبت منذ قرنين بين القسمين اللذين يفصلهما الواد كان لها من الاثر ما جعل الاطفال يهاجمون بعضهم بعضا بالعصى ورميا بالحجارة . النساء يتغنين الى يومنا هذا بأشعار جداتهن وأمهات جداتهن تمجيدا لابطال (بنى يحيى) او رثاء لمن مات من شبان (الهوادف) نعم ما زلنا ويحفظنها وينشدنها في ليالي الصيف المقمرة عندما يهبطن الى الواد حاملات قرب الماء على أكتافهن فتصعد ألحان الماضي في الفضاء وتتبدد نغمات موحشة حزينة ثم يلتهمها الليل والغاب . وكانت جدتى عندما أطلب منها وأنا صبي ان تقص على احدى حكاياتها الكثيرة تقول لي : أقصة تريد أم ( خرافة ) ؟ فإذا طلبت منها خرافة روت لى ما جرى لسلطان الغرب مع سلطان الشرق ولبنت سلطان الشرق مع ابن سلطان الغرب وما فعل اليهودى بخاتمه السحرى . أما إذا طلبت منها قصة روت قصة الفتنة أو صفحة من صفحاتها . فما لبثت أن مللت حكابات السلاطين والخواتم السحرية لما علمت أن القصة شىء والخرافة شىء آخر وأن السلطان شىء والانسان شىء آخر . وصرت لا أطلب منها سوى القصص ولا أفضل من بينها سوى قصة الفتنة .

قالت جدتى : كان جد أبي عبد الحليم شيخا على عرش ( الهوادف ) عند قيام الفتنة

بيننا وبين بنى ( يحيى ) وكان هرما اعمى مثلى لكن سنه وعماه لم يمنعاه من أن يكون رجل درجين الاول وسيدها المهاب يخافه الصغير والكبير ويستشيره أفراد العشيرة فى جليل أمورهم وحقيرها . سوف تكبر يا بني وتسمع من ماثره الكثير ولسوف تأخذ نفسك بالاقتداء به وبلوغ ما بلغ من رجولة وتقوى وسداد رأى . أتاه أحد أبنائه يوما فقال له : إنى يا أبى بينما كنت البارحة فى عرش بنى يحيى سألنى أحدهم عن الابار العذبة التى توجد بجهتنا ثم انى فكرت فى هذا السؤال عند عودتى فوجدته غريبا فرأيت أن أحيطك به علما .

فما كان من الشيخ عبد الحليم إلا أن حك لحيته البيضاء طويلا وزفر زفرة من ينتظر مصيبة فحلت به ثم أمر ابنه بأن يدعو اليه فلانا وفلانا وفلانا من وجوه ( العرش ) على عجل فقد أيقظ حديث الابن فى نفسه ذكرى غير بعيدة العهد . تذكر أن جماعة من أبناء عرشه قد قتلوا منذ بضعة اسابيع رجلا من بني يحيى لسبب من الاسباب ثم حملوه ليلا ورموا به فى سقيفة منزله ومن الغد وجدته أمه مضرجا بدمائه . ففعلت ما تفعل النساء عندما يقتل ازواجهن أو أحد أبنائهن . لبست الصوف الاسود وتمنطقت بحبل من شعر الماعز وشوهت وجهها بالفحم ووضعت فوق رأسها قدرا سوداء ثم أخذت تطوف فى أزقة بنى يحيى نادبة صائحة تطلب من رجال العرش أن يثأروا لابنها القتيل .

