الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

ألزمه " الواقعية " فى واقع الأدب العربى

Share

يقول أندريه مالرو فى بعض حديثه الى مجلة: " يبدأ الاديب بمحاكاة الادب ثم ينتهى الى محاكاة الحياة ". ويرمى الاديب الفرنسى من ذلك الى التأكيد على أن الكاتب الناشئ يعكس فى أدبه ما تردد من حوله وفى نفسه من مفهومات تصورية عن الادب في مضمونه وشكله، كما يقرر أن رؤية الحياة الواقعية واستخلاص صورة أدبية عنها يحتاجان الى نضج وتعمق يقتضيهما حسن المميز بين الواقع الموضوعي والتصور الادبى السائد والخيال الذاتى الذى يؤلف عبقرية الفنان.

فى البدء كان الخطأ. فقد ولدت الواقعية الادبية فى سوريا ولادة شاذة منذ اوائل الخمسينات على أيدى شبان موهوبين من اعضاء رابطة الكتاب السوريين، وكان قد سبقهم الى ذلك بعض اللبنانيين من أمثال رنيف خورى، ثم تلاهم المصريون فعم السيل وطفح الكيل. لم يطرح مفهوم الواقعية الادبية منذ البداية على أنه تصور الكاتب عن علاقة الفرد بشريحة من المجتمع هي طبقته التى تحد حياته وتصرفاته وتطلعاته وعواطفه، ومفهومه عن الصراع بين طبقات المجتمع المختلفة ذات المصالح المتباينة. على أن مفهوم الكاتب عن مكونات فكرية تشكل فى تلاحمها شخصية أمة ينتمي اليها الكاتب، وهي شخصية تتجاوز ما يراه الكاتب من اشتباكات محلية فى قريته او مدينته او حيه او حتى فى قطره لتجد مثيلاتها فى قرى ومدن أخرى من الوطن العربي وطرح مفهوم الواقعية منذ البداية ومن خلال الممارسة الادبية، على انه صراع مشخص بين فرد مسحوق مضطهد وفرد متسلط مستغل: بين أجير ورب عمله، بين ماسح أحذية وصاحب صندوق البويا، بين عاهرة وامرأة تشغلها بين فلاح واقطاعى، بين طالب فقير ووالد فتاة جميلة غنية الخ .. وأريد

منذ البداية لاشخاص هذا الصراع ان يكونوا " نماذج " عن الطبقات التى يمثلونها، أو يفترض انهم يمثلونها، فمنذ البدء ولدت الواقعية ولادة افتراضية وتصورا ذهنيا لا وجود له الا فى رؤوس كتابها. انها واقعية مقطوعة الصلة بالواقع، تغذت بعاملين: الدمغة " السياسية " و " التظاهرات " القلمية التى تقوم بها مجموعة متضامنة ممن يريدون ان يصبحوا كتابا، فيهللون لكل انتاج يصدر عن اعضاء مجموعتهم ويرذلون كل انتاج او نقد يأتي من خارج اشخاصهم - هكذا بلا تمييز فالمهم تكاثر الاقلام التى تكتسح وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة، بانتاج يتمحور على مضمون واحد أو موحد، وبذلك سقط النقد وانتهى عهد القيم الادبية ليبدأ فى تاريخ الادب العربي منذ الخمسينات عهد التنظير والمنظرين، وهؤلاء طبقة علاقتها بالادب سطحية عابرة ولا تعبأ بأى مقياس من مقاييس النقد الادبي، وسيلتها الوحيدة للحكم على الاثر الادبى محاكمة مضمونة محاكمة سياسية ظاهرية لاعطاء الدمغة السياسية الرسمية التى تكون معدة سلفا، لانها، فى الواقع، حكم على الكاتب والبطل القصصى من قبل ان يولدا - فالكاتب يحاكم بحسب منشئة الطبقى، أى قبل ان يولد، ثم ينسحب الحكم بالتبعية على مخلوقاته القصصية دون أن يحاول أحد من السادة المنظرين امعان النظر فى فحوى القصة او مواقف الابطال من الحياة، بصرف النظر عن المواقف الشخصية لصانع اولئك الابطال لا احد يعترف بأن الادب ينفصل عن صاحبه، وأن بلزاك مثلا كان تقدميا في تخييله على الرغم من رجعيته فى مواقفه السياسية، فلقد صور بلزاك بنجاح صعود الطبقة البرجوازية وشجب فى وقت مبكر انتهازيتها السياسية ومواقفها الاستغلالية لكنه كان من المعجبين بنابوليون الثالث وأتباعه من بقايا النبلاء الاقطاعيين والضباط التوسعيين.

