١ - المنصف الوهايبى
( المنصف الوهايبى : من الجيل الجديد فى تونس الذي استطاع أن يحرر نفسه من الاقليمية ليتفتح على الابداعات العربية القديمة والمعاصرة وأيضا على الابداعات العالمية التى تنتمى الى مختلف الحضارات منذ بداية التاريخ .
فى البداية وبالتحديد في اواخر الستينات ، كان المنصف الوهايبى شاعر الجامعة الغاضب . كان فتى ريفيا مليئا بالحب وبالثورة ، كان يحب رامبو وأبا نواس وأبا تمام والشعراء الصعاليك وتشى غيفارا وتروتسكى .
حين عرفته ، كان يرتدى البرنس المغربى ويملأ جيوبه بالدواوين والسجائر ويجلس فى كافتيريا الجامعة يقرأ الشعر ويتحدث عن ثورة الفيتنام والهنود الحمر وفقراء العالم . وفي أواسط السبعينات ، عين للتدريس فى مدينة القيروان ، وعندئذ بدأت مرحلة التأمل والهدوء ) ( 1 ) .
فالمنصف الوهايبى أفرزه نمط ثقافى ، قيروانى متميز ، فقد تلقى فى طوره الطفولى ارسالات الانضاج من مؤسسات أولية Institutions Primaires فمكنته من امتلاك خبرات شتى كفيلة بتحديد جملة من المواقف الاساسية ، وكيفت نشوءه ضمن نظام أسروى له أسسه وخصائصه .
بعد ذلك ، تلقي ارسالات المؤسسات الثانوية Institutions Secondaires ( الدين ، طرائق التفكير ، التشكيلات السياسية . . . ) .
وبالتالى ، يمكن القول : ان الشخصية الاساسية Personnalite de Base للقيروانى تتميز بالتقوى وبالحضور الدينى ، وقد انعكست هذه ، على المنصف
الوهايبى : كشخصية فردية . فجاء شعره ( محاولة لامتلاك صفاء الحضور فى روح الكون والأشياء " ( 2 ) . وسنلحظ هذا التأثير البيئى فى بثه الشعرى : الواح ، دون أن نغفل تحديقه البانورامى فى خارطة الشعر العالمى : ( بدر شاكر السياب ، عبد الوهاب البياتى ، سان جون بيرس ، ريلكه ، اليوت ، رامبو : تعلمت من هؤلاء الشعراء أن الفن أداة كشف ومعرفة ، وأن كل حقيقة فنية تختزن لحظة مستقبلية . تعلمت من البياتى مثلا أن لا أرى فى الاشياء مدلولها الزمني الانى ، ولكن على ان ابصر فيها مدلولها الابداعى ) ( 3 ) .
ب - الواح
الواح : هي باكورة المنصف الوهايبى الشعرية ( 67 صفحة ، حجم : 21×15 نشر : ديميتير - تونس ) . 23 قصيدة مبوبة كما يلى :
* مراثى الملك وتحتوى : نشيد الملك ، ليلة أخرى ، فى اصطفاق الريح والنخلة ، ذنوب ، احتفالية ، وأسمى ، هل سنرحل يا رجل النوء ؟ .
* القصيدة العربية وتحتوى : فى البيت العربي ، النخلة ، الصحراء ، الجمل ، رجل ينهض من غار حراء ، سورة النخيل ، الآن استراحت ركابى ، أنهار ، فى منزل السهروردى ، حديث الالواح الطينية .
* قصائد أولى وتحتوى : يوميات بورجوازى صغير ، يد ، أرض ، فناء ، ماسح الاحذية ، أحدب .
( الواح ) : ذاكرة طينية لاختزان الافكار والمعانى ، تنم عن مناخ الكتاتيب الدينى .
فى ( ألواح ) : تشابك ليفى من الدلالات والرموز ، وفضاء لا متناه من الحركية الضمنصية فى غلاف لفظى : عتيق ، حديث .
ولا شك أن الدخول فى علاقات جدالية مع المقول الشعرى ، سيكشف لنا عن مدى اختمار النفس الصوفى لدى المنصف الوهايبى .