مرت هذه الذكرى بخاطره مرور السهم فعلم أن بنى يحيى يكتمون الغيظ ويضمرون الانتقام . ولما حضر وجوه العرش بين يديه أمرهم بتسليح جميع رجالهم وتجنيدهم استعدادا للقتال ثم قال : " إن خطتهم واضحة جلية تعلمون كلكم أنهم أقرب منا الى عيون الماء وان الواد لا بد أن يمر أمام منازلهم ويقطع غاباتهم قبل أن يصل الينا . سيبدأون باقامة سد لاحتكار الماء من دوننا ثم يحاولون سم آبارنا فاحرسوها ، إنى لاتوقع منهم شرا آخر فلعلهم يهجمون على غاباتنا لقطع عراجين " الدقلة " ، قبل نضجها إمعانا فى الشماتة وتفننا في الانتقام . إنها والله لخطة أبالسه . فاستعدوا لقتال مر طويل . فإما الماء واما الموت" . ثم تفرق الجميع من حوله وفى اليوم التالي بدأ القتال .

اتجهت جماعة من أبناء عرشنا نحو السد ليهدموه فوجدوا ثلاثة من العرش الآخر قائمين على حراسته فتقدم لهم ثلاثة من رجالنا واخذوا يتصارعون وسط الواد وعلى ضفتيه ويتلاحقون بالعصى ويقرعون رؤوس بعضهم بعض

بالحجارة ولما أحسوا من أنفسهم ضعنا وكدنا نتغلب عليهم سل أحدهم خنجره وطعن أحد رجالنا فسقط قتيلا واختلطت بالماء الدماء".

وكانت جدتى كلما بلغت هذا الحد من قصتها غلبتها الدموع وهمت بالذهاب الى فراشها إلا أنني كنت آلح عليها واتوسل اليها متشبثا باطراف ثيابها وقد الحقها أحيانا إلى فراشها فتدخلنى تحت الغطاء وتستائف حديثها .

كل ما حدث بعد ذلك مؤلم يا بنى ولا أريد أن أفطر نفسك الصغيرة الطاهرة على المرارة والالم . عزز الهوادف صفوفهم وفعل بنو يحيى مثلها وتقابل الجيشان على ضفتي الواد ولم تعد الاسلحة عصيا ولا حجرا ولا حتى خناجر بل "قرابيلات" وهي بنادق هائلة ذات فوهات عظيمة . ودامت المعارك أياما عديدة مات فيها من الجانبين رجال كثيرون . وبينما كان الرجال يصارعون النار كانت النساء والاطفال يقارعون العطش والفصل صيف والصيف عندنا كما تعلمه شديد فعزت قطرة الماء وبرح بالناس العطش ولم تبق الا الآبار فالتجأوا اليها عذبها ومالحها يتنافسون عليها ويزدحمون من حولها . ولما رأى الشيخ عبد الحليم أن ماءها الى نضوب جعل عليها حراسا يحرسونها ويوزعون الماء على العائلات طأسا واحدا فى اليوم لكل منها . ولقد تمكنت يد آثمة من أيدى الاعداء من القاء السم فى احدى تلك الآبار فوضعت عليها الاخشاب والصخور بعد أن أودت بحياة ام وابنتها . ولم نتمكن من تهديم السد لان عروشا أخرى قد تحالفت مع بنى يحيى لكسر شوكتنا إذ كان عرشنا سيد عروش البلاد لما اجتمع له من مال طائل وعدد وافر ونسب عريق .

أراد الشيخ عبد الحليم أن يحاربهم بطريقة أخرى فأمر رجاله باشعال النار في غاباتهم فأصبحت رمادا رمددا بعدما كانت الاشجار تميد فيها وتتمايل كالعرائس . فقامت قائمتهم وارادوا أن يردوا الفعل بمثله لكنهم خافوا أن تتسرب اليهم النار فتقضى على البقية الباقية من نخلهم . فحاولوا أن يقطعوا عراجين التمر ويرموا بها أرضا حتى لا يتم نضجها لكن حراستنا كانت بالمرصاد فلم يستطيعوا ان يقطعوا غير عرجون واحد من نخلة واحدة فقد ألقى القبض على أحد رجالهم بينما كان فى أعلى تلك النخلة . انتظروه تحت جذعها يوما وليلة حتى اذا انهكه الاعياء وغاب عنه الامل نزل عنها فثقب قدماه بالمنجل الذى كان يحمله ثم علق في رأس النخلة وبقى هنالك أياما الى أن مات وأصبح فريسة الطيور . حاول بنو يحيى افتكاك جثته لكنهم