يقابل بلزاك فى المفارقه بين الموقف السياسى والانتاج الادبي على الصعيد العربى فى اطار الادب السورى، الدكتور عبد السلام العجيلى الشاعر. والقصصى والروائى. فهو سليل عشيرة بدوية تقيم فى شمالى سوريا وقد مارس السياسية حين بلغ الثلاثين من عمره نائبا عن عشيرته فى مجلس النواب السورى عام 1947، وانهى حياته السياسية وزير اللاعلام عام .1962 وتتميز ممارساته السياسية بأنها ليبرالية على وجه العموم، فقد بدأها ابان ازمة الحكم الوطني بعيد الاستقلال، وتخبط البلاد اثر أول نكبة عربية فى مجابهة الغزو الصهيونى عام 1948، وقد اشترك متطوعا في حملة جيش الانقاذ، مما أتاح له خبرة عملية فى أمور النكبة. تدور قصصه حول ثلاثة محاور: قصص فلسطينية تؤرخ للنكبة والمقاومة ورؤية الفرد العادي للفداء

قبل ان يتشكل العمل الفدائى بما يقرب من خمسة عشر عاما. وقصص محلية تعالج علاقات الفرد بالطبيعة وبالجنس الآخر. وقصص قومية - أروبية تصور الوجدان في صلته المفاجئة بالحضارة الاوربية الغازية والفرد الاروبى غير الغازى. وهذه الناحية الاخيرة يتفرد بها العجيلي فى الانتاج الادبى السورى ان " سالى " و " قناديل اشبيلية " تصوران عربيا شديد التماسك فى وقفته امام حضارة الغرب الآلية. وأما قصصه الفلسطينية عن النكبة والفداء فتسبق بالزمان - على الاقل كل ما كتبه فى هذا الموضوع عرب غير فلسطينيين، كما انها تصدر عن تجربة مباشرة فى ساحات القتال وفى المدن الاسيرة وفي المخيمات التى اقيمت على عجل - انتظارا لعودة قريبة. وهى مشاهدات وتجارب ومعاينات لم تتوفر للكثيرين من حملة الرؤى الذين يشهرون اقلامها لتحرير فلسطين.

وأما قصصه المحلية فانها تصور صراع الانسان مع الطبيعة وقدرته على تحويل الطبيعة من " قدر " لا يرد الى قوة تذعن صاغرة لارادة الانسان وخيره ( وهذه الفكرة جوهر الفكر التقدمي الانسانى منذ عصر النهضة الاوربى فى القرن السادس عشر ). وقصته " النهر سلطان " شاهد لا يدحض: بدوى جرف فيضان النهر بيتة وحمل ابنه الصغير فى تدفقه، هذا البدوى يشمت بالنهر حين يسمع كيف ستقيم الحكومة على الفرات العظيم سدا يكبح جماحه ويمنعه من الاضرار بالبشر، وقد كتبت هذه القصة قبل ان يقوم السد. ومع أن الكثيرين من " التقدميين " استلهموها وقلدوها فى حماستهم لاقامة السد فان القصة وصاحبها تشتمان وتنعتان بالرجعية والغيبية والتخاذل.

هذا من حيث المضمون، وأما من حيث الشكل فان العجيلي رائد عظيم من رواد الشكل الروائى العربى، لقد رجع الى القصص الشعبية واقتبس منها شكل " الحكاية "، وتعمق فى " الف ليلة وليلة " واستمد منها طريقة توليد قصة من قصة، وهي طريقة تماثل النمط العربي في البناء حيث تفضى قاعة الى قاعة ومزج كل ذلك مزجا كيمياويا عجيبا بتقنيات تشيكوف وموباسان. هذا العمل الطليعى وحده يبوئ العجيلي مكانة سامية فى تاريخ التخييل العربى فهو يفوق ما قدمه تيمور ونجيب محفوظ معا على هذا الصعيد الفريد والصعب وكان من واجب الادباء الشبان أن يفيدوا من محاولته ويقلدوها ان لم يستطيعوا ان يطوروها، كما كان من واجب النقاد الشبان أن يدرسوا هذه المحاولة ويزكوها لكى يعملوا على نشرها بين أصحاب صنعة التخييل فى سبيل استنباط شكل عربي للقصة والرواية - لكن هؤلاء وأولئك لم يجدوا فى جعبتهم غير

صيحات الاعجاب بالشكل وصرخات الاستنكار للمضمون. كل ذلك لان المحاكمات السياسيه الديماغوجية مقرونة بالغاء العقل والالتفات عن التأمل وصرف النظر عن التفكير النقدى الجاد.

