الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

ألوان الأجسام

Share

الشمس تمتعنا كل يوم بنعم لا نتصور الحياة دونها - فهى التى تنير كوننا وتسخن أرضنا فتقينا عضيض الفر ، وتطهر من الحشرات المعفنة الهواء الذى نتنفس والماء الذى نشرب . ويرجع الفضل فى كل ذلك الى الاشعة الصادرة عنها مثل " ما قبل الاحمر " (Infrarouge) ، والأشعة النورية ، و " مابعد البنفسجى " (Ultraviolet)...

الاشعة النورية يسمى مجموعها بـ " النور الابيض " وتقوم بمهمة الاضاءة . وهى مزج من سبعة " انوار بسيطة " او " واحدة اللون " (Monochromatique) نراها في قوس قزح وهى بالترتيب : الاحمر والبرتقالي والاصفر والاخضر والازرق والنيلى والبنفسجى . ويمتد طول موجتها من ( ٨ ، . ميكرون ) بالنسبة للاحمر الى ( ٤ ، ٠ ميكرون ) بالنسبة للبنفسجى . اما الاشعة الواقعة قبل الاحمر فطول موجتها اكبر من ( ٨ ، . ميكرون ) اذ يقدر بالميكرونات وبالمليمترات وبالصنيمترات وحتى بالعشرات والمئات والآلاف من الامتار . والاشعة الواقعة بعد البنفسجى طول موجتها اصغر من ( ٤ ، . ميكرون ) ويقدر باجزاء قليلة من الميكرون وحتى ببعض اجزاء من الف من " الانقسروم " (Angstroem) الذي هو جزء من عشرة آلاف من المكرون ) ولا ننسى ان الميكرون جزء من ألف من المليمتر ( - ولما كانت عين الانسان لا تتاثر بسوى الاشعة النورية ، فبصرنا لا يدرك الا القليل التافه من أشعة الشمس ، وليست الانوار التى نراها منتظمة التاثير . فالاحمر مثلا اشد تاثيرا من الازرق على العين ، ولذا نرى النور الاحمر عن بعد ونتخذه للتنبيه عن قطع القطار للطريق ، بخلاف النور الازرق فهو لا يرى الا من قريب ولذا نستعمله للاستصباح وقت الحرب . ومن الغريب ان حاسية اشرطة التصوير عكس ذلك اذ الازرق اشد تاثيرا عليها من الاحمر ، ولذا تستضئ بالنور الاحمر فى غرف التصوير ( الغرف السوداء ) ونفضل الازرق على الاحمر عند تلوين شفتى الممثلات السينمائية.

لا تتم رؤية شىء الا اذا أتى نور من هذا الشئ ودخل عين الناظر وكون على طبقتها الشبكية (Retine) صورة واضحة ، وبلغ العصب البصري خبر هذه الصورة الى الدماغ . وينتج عن ذلك ان لون الصورة هو لون النور الذي يكونها داخل العين.

إضاءة الاشياء : الجسم النير هو كل منبع للنور ، مثل الشمس والنجوم وآلات الاستصباح باختلاف انواعها . والاجسام المضاءة هى التى تتلقى النور من المنابع ثم تبعثه فى اعيننا فنراها . فالقمر ليس بنير اذ نوره هو نور الشمس الذي يقع عليه ثم يندفع فى الفضاء فياتينا شئ منه . ولا يخلو حال الجسم المضاء من ثلاث احوال : فاما ان يمص النور الذى يقع عليه ، واما ان يعديه ، واما ان يرده .

١ ) المص Absorption)) :تمص الاجسام النور كما تمص الاسفنجة الماء . وتختلف قوة المص باختلاف الاجسام ، وبالنسبة للجسم الواحد تختلف حسب سمكه . فالماء مثلا لايمص عادة الا قليلا من النور . اما اذا كان عميقا فالطبقات السفلى يقل نصيبها من الاضاءة وقد يضمحل . فمن المعروف ان قعر الابحار العميقة في ظلام حالك مستمر .

المص جزئى او كلى حسب كمية النور التى يمصها الجسم ويعتبر المص عاما (Absorption generale) اذا تساوت نسب جميع الانوار الممصوصة بحيث يمص الجسم  نفس الجزء من كل نور بسيط يوجد فى الاشعة الواقعة عليه . ويعتبر انتخابيا (Absorption Selective)  اذا تفاوتت هذه النسب ، بحيث يختار الجسم الانوار التى يمصها والانوار التى لا يمص الا القيل منها او لا يمصها بتاتا .

٢ ( التعدية (Transmission): الاشعة تخترق الاجسام وقوة النفاذ تختلف باختلاف الاشعة وباختلاف الاجسام . فالخشب مثلا غير شفاف بالنسبة للاشعة النورية وشفاف بالنسبة للاشعة ( س ) ( أشعة الراديو ) ومعناه انه يوقف النور ولا يعدية فلا نرى ما وراءه ، ويترك الاشعة ( س ) تخترقه والتعدية مثل المص عامة أو انتخابية ، وجزئية او كلية.