لم يفلحوا بل كلما تقدموا من النخلة تصدى لهم رجالنا وردوهم على اعقابهم خائبين . وما زالت هذه النخلة موجودة يا بني لعلك لا تعرفها لكن ستراها يوما لشهرتها إنها توجد فى غابة آل الحفناوى وما زالوا يتوارثونها أبا عن جد ، ويهبونها "نحيلة" الى اعز أبنائهم . إنها يا بني صارعت الفناء مئات السنين وأبت الا أن تظل قائمة شامخة تشهد أبد الدهر ببطولة أجدادك وصبرهم على القتال .

لكن أمر النخلة لم يجد نفعا فى حقيقة الامر لان بنى يحيى استمروا على إقامة السد والمدافعة عنه . وكدنا نفنى على آخرنا فى سبيله عطشا أو قتلا بالرصاص . وكاد اسم الهوادف يمحى من الوجود وتفتح درجين الجميلة ذراعيها لبني يحيى ينعمون بخيراتها ويتفيئوون وارف ظلالها ، لكن الشيخ عبد الحليم ، جدك ، كان حكيما ، حصيف الرأى . نافذ البصيرة . لما رأى أن جميع العروش قد تحالفت علينا وأن الامر سيؤدى بنا الى الفناء ، أمر بايقاف القتال وبالهجرة الى تونس لرفع شكوى الى الباى . فترك الهوادف ديارهم ومتاعهم وخرجوا رجالا ونساء ، أطفالا وعجائز متجهين الى تونس العاصمة مشيا على الاقدام او ركوبا على ظهور الحمر والبغال . ودامت الرحلة شهورا هلك أثناءها العجائز والشيوخ وخلق كثير . ومات الشيخ عبد الحليم رحمه الله . الا انهم استطاعوا أن يبلغوا الباى شكواهم . فأرسل معهم نائبا عنه الى درجين فحسم النزاع ورفع السد وأعاد بناء الجسر الذى هدم أثناء الفتنة . وعم درجين السلام . لكن بنى يحى أبوا الا أن يفرضوا علينا حكم المنتصر ، فاتفقوا مع رسول الباى على أن نحرم من الماء ثلاثة أيام من كل أسبوع فى فصل الصيف . فكان لهم ذلك . وما زال هذا النظام جاريا الى الآن ويسمى كل يوم من تلك الايام الثلاثة يوم "نوبة " .

بهذه اللفظة كانت جدتى تنهى قصتها ، فتبقى عالقة بذهنى وتثير فى نفسي ذكرى عشيات الصيف حيث أقصد الواد مع أقرانى لنستقبل الماء . فإذا رأيناه أخذنا فى التصفيق والصياح : " قد أتى سيدى الماء ، قد أتى سيدى الماء" .

وسألت جدتي مرة لماذا كان رسول الباى جائرا ففرض علينا " النوبة " فقالت لان أحد رجال الهوادف لم يعجبه الحل الذى أتى به فى أول الامر فعمد الى ذيل فرسه فقطعه بخنجر فغضب الرسول وفر والدم سائل من ذيل الفرس وهو يقول : " الماء لبنى يحيى ! الماء لبنى يحيى ! " .

كان الحمار يسير بهما حثيثا فى ثنايا الغاب الضيقة الملتوية ولم يكن يسمع سوى نقرات حوافره الموزونة وصوت سليمان يدوى قصة العطش متسرعا مضطربا كلما رواها اشتد به الحماس وتاقت نفسه الى الاخذ بالثأر فيتقطب جبينه وتتشنج أعصابه وتصير الكلمات تزدحم على لسانه والاحداث تغلي في رأسه وتتنافس على الخروج كأنها تريد أن تلتحق بالحاضر .