ان من واجب أية مدرسة نقدية أن تحاكم النتاج الادبى القريب والبعيد من خلال منظوراتها الايديولوجية للشكل والمضمون، فتغربله وتستبقى منه ما تراه صالحا يستحق البقاء والافادة منه، أما الغاء نتاج اديب بأكمله دون تمحيص ولا تدقيق فليس ذلك موقفا نقديا ولا فكريا - انه الغاء للاديب نفسه تصفية من نوع ما، وكل ذلك لا يدل على تبصر بل يدل على الجهل والجهالة والجاهل وحده يلغي معاصريه ويلغي التراث ويعتبر نفسه بداية، أما الثورى فهو عالم بكل ما للعلم من معنى المحافظة على حركة الفكر: كل حركة ثورية حركة علمية تسعى الى فرز العناصر التى تجدها فى التراث ملائمة لتقدم الادب وتقدم المجتمع، وتعتبر هذه العناصر ذخيرتها الحية لكي لا تزعم أنها تبدأ من نقطة الصفر، ففي كل تراث نوع من المعاصرة تكشف عنه الحركة الفكرية المجددة وتزعم أنها ستأخذه وتطوره. لكن هذه الطبقة الجديدة من الادباء والنقاد حين تعزل نفسها عن هذا النشاط الفكرى الخلاق لا تقضى فقط على حركة الفكر لتقف فى فراغ، وانما تسعى بكل الوسائل الى ان تفقد ثقة القارىء بها هذا القارىء الذى ما يزال ينشد فى الاثر الادبى المتعة الجمالية إلى جانب الفائدة الاجتماعية، ولم اجد ناقدا مهما كان متحاملا قد جرؤ على الزعم بأن آثار العجيلي قد فقدت متعتها وأن قراءه قد انصرفوا عنه.

اعتقد اننا الآن بلغنا نقطة يحسن بنا أن نراجع عندها ونلخص الافتراضات التى رأينا أن الواقعية السورية خاصة ( والعربية عموما ) تقوم عليها وتعمل بموجبها على صعيدى الادب والنقد.

واقعيتنا على صعيد الادب هى: 1 - واقعية تجزيئية مستغرقة فى البيئة المحلية الضيقة، وليس لها رؤيا عربية حضاريا.

2 - واقعية أفراد وأحداث مقتطعين من الواقع الضيق وليست واقعية علاقات يطل بها القارئ من خلال الفرد والحادث على أفق العلاقة بين الفرد وطبقته أو بين الطبقة وبقية طبقات المجتمع أو بين المجتمع والقيم التى تحكمه سواء أكانت قيما موروثة او مفروضة حديثا.

3 - واقعية انماط عزلت عن حركة الواقع وافترض أنها تمثله. فهى بالتالى واقعية تصورية.

وواقعيتنا على صعيد النقد الادبى هى: 1 - الغاء دور النقد الادبي بما هو بحث فى صحة البنية الشكليه للعمل الفني وعلاقتها مضمونه فكل مناقشة فى الشكل او الاسلوب ترقصص وتدان بأنها رجعية.

- واقعية نظرية غير أدبية، يفرضها منظرين يقتصرون على محاكمة مضمون الاثر الادبي بحسب المضمون القائم فى اذهانهم محاكمة سياسية - دون ان يدققوا في ناحيتين: الاولى قدرة الكاتب على تحويل لقطته الحياتية الى ادب لان الادب غير الحياة.

والثانية قدرة الاثر الادبي على كشف الواقع كشفا احتجاجيا يبشر بواقع جديد، أى فضح الواقع وتثويره.