فى ( ألواح ) ثلاثة جذور : الله ، المرأة ، الكون يتفرع عنها مد شبكى من جذاذات ، ذات مداليل مختلفة ، تزج بالشاعر - حسب تصنيف كيقوردى - فى خانة ذات ثلاثة أطوار :
]] طور جمالي : Stade esthetique
حيث الانجراف بجاذبية الرغبة التى تحدث فى الشاعر تشتتا ، واحساسا فاجعا بالاسى والالم ، لان الشاعر ليس بوسعه اشباع كل احتياجه الرغبى .
كنت اخرج من مدن البحر ،
القاك :
ملفوفة في قميص العروس المحناة ،
وهي تزف الى قبرها . .
فأكور اسمك يا اخت :
فاكهة السنوات العجاف . . . ) ( 4 )
انه منتهى التداعى فى قبضة الاحلام الجهيضة ، بحثا عن لذة الذات وعن هنيهات الهناء فى وجود غير ذى هناء . . وهذا الشقاء الدائم مشتق من هباء البحث عن بهاء الاشراقة المستحيلة ، ونابع من ذات لا تماسك لها : متذررة حسا . وهذا ديدن الشاعر الحقيقى الذي لا ينى يبحث عن ذاته فى طمى العذاب وعن لذاته فى استحالة الرغبات . .
[]طور أخلاقى: stade ethiqueحيث الانحناء للانموذج السلوكى ( الاخلاقى ) وحيث يضع الشاعر تصرفه العملى تحت نواميس تقييمية ، مجردة . .
( ... انه السهروردى : زين مجالسكم
عاد مختلجا ،
لو فسحتم له بينكم
سيقيم على سفر . . ) ( 5 )
على هذا النحو من التمثل اللاشعورى للمنوال الاخلاقى ، ينمذج الشاعر سلوكاته ، ويلتقى المهيمن والمهيمن عليه على نفس الخط الشبهى . فيكون المهيمن مثالا : والمهيمن عليه : ظلاله .
[]طور ديني : Stade religieuxويعني السمو بالفكر ) أو بالشعور ) من الدنيوى الى الادنيوى ، من الصورة الى الهيولى . وفي ( ألواح ) : تحليق نورانى غزير ، وملائكية لها كم جناح مثالي . .
( ها أنت تبلغ باب الله مرتبكا
الوجه منخطف والروح مشتعل
هذا الهوى الصعب يا مولاى ، شردنى
ألا بسطت يدا تحنو وتنتشل ) ( 6 )
يشذ المنصف الوهايبى فى ( ألواح ) عن عصره ، تراجعا الى الوراء ، ويكرس ( غربة النص الشعرى ) بأن يجعل منه صدى للماضى ومحاكاة له ، أى أن الشاعر يعيش بداخلية أثرية واحساس أركيولوجى ، بدل انبجاسه من واقعية العصر ، هذا العصر .
وعائدية هذا ، الى مدى شغف الشاعر بالخلط التاريخى ، وأساسه - كما عبر عنه ج . جينات Gerard Genette فى ( مدخل الى النص الرئيسى Introduction a I' Architexte )- الاحتياج الواهم الذى يعاني منه المبدع ، فهو يرغب دائما فى ايجاد سند من الماضى يعينه على اعطاء المفاهيم الحديثة سمات الوضوح ، فكما احتاج الاب باتو الى أرسطو ، احتاج فرويد الى سوفوكليس ( 7 ) .
والمنصف الوهايبى يتمثل الوهم نفسه فى زواجه الصوفى بالسهروردى .
( ينظر السهروردى من كوة :
السماء الختينة تنذر بالغيم ،
هل ستفتح أنثى النخيل أغاريضها ؟
هل ستهتز فى قبر عائشة عشبة ؟
وصفيك عطشان
هلا منحت صفيك جرعة ماء ؟ ) ( 8 )
فهل تحققت الحداثة الشعرية فى ( ألواح ) ؟
( ان الحداثة الشعرية ليست - عمقيا - فى الخروج عن عروضية القصيدة العربية ، وانما فى اكتشاف لغة شعرية جديدة تستجيب لوجدان انسان حديث شرط أن تبقى متصلة بروحية الشعر العربى " ( 9 )
ان المتصفح لـــ ( ألواح ) قراءة وبحثا ، يلحظ أن النص - بوصفه لغة وحدثا - معاق كرونو شعريا ، أى أنه يتناص - روحا واهابا - مع النص الشعرى الكلاسيكى . فالشاعر لا يفارق متقدميه من الشعراء الا فى بعض الفويرقات الضئيلة ، على الصعيد اللغوى . وبالتالى ، تنتفى مخايل الحداثة من بثه الشعرى ، وتنتفى معها مواطن الاضافة الشعرية . ومرد هذا ، الى غزارة أصداء النص Intertextes ، الشعرى وقد فسرها ريفتار Riffaterre بأنها متن لا نهائى ، ولكننا نستطيع دائما التعرف على بدايته . فأصداء النص هى ما يتخلل النص من نصوص أخرى سابقة عنه ، انها مجموعة النصوص التى تتبادر الى الذهن أثناء قراءة نص بعينه . . ( 10 ) .