قال حمودة : ما كنت أعلم يا أبى أن عمر نخلتى طويل الى هذا الحد وأنها شهدت مثل هذه القصة . الآن عرفت كيف يجب أن أقدرها حق قدرها واعتز بها مثلما اعتززت بها أنت وجدى وجد جدى .

- نعم يجب أن تعتنى بها بعد موتى وتحفظها كما تحفظ اكرمك الله سواد عينيك .

- عندما أذكر يا بني تلك البنية التى ماتت مسمومة ... انها كانت جميلة ولا شك ... لماذا يحمل الموت البنيات الجميلات ؟

- الموت يحمل كل شىء يا حمودة ، هذا الحمار الذى يحملنا الآن سوف يصبح يوما عظاما نخرة وجيفة نتنة ...

وهذه الاشجار التى تراها انما حلت مكان اشجار أخرى زالت من قبلها . الموت يحمل كل شىء حتى الجماد ولا يبقى إلا الحكايات .

- كان على أطفال عرشنا أن يدافعوا عنها لو كنت فى ذلك العهد لقاتلت ودافعت ، هل تعلم اسم طفل من اطفالنا قاتل بنى يحيى ومات فى ميدان القتال ؟

لقد مات أطفال كثيرون منهم من غرق فى الواد ومنهم من هلك عطشا او جوعا او اعياء أثناء الهجرة . لكن التاريخ لا يحفظ ذكر الاطفال ...

- نعم نموت نحن مثل الضحايا لتطول أعماركم أنتم وتستقيم لكم الحياة .

- لكنه يحفظ ذكر الرجال وقد حفظ ذكر الشيخ عبد الحليم وحفظ ذكري جد جدك حمودة الذي سميتك باسمه . كن مثله . إنه هو الذي القي القبض على ذلك الرجل الذى أراد قطع عراجين نخلتك ، هو الذى قتله ومثل به ، جدك هو الذي رفع رأس الهوادف .

- جدى حموده رفع رأس الهوادف ... - وإن دمه ليجرى الآن اكرمك الله فى عروقك . - لكننى لست أدرى لماذا هجم بنو يحيى على غابتنا نحن بالذات . - لانها تقع على الحد الفاصل بين غابات الهوادف وغابات بني يحيى ، فبدأوا بها وانتهوا عندها .

- إذن اولئك الذين نجدهم قرب غابتنا كل يوم خميس من بنى يحيى ؟ - نعم من بني يحيى يا حمودة ، إنهم جيراننا لا يفصلنا عنهم غير تلك الساقية الصغيرة التى تعرفها .

ولما بلغ بهما الحمار الغابة اتجها نحو المكان الذي تعود الخماس أن ينتظرهما فيه .

- صباح الخير بابا سليمان - صباح الخير يا علي ، ما هى أخبار الغابة ؟

- على خير حال ، بابا سليمان ، ارفع رأسك وانظر العراجين مثقلة توشك أن تتكسر . إن هذه الغلة تذكرنى بغلة عام ... عام ... مضى عليها زمن طويل ، لقد عم الخير كل الناس فى ذلك العام .

- إيه يا علي ، فى ذلك العام تراكم على المال حتى صرت لا أدرى ماذا أصنع به ، أكلت كل شىء واشتريت كل شىء ثم بقيت لي فى آخر الامر ورقة أكرمك الله ذات خمسة آلاف ، مكثت عندى شهورا عديدة ولم أجد ما اشترى بها إذ كل شىء موجود فى المنزل القمح واللحم القديد . وحتى الزيت فضقت بها ذرعا واوشك الخريف الموالي ان يأتى ففكرت كثيرا ثم فتلتها حتى صارت كالقصبة وحشوتها تبغا واشعلتها سيجارة وخرجت أجول بها فى الشوارع والناس أكرمك الله يزدحمون حولي وأنا أمشى وأدخن ويداي وراء ظهرى مثل الامير ...