3 - واقعية سلفية بمعنيين: محاكمة الكاتب بحسب منشئه دون النظر فى انتاجه - وحتى عندما ينظر المنظر فى الاثر الادبى فانه يتمحل الاعذار ليضع النص على سرير بروكوست لكي يوافق منطلقاته، وواقعية سلفية بمعنى انها تقتصر على تصوير الواقع الحالى والواقع الماضي وليس غريبا مثلا: ان نجد ان معظم الروايات التى تشجب الاقطاع والنقد الذى يروج لها قد صدر بعد تطبيق قوانين الاصلاح الزراعي في مصر او سورية. مما يدل على قصور الفكر عند النقاد وقصور الرؤية عند الادباء كما يدل ايضا ان دفع المنظر للشعار من عالم السياسة إلى عالم الادب ليس كافيا لفبركة الانتاج المطلوب، مهما كانت نوعيته بل لابد من مضى وقت يتمثل خلالهما الاديب الحالة المعطاة. ومما يلفت النظر أن الادب للاقطاع قد تكاثر فى سورية خلال السبعينات، أى بعد اثنى عشر عاما من أول محاولة للاصلاح الزراعي حدثت فى دولة الوحدة بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر فى اواخر عام 1958. فماذا يعنى هذا؟ هل يعنى، كما يقولون، أن الاديب يلهث دائما خلف السياسي؟ أم يعنى ان مشاغل الاديب، في الواقع، لا تتطابق مع مشاغل السياسي ففي الفترة المذكورة وما بعدها تكاثر انتاج الادب القومى متمثلا فى روايات مطاع صفدى وصدقى اسماعيل، أما تأخر ادب الاقطاع او محاربة الاقطاع وفضحه اكثر من عقد من الزمان فيعود الى الفترة التى اقتضاها اعداد ابناء الفلاحين

اعدادا ثقافيا يؤهلهم للتعبير عن انفسهم ومشكلات مجتمعهم وصراعاته. وهذا يفضى بنا الى المشكلة النقدية الثانية التى تدور حول قدرة الكاتب على تحويل المعاناة الحياتية الى ادب، لان الادب غير الحياة، وقدرة الاثر الادبى على كشف الواقع كشفا احتجاجيا يبشر بواقع جديد، أى فضح الواقع وتثويره. وهذه النقطة تحتاج الى ان نتلبث عندها مليا لانها تطل من بعيد على علاقة الكاتب بالسلطة. وهي علاقة ليست سارة ولا مرضية. بحكم الطبيعة التى جبل عليها الادب، والطبيعة التى جبلت عليها السلطة اداة قمع وتكريس للواقع وتثبيت لتطوره ضمن اطر مرسومة محددة سلفا أما الادب فاحتجاج على عالم وتبشير بعالم يعتبره الاديب عالما أفضل. والصدام يقع دائما بين الواقع والتطلع.

فقد غضب أحد المسؤولين على اديب تعرض له مسرحية مطبوعة، فطلب نصها ليتقرى فيه ما يمكن تفسيره بأنه اساءة الى السلطة كي يستعديها. سألنى أحد المشفقين على الاديب:

هل تعتقد ان فى المسرحية ما يوجب وقف عرضها أجبت: ان كانت ادبا، فنعم.

ذلك أن كل الادب احتجاج. يستوى فيه الادب العاطفي الاسيان، أو الاجتماعى الغاضب، أو التاريخي الخيالى. لا فرق. فما دام يطلب من الاديب ان ينشئ عالما من خياله له مقومات تجعلنا نتقبله خلال قراءته على انه عالم ممكن، فان هذا العالم سوف يكون بالضرورة عالما مختلفا عن الواقع الذي يعيش فيه. لا يهم ان كان عالم الادب أفضل أو أسوأ من عالم الواقع المهم انه عالم، وانه يختلف عن عالمنا. وفى هذا المعنى يقول بومجارتن الفيلسوف الجمالى الادب عالم مغاير ".

يذكر عالم الناس المحبوسين الضائعين اليائسين، فيذكر على الفور: كافكا. يذكر عالم الناس المأزومين المتوترين الذين يرون الحياة على أنها ضحية بالذات فيذكر على الفور دستويفسكى. يذكر عالم الجنس والشهوات المحرمة والصراع اليائس ضد كل الاعراف فى سبيل نزوة، فيذكر على الفور نابوكوف او مورافيا. يذكر عالم الصراع فى سبيل تأكيد الذات ضد الطبيعة، والاستمتاع بصرف الجهد والمال من اجل ذلك التأكيد، فيذكر على الفور همنغواى وشتاينبك.

