الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

ألفية ابن الجزار

Share

اسمحوا ( * ) لى بادىء ذى بدء أن أتقدم بالشكر الجزيل الى هذا الجمع الحافل الكريم الذى لبى الدعوة لحضور اعطاء اشارة الانطلاق لما سيقام ببلادنا خلال هذه السنة المدرسية والجامعية 1984/83 من احتفالات بمناسبة مرور ألف سنة على وفاة أبى جعفر أحمد بن ابراهيم المعروف بابن الجزار .

ولقد أحسنت اللجنة الثقافية القومية صنعا عندما فكرت في احياء هذه الذكرى وهى بذلك دلت على حيوية جديدة عرفتها اللجنة منذ سنة وبضع سنة عندما رجعت بدفع من وزارة الشؤون الثقافية الى الالتئام بأعضاء لامعين من الجامعة التونسية ومن الخلاقين والمبدعين فتمكن رئيس اللجنة الدكتور محمد الطالبى الى استنباط أحسن الطرق للعمل الثقافى الجاد تصورا وتخطيطا وكان لتضافر الجهود فى هذه الذكرى أثره الأكبر فيما نؤمله من اشعاع لها وما نتمناه من نجاح اذ وجدت اللجنة الثقافية القومية المعونة والسند من وزارة التعليم العالى ووزارة الصحة العمومية ووزارة التربية القومية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومديرها العام الصديق الاعز الدكتور محيى الدين صابر واتحاد الكتاب التونسيين وغيرها من الهيئات والافراد .

ان فى تفضلكم بحضور هذا الافتتاح لمساهمة جليلة منكم فى تكريم علم من اعلام بلادنا الافذاذ ساهم بدور مرموق فى بناء الحضارة الانسانية ، وايمانا منكم بمنزلة العلم والعلماء فى هذه الربوع منذ أقدم العصور الى اليوم .

وان كان ابن الجزار قد عرفته القيروان واظلته وهى آنذاك عاصمة افريقية فان اشعاعه بالحضور عرفته مدن اخرى مثل سوسة التى تحتضن اليوم كلية من أررقى كليات الطب فى بلادنا فارتأينا أن ننطلق من هذه الكلية فى احياء الذكرى كمؤسسة طيبة تشمل المؤسسات الاستشفائية للوسط وخاصة القيروان على أن نواصل الاحتفال بمدينة القيروان نفسها فى مناسبات متكررة .

وان ابن الحزار الذي نحتفل بذكرى ألفيته ابن هذه الارض العريقة فى الحضارة نشأة ومربى وتعلما ووفاة ، فقد ولد بالقيروان فى حدود سنة 28٥ ه / 898 م أى فى نهاية العهد الاغلبى ، وليس من الصدفة أن يصبح ابن الجزار علما من اعلام المعرفة فى عصره ، فلقد كانت القيروان منارة من أهم منارات الثقافة فى القرنين الثالث والرابع لا تقل قيمة عن أكبر العواصم الاسلامية المعاصرة ، ولم يتألق نجم القيروان فى ميدان الفقه واللغة والادب فحسب ، بل قد ازدهرت فيها العلوم الصحيحة ومن جملتها علوم الطب والصيدلة ، ان ابن الحزار عندما نشأ وجد مدرسة طبية قيروانية مزدهرة نذكر من اعلامها اسحاق بن عمران صاحب كتاب (( الماليخوليا )) فى الامراض العقلية ، واسحاق بن سليمان صاحب كتاب (( الاغذية )) وغيره من الرسائل فى الطب ، نشأ اذن ابن الحزار فى بيئة حضارية ملائمة فأخذ العلوم بها عن علماء اثروا بأقلامهم وأبحاثهم الحضارة العربية الاسلامية ، وتجاوزت شهرتهم حدود هذه الحضارة فاسهموا فى تشييد صرح المعرفة على مستوى عالمى , وكانت عائلة ابن الحزار عائلة طيبة ، فلقد كان أبوه كحالا مختصا فى أمراض العيون ، وكان عمه طبيبا من ألمع أطباء عصره ، فابن الجزار اذن وليد بيئته الحضارية ، وكان خير إفرازة لهذه البيئة ، اذ قد بلغت على يده المدرسة الطبية القيروانية ذروتها .