- وأنا يا بابا سليمان فى تلك السنة ذهبت الى صفاقس على القطار وحلقت رأسي هناك ثم عدت على القطار . صفاقس جميلة يا بابا سليمان فيها مساكن عالية أطول من النخل وأضواء من كل الالوان تشتعل وتنطفىء وانا أنظر اليها وسيارات من كل الاشكال تجرى مثل البرق وأنا انظر اليها وفيها ...

- وفيها السمك ، يقال ان السمك يوجد بصفاقس سوف نذهب معا ونأكل منه ما لم يأكله حي على وجه الارض .

- إذن اتفقنا سوف نذهب معا فى الخريف القادم ، لكن بعد أكل السمك لا بد أن تنتظرني في دكان الحلاق وسترى ان الحلاقين فى صفاقس ليسوا كالحلاقين في درجين ، سوف ترانى جالسا على ذلك الكرسى الوثير وأنا أنظر الى وجهي في المرآة والحلاق يفتل شاربى وأنت تنظر إلي وسوف تقول والله ان عليا لم يأت إلى صفاقس عبثا . ثم بعد ذلك نعود الى درجين على القطار .

ثم حان وقت الماء فالتفت سليمان فلم يجد حمودة : "لابد أنه ذهب الى نخلته ، فقد حدثته عنها كثيرا . هل أتى أولئك الكلاب ؟

- وهل تظنهم يتخلفون يوما ؟ ألا تسمع ضجيجهم وأصوات مناجلهم ومساحيهم . إنهم أتوا كبارا وصغارا كعادتهم .

أخذ الخماس مسحاته وقصد الاثنان الى الساقية فوجدا الجيران مشتغلين بسقي غابتهم هذا يرفع الماء هنا او يفتح له الطريق وهذا يعالج جنبات السواقى وآخر ظل واقفا يرقب عمل الاخرين مشيرا ومنبها وأقام احدهم قرب الساقية التى تفصل غابتهم عن غابة سليمان يحرسها وعصاه فى يده منتظرا من علي أن يبرر رفع الماء عليهم قبل نهاية الثلاثين دقيقة التى تعود الى غابتهم.

لكن هذه الحصة ما زال يقوم من أجلها أخذ ورد بينهم وبين سليمان منذ سنوات . كان نصيبهم في الاصل عشرين دقيقة فقط لكنهم اشتروا العشر دقائق الباقية من صاحب غابة مجاورة لهم قبل أن يموت ولا يريد سليمان أن يعترف لهم بها :

- منذ أن خلق النخل في درجين يعلم الناس جميعا أن لكم من الماء عشرين دقيقة ، وهل هذا الذى اشتريتموها منه مجنون الى هذا الحد ؟

لا يعترف لهم بها وان كان يعلم أن الماء فى درجين يباع دقائق وساعات ويورث مثلما تباع وتورث جميع الارزاق . وكثيرا ما حاول الناس إفهامه أن هذه الحصة لا تأخذ من مائه هو بل من ماء بائعها وان كل ما فى الامر هو أن يؤخر عنه الماء عشر دقائق فكان يجيب : " أنا أعلم ذلك ، أنا أعلم أكرمك

الله كل شىء ، لكن غابتى تعودت أن تسقي عند الخامسة والنصف من صباح كل خميس ولا استطيع أن أؤخر عنها ماءها لحظة واحدة . الزندقة ليست بالماء !"