كل من هؤلاء الاعلام خلق عالمه على مثاله وصورته، كما يتخيل هو الناس كيف يجب ان يكونوا فانحب عالما له سمات عالمنا الواقعى. لكنه يختلف عنه فمن ينشد العدالة يخلق عالما اعدل من عالمنا الظالم الذى نعيش فيه، ومن يشجب الاضطهاد وسحق الانسان يصور عالما اكثر ظلما وتعسفا وظلاما من عالمنا - ان كان هذا ممكنا. ومن يبتغي خلع العذار احتاج الى رجال لا تردعهم الروادع؛ والى نساء لا ينطفئ لهن أوار وهما محط الشاهد. فلكى ينجح الاديب في اقامة عالمه يحتاج إلى أناس يمثلون ما يريد تمثيلا صادقا، فالمناضل في الرواية اكثر نضالا من أى بطل حقيقي، وكذلك البائس وكذلك المغامر ومن منا لا يذكر في " الف ليلة وليلة " شخصية العاشق الولهان الذي يذرف الدموع وينشد الاشعار وبهيم على وجهه فى البرارى والقفار؟ ربما يبتسم البعض الآن من هذه الصورة، ولكن حذار: فحين قرأناها لم نتلبث عندها برهة لمناقشتها بل مضينا مع البطل نفرح ونتألم ونضيع، بحسب ما تعرض له من صروف الدهر. وليست " الف ليلة " بدعا فى هذا فأبطال دوستويفسكى سريعو الانفعال كابطالها. وهاملت طالب الثأر من عمه بدم أبيه، من أكثر الناس ترددا في تاريخ الادب العالمى - فى حين أن سيف الدولة فى عالم اشعار المتنبى من أكثر الناس حزما وحسما وسرعة فى اتخاذ القرار: ولكن مهلا فالبطلان متشابهان: هاملت شكسبير يتردد طالما يبحث عن ذليل على أن عمه قتل أباه بايحاء من أمه. وسيف الدولة عند المتنبى مثال لاعمال الروية، وتقليب الافكار على وجوهها. والتدقيق في الامور وتمييز مشكلاتها. ذلك أن البطل فى عالم الادب نموذج لصنفه: ولكنه نموذج معرض دائما لاتهام القارئ. اذا لم يفلح الاديب في اقناع القارئ بأن البطل شخص من الواقع، انهار عالم الاديب باكمله، ولذلك يعرض شكسبير هاملت لمحنة التردد، لكى يقنعنا بان هذا الشخص واقعي فنصدق و نبرر له ما يأتى بعد ذلك من أعمال، كذلك يعرض المتنبى سيف الدولة لرؤية التأمل ليقنعنا بعد ذلك بصواب رأيه وشجاعة فتكه وحنكة تدبيره. فهو، وان كان يتحدث عن بشر فانه يجعله اكثر من البشر. وعليه أن يبرهن لنا عن ذلك.

واذن فعالم الادب يأخذ صفات الواقع أو سماته ويضع فيها نموذجا يتحرك فيخلق بردود فعل النموذج وما يترتب عليها من نتائج، عالما مغايرا لما نحن فيه مختلفا عما نمارسه. هذا الاختلاف بين العالمين، عالم الواقع وعالم الادب يفسح المجال لخلق الانطباع بالسخط على ما حولنا، بل على أنفسنا أيضا وبذلك يكون الادب تحريضا ويكون البطل قدوة. هذا أمر كامن فى طبيعة الادب، لا معدى له عنه ولا مفر. فما دام الاديب يبتكر عالما مخالفا لعالمنا، بأن يكبر

ناحية ويصغر اخرى، ويتشدد فى جانب ويترك جانبا سائبا عن عمد، فانه يعرض علينا عالما آخر: انه يبصرنا باحتمالات اخرى فى الحياة وبانماط اخرى للمجتمع. ولا يكتفى الاديب بذلك، بل يقدم لنا البطل الذي استطاع أن ينجز، الذى مات دون هدفه. البطل هو الآخر مخلوق مغاير: كل شئ فيه يشبهنا في كل شئ فينا ماخلا ناحية واحدة يشتط علينا - لكنها ناحية ناحية تمكنه من أن يتجاوب مع عالمه سلبا أو ايجابا بحيث لا تكون المحصلة صفرا. وبما ان معظمنا، بعد أن انهكه الصراع مع الواقع، يرى محصلة حياته صفرا، فان لبطل يفوقه ... ويعديه ويستعديه، يستعديه على الواقع المجسد فى أسرة ومجتمع ومؤسسات وقوانين تكبح الفرد وتعطل طاقاته او تعيقها. الادب يقدم لنا قدوات تحررت من الكوابح الداخلية وتغلبت او صارعت العوائق الخارجية، ويقدم الينا عالما يتغير تحت وطأة صراع البطل - القدوة ولما كانت الاحداث تتوالى مضغوطة فى الادب فان تواليها يزيد من تأثيرها: ما يحدث فى عشرات السنين يقدم فى مئات الصفحات ونلتهمه فى ساعات قلائل فيضاعف ذلك من عوامل تحريضنا. بهذا المعنى كل اديب متهم وكل نص ادبى وثيقة ادانة. وكل مسؤول يستطيع ان يتهم اى اديب، ولن يجانبه الصواب: فكلما كان الاديب اديبا حقا، جاء انتاجه اكثر تحريضا لان العالم الذي يقدمه أعمق خلافا وتغايرا مع عالمنا.