لقد عمر ابن الجزار ثمانين سنة ونيفا ، وتوفى فى حدود سنة 369 ه / 980 م ولنا في حياته هذه الطويلة مثل يقتدى فلقد كرس كامل حياته للتأليف ، والمعالجة والبحث عن أدوية جديدة ولم يقتصر على الطب والصيدلة بل كان ايضا حكيما وأدبيا ومؤرخا ، وكان خاصة مثال العالم العامل بعلمه ، متين الاتصال بالمجتمع ، وبالفقراء على الخصوص . فلم يقصر همه على الاثرياء فقط ، بل كانت له عناية خاصة بالفقراء ، ويمكن أن نعتبره - إذا ما نظرنا اليه من هذه الزاوية - رائدا من رواد الطب الاجتماعى فمن جملة مؤلفاته المعروفة ، وقد

بلغ عددها ثلاثة وأربعين كتابا ، كتاب (( طب الفقراء )) فهو العالم المفعم انسانية الذى أراد عن وعى وروية ، وضع الطب فى خدمة البؤساء والمحرومين معتبرا أن التضامن الاجتماعى ومكافحة البؤس والألم والأخذ بيد المستضعفين واجب على العالم قبل غيره من الناس لانه يعتبر ممن عمر قلبه الايمان أكثر من غيره . والايمان الصحيح هو مفتاح العلم والاخلاق والسمو .

ولهذا تجاوزت مؤلفاته الرقعة الاسلامية ، فترجمت الى اليونانية واللاطينية العبرية ، وساهمت بهذه الصورة فى انتشار المعرفة ، ومكافحة المرض وتوفير الصحة خارج حدود افريقية والعالم العربى الاسلامى ، وهكذا ساهمت بلادنا فى الحضارة الانسانية فى ميدان من أهم الميادين ، ونحن اليوم يحدونا الطموح فى أن نربط الماضى بالحاضر ، وليس بعزيز على علمائنا وأساتذة الطب فى بلادنا ، وعالمنا العربى الاسلامى بصفة أعم ، ان يستعيدوا المكانة التى كانت لنا فى ايام ابن الجزار ، وابن سينا ، وابن زهر واضرابهم من علماء حضارتنا الثرية بالعباقرة الذين خدموا الانسانية بادمغتهم واقلامهم , اننا عندما نحب ذكرى ألفية ابن الجزار ، لا نحييها حنينا للماضى فقط وتغنيا بمجد مضى وتولى ، وانما نريد ، بعزيمة ثابتة خالية من مركبات النقص والغرور ، ان نزرع فى قلوب شبابنا التوق الى اقتحام البحث فى كل الميادين مؤمنين بأن لهم عقولا تؤهلهم الى الخلق والاكتشاف والابداع ، ان القوة الحقيقية تكمن فى القدرة على اقتحام حصون المعرفة ولا يتأتى ذلك الا بالايمان الصادق والطموح الذكي والدأب الذى لا يني .

نعم لقد تبوأ ابن الجزار خلال القرن الرابع للهجرة ( العاشر م ) ، بما بذله من كد فى الدراسة والاستيعاب - وبعد ذلك من جهد فى البحث والتنقيب - المرتبة الاولى بين اعلام عصره ، وكان فى الضفة الغربية للعالم الاسلامى بمثابة الفارابى وابن سينا والبيرونى فى المشرق ، فقد درس مثلهم علم الاوائل من اغريق وفرس وهنود ، وهضم أقوالهم واستدرك عليها ما فاتهم وانتقدهم عند الحاجة علاوة على ما استنبطته قريحته ودلت عليه تجاربه وساقته اليه اختياراته وفطنته .

وفى الحقيقة ان من يستعرض ما وضعه ابن الجزار من مصنفات يتضح له ما كان لهذا النابغة من الثقافة الواسعة الافق ومن قوة العارضة ، حتى ان مصنفاته الطبية حازت من العناية فى القارة الاوربية ما جعلها تترجم كما

قدمنا - وبعضها ترجم وهو على قيد الحياة - الى سائر اللغات العلمية المنتشرة فى ذلك الوقت ، وتتخذ أصلا متينا للبحوث من لدن اطباء الافرنج فى القرون الوسطى .