بينما كان الجيران الى عملهم كان سليمان جالسا القرفصاء يرقب سير عقرب ساعته التى وضعها فى كفه وكان ينظر من حين لاخر الى ابنه حموده يغترف الماء من الساقية في قعر قلة مكسرة يحملها فيصبها تحت جذع نخلته فلما حانت الدقيقة الثلاثون بعد الخامسة استوى سليمان واقفا وصاح : الله هوه ! الله هوه ! فتناول على مسحاته وأخذ يسد المشرب على غابة الجيران . وما كان بنو يحيى ينتظرون اكثر من هذا . فما أسرع ما رفع أحدهم عصاه الى السماء وأهوى بها على ظهر الخماس بكل ما أوتى من قوة وبكل ما في قلبه من حقد دفين فسقط وسط الساقية فامتلا فمه وعيناه رملا إلا أن الصفعة لم تكن قاضية فقام وانقض على مقاتله وأدار ذراعه حول عنقه وضغط بذراعه ذلك الاخشب الخشن الذى تجمعت فيه كل قواه إلى أن صاح الآخر صيحة كم حاول كتمها وسقط على الارض وسقط على فوقه يكيل له اللكمات بلا حساب و مقاتله من تحته يطلب النجدة : " يا إبراهيم هات المنجل ، هات المنجل ! "

فأتى الى نجدته اثنان من أهله وانهالوا عليه بدورهم ضربا إلا أنه تخلص منهم وفر وسط الغاب جريا . فاتجهت الجماعة نحو سليمان الذى ملا فضاء الغاب بسبابه ولعناته وإيمانه فأهووا عليه بالعصى والارجل والسواعد وكانت الضربات سريعة ومؤلمة فلم يحاول الشيخ المقاومة بل غطى رأسه بطرف ثيابه وخر تحت جذع نخلة مستسلما ، وصاح : "حمودة ، حمودة ادركنى لقد مت" .

وكان حمودة في ذلك الحين يرفعه الى الفضاء ساعدان مفتولان اشهبان كأنهما قدا من خشب النخل ثم يهويان به وسط الساقية فيتطاير الماء من هنا وهناك ويعيد الساعدان الرفع والاهواء مرارا والماء يتطاير والطفل يصيح حتى اذا خارت منه القوى واصبحت الصيحات لا تتجاوز حلقه وكل الساعدان من عملية الرفع والاهواء المتكررة سكن الطفل وسط الساقية محنى الظهر حتى أصبح رأسه ملتصقا بأسفل بطنه بينما وضعت على رقبته رجل مشوهة الشكل هائلة الاصابع متشققة القدم تضغط عليها ضغطا وتحبس فيها النفس حبسا

ثم ترتفع الرجل ويسمع سليمان صوت أقدام كثيرة مسرعة فى ثنايا الغاب وينظر فلا يرى الا أشباح جيرانه فارة ثم لا تلبث أن تغيب .

قام سليمان من مكانه ببطء وجهد كبيرين معتمدا الى جذع النخلة التى كان قد سقط تحتها مرتعد الفرائص من الخوف والالم والبرد والماء الذى بلل ثيابة مقوس الظهر كأنه شجرة عجوز وانتهت به قدماه الى حيث سمع صوت نفس ينبعث من الساقية فيحدث غرغرة ضعيفة موزونة النغمات ويصور على صفحة الماء حلقات صغيرة تأخذ من الاتساع ، حاول سليمان مرارا ان يجذب الطفل من يديه ويخرجه من الساقية فلم يفلح بل كلما ارتفع به قليلا وظن أنه قريب من النهاية غلب عليه ثقل الجسم فسقط على الضفة وعاد الطفل الى الماء . ثم أخذت الغرغرة تفتر ونغماتها تتباعد والحلقات تقل شيئا فشيئا حتى لم تبق منها غير حلقة واحدة أخذت بدورها تتضاءل وتتضاءل ثم لم تعد شيئا وكانت الريح قد علا صخبها فهاج الغاب وماج فى نوبة من الضجيج الموحش والصفير الحاد كأنها باخرة هائلة فى خضم بلا حدود تتقاذفها الامواج وتتكسر على جنباتها مثل الصواعق . وكانت أشجار النخل تميل وتتلوى مثل الافاعى تطلب البراز قائمة على أذنابها ، تهم بالسقوط ولا تسقط ويسمع لها صوت كأنها ستتكسر لكنها لا تتكسر ، وتتصل أغصان بعضها ببعض فتحتك وتحتك فتشتعل نيران وتتمزق أكفان .