ولكى نلمس عمق المشكلة نعود القهقرى الفين وخمسمائة من الاعوام فنسمع ارسطو يقول ان الشعر يمثل الناس مما هم عليه أو كما هم عليه، ثم يستدرك جملته الاخيرة فيفسرها: كما هم عليه، أى كما يجب ان يكونوا. لان المثل النموذجى يجب ان يتجاوز الواقع. ولما كان افلاطون سياسيا اكثر من ارسطو. فانه اتخذ من تفسير ارسطو الصحيح لمهمة الشعر عذرا استند اليه ليطرد الشعراء من مدينته الفاضلة.

وقد سألت ذات يوم أحد السياسيين العرب، أداعبه: - هل تعتقد ان الادب " يشتغل " بالسياسة؟ فأجاب جادا: - أعتقد أن السياسة " تشتغل بالادب "

وتذكرت للتو حوار ارسطو وافلاطون: ارسطو يعتقد ان الادب يشتغل بالسياسة، وافلاطون يؤمن ان السياسة تشتغل بالادب. ولكن مالنا نبتعد

كثيرا، ولدينا تمثيلية من تأليف الكاتب المسرحي على عقله عرسان. وفيها نجد علاجا شافيا لمشكلة الاديب السلطة. عنوان المسرحية وموضوعها " رضى قيصر ". أديب مسرحي ينسى فنه ويلتمس مرضاة قيصر فلا يعود الفن فنا ولا السياسة سياسة. ذلك أن الادب عالم مغاير لعالم الواقع، كما اسلفنا. وكل اديب يريد أن يتزلف يسعى الى أن يطابق فنه مع الواقع كما يسعى الى ازالة الفجوة بين المثال والواقع، لكنه يسقط فى تلك الفجوة بالذات ينتج فنا سخيفا لا يليق بمقام قيصر، قال احدهم لمعاوية: " إذا أرضينا الله اغضبناكم وان ارضيناكم اغضبنا الله ". وهذا بالضبط حال الكاتب بلاوتوس فى مسرحية على عقله: اذا ارضى قيصرا اغضب الفن، واذا ارضى الفن اغضب قيصر. واخشى ما اخشى ان يكون على عقله قد ارضى الفن كل الارضاء، فالمسرحية بناء متماسك من احداث مسلسلة تنيرها بصيرة وضاءة مثقفة تعرف دورها فى المجتمع، بل اكثر من ذلك: تعرف ان " تضع الآخرين " عند حدهم ايضا. ولكن ما دامت السلطة طول الدهر هى السلطة فكيف استمر الادب فى الوجود؟ بالتأكيد أن ذلك لا يرجع الى شجاعة الادباء وصلابتهم وحدها. وانما يرجع ايضا إلى ضعفهم: فالاديب انسان أعزل كالطفل، ومع ذلك يجبه السلطة والمتسلطين بما لا تحب، ويسلم - يسلم ادبه على الاقل يسلم عالمه المقترح. العالم الافضل، والنموذج الامثل، والتحريض والتنبيه كل ذلك ينجو من البطش، لان الادب حين يحتج على عالم واحد ظالم. لكنه حين يقترح: يقترح آلافا من العوالم البهيجة والممكنة، فلا يكتفى بأن يفتح بصيرة الناس على احتمالات اجمل، وانما يعلمهم ان يتقبلوا مختلف الآراء، يعلمهم التسامح مع ما يكرهون حينا، والسكوت على ما يغضبهم حينا آخر، وهم فى الحالين اعجز من ان ينالوا اديبا حرا بسوء.

ومع ذلك فاذا كان الادب عالما مغايرا للعالم القائم فان لكل أديب: شاعرا او قصاصا او روائيا عالمه الذى يخترعه من أحلامه وثقافته وتطلعاته وتطلعات شعبه، ثم يؤديه أداء فرديا يختلف كل الاختلاف عن أداء أى اديب آخر. وعلم النقد الادبى مختص حصرا بالكشف عن هذه التفاوتات بين انتاج اديب وآخر، بل بين مرحلة وأخرى فى حياة الاديب وانتاجه، وتمييز خصائص كل مرحلة وربطها بخصائص المراحل السابقة عليها والتالية لها، ليصار الى تميز شخصية الاديب عن أقرانه فى المجتمع الواحد وفي المرحلة التاريخية الواحدة. يبدأ الناقد بالتعامل مع النص فيشرحه ويكثف مضمونه ثم يكشف بناءه ويتوغل فى الاسلوب ليتوصل الى عزل البنيات المكونة للبناء العام وتبيين ارتباطها بجزئيات المضمون.