٣ الرد (Renvoi) : الاجسام ترد الاشعة وتدفعها عنها اذا لم تمصها والا عدتها ويمكن هذا الرد بطريقتين : الانعكاس (Reflexion) والتبديد (Diffusion) تنعكس الاشعة على السطوح الصقيلة كسطح الماء الهادى وسطح المرآة . فتذهب فى اتجاه معين وبنظام . وتتفرق عند وقوعها على سطح خشن كسطح الحائط فتذهب فى شتى الاتجاهات متبددة متشتتة والرد جزئي او كلي . وعام او انتخابى ، وقوة الرد تختلف حسب السطوح وحسب ميلان الاشعة الواقعة عليها . لا شك ان عين الناظر لا تتصل الا بالاشعة التى تعديها الاجسام او تردها وينبغى ان نلاحظ ان جل الاجسام تمص شيئا من النور الواقع عليها . وتعدى شيئا اخر وترد البقية غير اننا عمليا نلغى ما تفه من الكمية الممصوصة او النافذة او المردودة .

البياض والسواد : الجسم الابيض يرد جميع الاشعة الواقعة عليه دون ان يعدى شيئا منها ولا ان يمص . وعمليا فهو يرد الكثير منها ولا يعدى ولا يمص الا القليل التافة . فطبعى ان يظهر هذا الجسم الى عين الناظر فى لون النور الذى يضيئه وما سمى بالجسم الابيض الا لان النور الذى يقع عليه عادة هو نور الشمس . ويلبس الناس ثيابا بيضاء فى حر الصيف لرد الاشعة الحرارية المصاحبة للاشعة النورية . والتامل في المواد البيضاء متعب للبصر لكثرة النور المردود . الجسم الاسود هو الذي يمص جميع الاشعة الواقعة عليه دون ان يعدى شيئا منها ولا ؛ ان يرد فلا يبعث اى نور فى اعيننا ولا نراه بل نرى كل ما يحيط به ويبقى مكانه مظلما . وذلك مهما كان النور الذى يضيئه . وملابس الشتاء داكنة اللون تمتص الاشعة الحرارية كما تمص النور البياض لون اذ هو كل الالوان . وما السواد بلون الا لانه عدم اللون . كما ان ترك العلامة علامة .

الاجسام الملونة : الجسم الابيض رده عام ، والجسم الاسود مصه عام ، وبين هذين الطرفين الجسم الملون الذي مصه انتخابى ورده انتخابي ، فهو يمص انوارا ويعدى اخرى او يردها .

فالجسم الاحمر مثلا هو الذى يمص كل الانوار سوى الاحمر الذي يرده او جديدة . فاذا أضأته باشعة تحوى الاحمر ، رايته احمر مهما كانت الانوار المضيئة واذا أضأته باشعة خالية من الاحمر رأيته اسود لانه يمص كل الانوار الواقعة عليه . وكذلك يظهر لك اسود اذا أضاته بنور يحوى الاحمر ونظرت اليه خلال نظارات تمص الاحمر ، وكذلك اذا نظرت الى الاشياء من خلال نظرات حمراء ( اى تمص كل الانوار سوى الاحمر الذين تعديه ) فانك ترى بعضها حمراء ( وهي التي ترد نورا يحوى الاحمر ) والأخرى سوداء ( وهي التي تمص الاحمر ) . لا شك ان الوان الاجسام لا يحصى لها عدد ، اذ لا حد لعدد امزجة الالوان : فيمكن ان نغير الالوان الممزوجة كما نشاء وان نغير نسبها في المزج . كل يعلم مثلا ان البرتقالى مزج من احمر وأصفر وانه انواع عديدة حسب نسبة كلا اللونين . وكذلك الاخضر أصناف كثيرة اذ يمكن تغيير نسبة الاصفر والازرق الذين يتألف منهما ، وتتعدد الاصناف بدون حد اذا اضفنا الى اللونين الممزوجين شيئا قليلا من الوان اخرى .

تصور جسما يرد الاصفر ردا كليا ويرد نصف ما يقع عليه من الازرق ، وشيئا قليلا من الاحمر ويمص ما بقى من الاشعة الواقعة عليه . فالنور الذي يبعثه فى العين يكون صورة خضراء من النوع الفاتر المشرب حمرة . وما فن الدهان سوى براعته فى تصنيف الالوان وانسجامها . وما جمال الطبيعة الا في الوان سمائها ومائها واحجارها وازهارها وفراشها وطيورها واسماكها . . . كم سحر هذا لجمال من اعين ! ومع هذا فلا نرى من الاشعة سوى . . . وشل من محيط !

لون المادة ونظامها البنائي : الاجسام تتغير الوانها عندما تطرأ عليها انقلابات تغير نظامها الداخلى . والأمثلة فى هذا الباب عديدة . فالطباخ والشواء والحماص .... يعرفون كيف تتغير الالوان بفعل الحرارة . وربة المنزل تعرف كيف تنال الشمس من الوان الثياب المنشورة ، والكيمياوى يعرف كيف تتغير الوان العقاقير اثناء العمليات التى يجريها عليها فى المخابر حتى اعتبر في القرون الوسطى من اهل الرقية والسحر .