- حمودة ، حمودة .. لكن النداء لا يجد جوابا فيتبدد فى الفضاء اشلاء تمضى بها الرياح ثم تسقط فى أرجاء الغاب ذليلة كأنها طيور جريحة .

- حمودة ، حمودة ..

وسقط سليمان ملقيا على ظهره غائر العينين وأخذت الارض تدور به وتدور وتسرع والنخل يتلوى ويرتفع فى الفضاء متطاولا متمططا حتى تبلغ رؤوسه أبعادا غير متناهية فتغيب . وصار الشيخ يرى حمودة صاعدا فى الفضاء يلاحق رؤوس النخل ويدور هو أيضا حول نفسه دوران الخذروف وتنتفخ جبته الزرقاء الباهتة هواء فتحمله الريح ويختفى عن ناظرى .

لما صحا سليمان من غشيته كانت الريح قد سكنت ورقصت النخل

قد انتهت وكان الفجر قد أخذ يلون السماء بأنواره الخافتة . فأسرع يبحث عن حمودة إلا أنه وجد الماء قد اجتاح الغاب فدك سدوده وهدم سواقيه وسرى دون أن يرتبط بساقية ولاحوض جارفا كل ما اعترضه فى طريقه كالطوفان . فلم يجد حموده في المكان الذي تركه فيه . وأجال النظر في أرجاء الغاب وكأنه قاس جسم الطفل الصغير برحاب الغاب المترامية فجلس الى جذع نخلة يائسا

لقد مت يا حمودة ، نعم مت وما كنت تستحق ذلك . جمع أطفال الزقاق ما زالوا نائمين يحلمون فينعمون بأحلامهم ، أما أنت يا حمودة فقد نمت نومة لا حلم فيها ، إنهم سيستيقظون . بعد ساعة وسوف ينتظرونك امام المنزل كعادتهم كل يوم خميس ، سوف ينتظرونك فإذا طال عليهم الانتظار فسوف يهرعون الى العابهم بدونك . وسيلعبون دائما بدونك وسأعود أنا الى المنزل وأخبر أمك بالخبر . آه أمك ... أمك ...لقد خرجت الروح يا حمودة وتقطع الخيط ، ولن تعود هذه المرة لا . الروح تمضى ولا تعود . ثم صمت قليلا وقام فرفع رأسه الى السماء وقال كأنه يخاطب الكون كله : " مسكينة أنت أيتها الروح ، لقد كنت أنت الضحية فى عالم الفساد والرماد ! "

ثم حانت منه التفاتة فرأى النخلة تلك النخلة قائمة أمامه : - هذه النخلة يا حمودة ، لم يبقى لى من الولد من يستحقها بعدك . ساقطعها لتصحبك في موتك كما اقترنت بك فى حياتك .

نعم لاحملن الفؤوس غدا والحبال ولاقطعنها من جذورها وهى عجوز يبس عودها واشتدت صلابة ولا أرى غيرها من النخل صالحا ليكون بابا للسطح . لانك تعلم يا حمودة ان هذا السطح لا بد له من باب .

سوف أصنع له منها بابا ، ولن تسخر منى أمك هذه المرة ولن تسطو علينا القطط والكلاب فنأكل فراخ دجاجنا وحمائمنا

وانتهى سليمان من كلامه وحان وقت العودة الا انه هاله أن يرجع بدون حمودة وأن يدخل المنزل راكبا على الحمار وحده فعاود البحث عنه وجاب غابته طولا وعرضا وفتش فى غابات الجيران . لكن الغاب رحيب واسع ومغاوره كثيرة مجهولة وخنادقه دامسه سحيقة فلم يعثر عليه ولم يعثر عليه بعد ذلك أحد أبدا .

فيفرى - مارس - 1962 -

اشترك في نشرتنا البريدية