هذه العملية الغيت تماما، الغاها ظهور المنظورين، وهؤلاء جماعة من عوام المثقفين قد يكونون مسلحين بنظرية سياسية او برؤية سياسية فى افضل الاحوال - لكنهم، وفى افضل الاحوال ايضا خالون من أية تجربة أدبية أو رؤيا ادبية او منهج نقدى، انهم لا يتعاملون مع النص في مزاياه ولا مع الكاتب فى قراءته، بل يسعون ما وسعهم الجهد الى التعامى عن المزايا الادبية لانهم يكتبون ممن نصوص لم يقرؤوها . كذلك فانهم يبذلون أقصى ما في طاقتهم لمحو شخصية الكاتب وابطال تفردها من خلال حاجتهم الى توحيد الادباء في مجموعات طبقية. وهكذا نرى كل منظر يقطع رؤوس مجموعة من الادباء لبحثنطر جثثهم فى سلة الاصول الطبقية بلا تمييز ...

اليكم مثالا على هذه المحاولات التعسفية:

وبعد طرح بعض الامثلة يستطرد الدارس قائلا

اذا سلمنا مع هؤلاء المؤلفين بأن ما يكتبونه ليس نقدا ولا يغني عن النقد الادبى فى شىء حق لنا أن نطرح على الاقل سؤالين: الاول، لماذا اذن يحاكم الاديب وانتاجه بحسب الاسس والمبادىء التى تطرحها هذه المؤلفات؟ وثانى السؤالين، إذا كان معظم ما ينشر في وسائل الاعلام من تقويم للمؤلفات الادبية يعتمد على هذا النهج لا يعد نقدا، فلماذا تدان كل محاولة في النقد الادبي الاصولى، أى كل محاولة تعتمد على فرز البيانات الاسلوبية وتبين طريقة المؤلف في تشكيل بناء متكامل منها؟ واذا كان وجود هذه التنظيرات مدبررا فى القائها بعض الضوء الاجتماعى على الحركات الادبية، فما مسوغ انتشار هذا النوع من الكتابة والترخيص له باعتباره بديلا عن النقد؟ المشكلة كل المشكلة هى فى ان هذا النوع من الكتابة يقتصر فى معالجة الاثر الادبي على مضمونه وربط هدا المضمون بالحركة الاجتماعية ربطا مباشرا، على أساس أن الادب " يعكس الواقع مثلما تعكس المرآة صورة الشئ " - ومن ضمن هذا الواقع يأتى سبيل الافكار والمعتقدات التى تتحكم فى الحياة وتوجهها لكن الصلة بين الادب والافكار متضاربة. وهؤلاء المنظرون يسيئون فهم الادب حين يعاملونه على انه شكل من الفلسفة، على انه " افكار " يلفها الشكل، فيحب اسقاط الشكل لاستخلاص الافكار الرئيسية من مضمون العمل الادبي و " ملاحقة الايديولوجيا التى يبثها الاديب، أو التى ينطلق منها فى بث ما لديه ".

ان ارجاع العمل الفني الى بيان مذهبى يسئ ابلغ الاساءة الى تفهم وحدة العمل: انه يفكك بنيته ويفرض عليه معيارا للقيمة غريبا عنه. صحيح ان تاريخ الادب يوازى ويعكس تاريخ الفكر، صحيح أيضا ان بالامكان معالجة الادب كوثيقة فى تاريخ الفلسفة والافكار، صحيح ثالثا ان الناس يتأثرون فى تبنيهم للافكار بقابليتهم للشعور بمختلف أنواع الاشجان السياسية والعاطفية والميتافيزيقية - كل هذا صحيح، غير ان المعايير التى تجعل قيمة الادب وقفا على الفلسفة التى ينتمى اليها انما تقوم على سوء فهم المفكرين للطريقة التى تدخل بها الافكار فعلا الى الادب، وعلى اختلاط وظيفتى الفلسفة والفن في نظرهم، فهناك مشكلات تعود الى تاريخ الادراك والوجدان اكثر مما تعود الى تاريخ الفكر. وغالبا ما يتداخل فى الاثر الادبى العنصر الايديولوجى بالعنصر الانفعالى وبالثقافات الوافدة والاعراف الادبية المرعية. وفى الواقع يجب الفصل بين الفكرة والتجربة والتعبير الادبى فالفكرة مدرك مجرد شامل والتجربة الفردية محدودة بالتاريخ والذات حتى عندما يعبر عنها اديب، وظيفة النقد ان يحول التجربة الحياتية التعبيرية الى تجربة أدبية بأن يصفها ويستخلص منها قواعدها وأساليبها.