فليس احتفالنا بألفية ابن الجزار رجوعا الى الوراء لا طائل من ورائه بل هو التزام للجمع بين ماض مجيد وحاضر متفتح بين المعاصرة ان شئتم ، والوفاء لذاتيتنا العربية الاسلامية . ولحق مشروع لكل جيل ان ينطلق من حضارة وطنه ، ومن تراث اجياله ومن ابداع علمائه ليساهم فى بناء صرح حضارة اليوم ، فيتأكد لمسيرتنا الثقافية امتدادها الزمانى اللامتناهى واصالتها العريقة فى الماضى الخالقة للمستقبل وتكون كالشجرة المباركة اصلها ثابت فى الارض وفرعها الى السماء .

ان الاحتفال بابن الجزار ليس غاية فى حد ذاته بقدر ما هو رمز لزكاء هذه التربة الطبية : لقد كان لنا فى الماضى سحنون فى الفقه ، وابن الجزار فى الطب ، وابن منظور فى اللغة ، وابن خلدون فى الاجتماع ، فليس بعزيز أن يكون لنا اليوم وغدا أمثالهم فهذه الارض المعطاء التى انجبت هؤلاء الافذاذ , ستنجب غيرهم لانها لم تصبح عقيما ولن تصبح بحول الله .

والأمر ، بيدنا اولا وآخرا فاذا كان رائدنا جدية البحث العلمى وعناؤه وسبيلنا ما تفرضه مناهج البحث من دقة وضبط وديدننا ازالة ما علق ببعض النفوس من رواسب عهود التخلف والانحطاط ، فلا بد اننا بالغون الغاية المرجوة . ألم تتحصل بلادنا ، منذ بضعة أشهر ، عن طريق ثلة من أطبائها الباحثين على جائزة عالمية تقدمت لنيلها عدة بلدان لها قدم راسخة فى الميدان الطبى ؟ ألم يؤكد المجاهد الاكبر فى عديد المناسبات أن قضيتنا وقضية كل الاخوة العرب هى قضية حضارية بالدرجة الاولى ؟ فلكى نكسب الرهان فى ميدان التسابق العلمي والتكنولوجى من الواجب أن نفرض أنفسنا فى عالم اليوم ، ونقف أمام التحديات التى تواجهنا من المناوئين والاعداء لا بالتحدى الرخيص والمواقف الهوجاء وانتفاخ الاوداج بالرغوة والزبد بل علينا ان نتمسك باسباب الرقي والتقدم وأن نأخذ بناصية العلوم ، كل العلوم والطب أحدها ولعله من اجلها واعظمها . ولكننا كذلك من واجبنا أن نسير على خطوات أفذاذنا القدامى مثل الجزار ونتسلح بالايمان والاخلاق ونجعل

التضامن والرأفة والاخوة نصب أعيننا لان العلم لا يزكو بالمال فقط وبالوسائل الضخمة بل بالعزيمة أيضا ونحن والحمد لله ، قد وجدنا فى تونس سواء فى القديم أو الحديث هذه النخبة التى تكرس جهودها للعلم والايمان وتتفانى فى سبيل المجتمع نبل أخلاق ، ورسوخ وطنية ، وسعة أفق .

ولم يأل رئيس الدولة جهدا لتحقيق هذا الهدف السامى النبيل ، فقد احدث جائزة بورقيبة للعلوم الطبية التى تحصل عليها الى حد الآن ما لا يقل عن ثلاثة عشرة طبيبا مختصا من اقطار مغربنا العربى وستبقى هذه الجائزة رمزا لما توليه الحكومة من عناية فى سبيل البحث العلمى عامة والميدان الطبى خاصة .

كان المشعل الحضارى بيدنا فتسلمه غيرنا ، فلا أقل من أن نستضئ اليوم بنوره لتتضح السبل امامنا فنواجه تحديات العصر بعيون باصرة وعزائم ثابتة وعقول فاحصة . وتلك هى بداية السير فى الدرب الطويل الموصل حتما الى ساحل النجاة ، بعزيمة العلماء المؤمنين الصادقين وبعون الله ذى الحكمة والجلال .

محمد مزالي

اشترك في نشرتنا البريدية