فى ( ألواح ) تتجلى ( أصداء النص ) فى كم مقطع شعرى . فالمنصف الوها يبى يستعى - فى أشعاره - شخصية السهروردى باستمرار ، فما سر هذا الحنين الدائم الى عالم الاضابير العتيقة ؟ ( أى نهج سأنهج بين المفازات يا سيدى السهروردى ؟ انهم يسألونك عن آخر الحلم أيان يفتض مغلقه ، قل ضعوا ، فى يد الله أيديكم ، واقتفوا أثر النهر والعاصفة . . ) ( 11 )
* هل هى رغبة من الشاعر فى تقمص شخصية الصوفى ؟ ولتبين موقع الوهايبى الصوفى يجمل بنا التلفت الى ماهية التصوف : ظاهرة وضروبا .. سئل الجنيد عن التصوف فقال : أن تكون مع الله بلا علاقة ( 12 ) .
فالتصوف اسم جامع لمعانى الفقر ومعانى الزهد ، مع مزيد أوصاف واضافات لا يكون بدونها المرء صوفيا وان كان زاهدا وفقيرا . . ( 13 ).
فهل الوهايبى يتعاطى مثل هذا السلوك الصوفى ؟ بالتأكيد لا . اذن ، هو ليس صوفيا ولكنه متشابه به .
( ان المتشبه بالصوفية ما اختار التشبه بهم دون غيرهم من الطوائف الا لمحبته اياهم ) ( 14 ) .
قد يكون المنصف الوهايبى ينتمى الى الصوفية وليس منهم وهذا الانتماء ينسحب على ( القلندرية ) وهم : ( أقوام ملكهم سكر طيبة قلوبهم حتى خربوا العادات ، لا يترسمون بمراسم المتقشفين والمتزهدين والمتعبدين وقنعوا بطيبة قلوبهم مع الله تعالى ، واقتصروا على ذلك ) ( 15 ) .
اذن ، تصوف الوهايبى نظرى ، خارج وهج الممارسة الصوفية . انه ( قلندرى ) طيب القلب مع الله .
الى جانب ( السهروردى ) تتخلل اشعار الوهايبى أنفاس ( رابعة العدوية ) وقد يكون محض تناص بالصدفة :
تقول رابعة العدوية :
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثى . . وأبحت جسمى من أراد جلوسى
فالجسم منى للجليس مؤانس . . وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسى ( 16 )
وهذه ( الاباحية ذات البعد الصوفى ) نتبينها عند الوهايبى ، ولكن بصوغ شعري حديث :
, قالت الملكه
٠٠٠٠
حين تدخل بيتى
سأخرج كالحلم عارية ،
يتوهج روحى ويبتهج
وأقول انغرس
ايها الرمح فى جسدى المنتشى
وأقول اغتسل
ايها الرمح في عطشى . . ) ( 17 )
* ولا يفوتنا أيضا أن نلحظ مدى ولع الشاعر بصدى النغم القرآنى الذى ينضاف الى اصداء النص الشعرى .
( وها جاءك الطلق
فانتبذى الآن منهم مكانا قصيا
ومدى يديك لريح البحار . . ) ( 18 )
٠٠٠٠٠
( وألقت حلمها فى النهر
فالقينا عليه محبة منا
وأرسلنا الرياح مبشرات بالندى
ولسوف تحمله فيسعى ..
أيها الحلم الذي كنا اصطفينا
٠٠٠٠٠
سلام أنت حتى مطلع الفجر ) ( 19 )
المنصف الوهايبي باحث صوفى ، ولكن فى مدينة حديثة . وحبذا لو يتساءل قليلا ، بحثا عن ( استقلالية مرجعية ) حتى لا يذوب نصه الشعرى بين أصداء النصوص القديمة . . .