هذا الشك في التكامل الوثيق بين الفلسفة والادب لا ينكر طبعا وجود صلات متعددة بل حتى انه يرجح توازيا معينا تقويه خلفية اجتماعية مشتركة فى زمن ما - على فرض تشابه الاصول الطبقية بين المفكرين والادباء في الفترة المعطاة. غير ان المسألة التى تهمنا هى مسألة كيفية دخول الافكار فى الادب أو ادخالها. ومن الواضح ان تلك المسألة تختلف تمام الاختلاف عن مسألة وجود افكار معينة فى عمل ادبى. فالمسألة الاولى نقدية المسألة الثانية ايديولوجية، لان الافكار تظل مجرد مادة خام، مجرد معلومات اذا لم تحدث المطابقة من الفكر والفن، فان حدثت المطابقة امست الصورة مفهوما والمفهوم صورة، أى أن الافكار المنشورة لا تصبح ادبا الا اذا تغلغلت تغلغلا عمليا فى نسيج الاثر الادبى فغدت " بنيات تكوينية " - وبالاختصار عندما تكف أن تكون أفكارا بالمعنى المألوف للمفهومات وتصبح رموزا أو حتى نوعا من الخرافة، لان الايديولوجيا الفائضة عن العمل الفنى تحبطه، ولان الايديولوجيا الفائضة عن النقد الادبي تربكه او تخرجه عن طبيعته، كما رأينا فلا يعود نقدا بل يغدو سرير بروكوست - على الرغم من صحه الفرضية القائلة بأن الطبقات الاجتماعية اما أن تخلعه او تتطلب نمطا معينا من الفن واشكال التعبير الادبي، كما ان القيم الاجتماعية التى تتغير مع كل ثورة اجتماعية تؤدي دائما الى تغير القيم الجمالية. غير أن هذا لا يسوغ الغاء النقد الادبي الذي

يعالج النصوص معالجه مباشرة وان اعترض مكابر بأن أحدا لم يدع الى الغاء النقد الادبى احلناه على واقع الحياة الادبية فى كل ما ينشر حيث يكتفى الكهول والشبان بتلخيص المضمون ومحاكمته بحسب معتقد المراجع. وقد الحقت هذه الطريقة بالادب ضررا فادحا سوف نبين بعض ملامحه فيما يلى، بعد ان استنفدنا معالجة اعراض النقد الواقعي التنظيرى وأمراضه.

وبعد ان يسعرض الكاتب ملامح هذا الضرر. يختم دراسته كما يلى:

ويطول الحديث جدا اذا اردنا ان نذكر الناقد ومريديه والادباء الخاضعين للواقعية اليومية خضوعا عمى - نذكرهم بان الادب لم يكن واقعيا ولا واقعا في يوم من الايام: التخييل تخييل والواقع واقع، يربط بينهما فهم الاديب العربى استورد الشكل الرمزى وجبن امام الارهاب " الواقعى " عن خلق رمز. واستورد الشكل الاسطورى واقعده مفهوم الواقعية اليومية عن ابتكار عالم اسطورى، واستورد الشكل السينمائى لكنه اخفق فى ايحاء ابطال يقومون بالادوار الواقعية: القطيعة ليست بين الاديب والواقع ولا بين الادب والواقع ولا بين الادب والواقع القطيعة قائمة فعلا بين الشكل والمضمون لان بدعة النقد الساند مكتفى بتلخيص مضمون الرواية لدمغها بخاتم التقدمية او الرجعية دون النظر الى اهليتها الادبية. ان المنظر يحس احساسا صحيحا بوجود خلل لكنه لا يسمح لعقله بحرية البحث عن الخلل، لان الافتراض المسبق دائما هو انه اذا احدث خلل فانما يكون فى المضمون. هذه المرة فتشوا ايها المنظرون - فى الخلل تجدوه فى انعدام الشكل او فى فى سوء استعماله او فى انعدام المبالاة به عند نقاد نافذى الكلمة من امثالكم، أو عند نقاد اقل بصرا واكثر ارهابا بين مريديكم وشيعتكم، امنحوا للخيال العربى حرية الانطلاق، اسمحوا له بأن يقوم بوظيفته فى الحياة الادبية، طالبوه بأن يغادر الواقع طلبا لمثل اعلى او عالم آخر فوق الواقع تجدوا ان السمو والحلم الكبير هما اللذان يخلقان ادب الواقع.

اشترك في نشرتنا البريدية