اذا تغيرت الظروف التى يعتدل فيها جسم يتغير نظامه البنائى فتتغير قابليته لمص الاشعة او لتعديتها او لردها فيتغير لونه . وقد درس العلماء الصلة بين هذا النظام واللون وسنوا قواعد عامة تعين هذه النسبة .

١ ) الجسم البسيط يتألف من ذرات متجانسة ، وذرته لها طبقاتها الكهربونية التي تمتاز بطول الموجة التى تصدرها إذا اضاءت أو تمصها اذا اضيئت فاذا اطلقنا مثلا شرارة  كهربائية بين قلمين من مادة بسيطة ما ، كان نور هذه الشرارة من لون يختلف حسب هذه المادة ويميزها عن بقية المواد . وكذلك الانطلاق الكهربائي داخل انبوب به غاز ممدد (Gaz rarefie)  فهو ينشئ نورا من لون يمتاز به هذا الغاز . ونرى ذلك فى انابيب الاستصباح المختلفة الالوان والمستعملة في الدكاكين والمعامل التجارية.

لكل مادة بسيطة لونها : فالكبريت اصفر والحديد رمادى والنحاس احمر والفضة بيضاء والذهب أصفر .... غير انه لا يكفي ان يتعين جنس الذرات ليتعين اللون اذ هناك عامل اخر له اهميته ، وهو ترتيب الذرات وكيفية تكتلها داخل المادة البسيطة . فالكربون مثلا نوعان : الفرافيت (grafite) وهو اسود ( لون الفحم ) وحجر الماس وهو عديم اللون لانه شفاف بالنسبة لجميع الانوار وكذلك الفسفور نوعان ابيض واحمر....

٢ ) الجسم المركب يتألف من هباءات متجانسة وهباءته بناء معين من ذرات معينة . والاشعة التى تصدرها المادة المركبة اذا أضاءت ، او تمصها اذا اضيئت . تختلف حسب اجناس هذه الذرات وحسب ترتيبها داخل الهباءة وحسب كيفية تكتل الهباءات فى المادة .

وقد ثبت مثلا ان هناك مجموعات ذرية خاصة . يسمى مفردها " بالكروموفور " (CHromophore) ومن شانها ان تكسب الهباءات لونا كلما دخلت عليها . واهمها بالنسبة للمواد العضوية : ( - c=c- ) و ( o=c- ) و ( s=c- ) و ( NH= C - ) ( - N = CH (- و ) - N = (-N وهى مجموعات غير مشبعة اذ نجد فيها " الصلة المزدوجة " ) =(( Double Liaison) التي تمكن من اخذ ذرات اخرى .

" الكروموجان " (CHromogene) هي الهباءة التى تكتسب لونا بادخال كروموفور عليها ويشترط فيها أن تكون متكثفة وان تتوافر فيها ذرات الكربون ( C ) ، ويزداد تاثير الكروموفور فى الهباءة كلما ازدادت ذرات الكربون فيها .

فكل من " الازوبنزان " و " الكينون " و " الانطراكينون " كان وموجر واليك تمثالاتها :

وينبغى ان نذكر ان بعض المواد ، والاصدئة المعدنية خاصة ، تغير لون الجسم الذي يدخل فيه شئ قليل منها . فالياقوت احمر والزمرد اخضر والصفير ازرق والزبر جد ( topaze) اصفر ، ومع هذا فهذه الاحجار الكريمة كلها من جنس كيميائي واحد ) صدأ الشبين (alumine ولو لم يكن فيها شئ ضئيل من بعض الاصدئة المعدنية لكانت كلها عديمة اللون مثل " الكوراندون " (eorindon) الذي هو صدأ الشبين المتبلور الخالص.

المواد الملونة والصياغة : الصبغة مادة ملونة ترسب على اماسد الاقمشة وتغشاها وتتمكن منها لمدة تختلف حسب الالفة بين الصابغ والمصبوغ - الملون المباشر ) (Substantif يستقر على الاماسد بسهولة وبدون واسطة - ويقع ذلك غالبا في الاماسد الحيوانية ( الصوف والحرير).

اما الاماسد النباتية ( القطن والكتان ) فهي لاتصطبغ بالمواد الملونة الا بواسطة " واصل " (mordant) اي مادة تستقر على المسد وتستقر عليها الصبغة وهكذا يكون الملون غير مباشرة (adjectif) ليس كل ملون ملونا ، ويشترط فى المادة الصابغة ان تكون وظيفة الحوامض

او وظيفة القواعد اى ان تكون لها قابلية لانشاء الاملاح - فالكروموجان الخالي من هذه القابلية لا يلون غيره من الاجسام الا اذا ألحقت هباءته بمجموع ذرى يكسبها وظيفة الحوامض ، مثل (OH-) و (-SO٣H) و (--CO٢H) ، او وظيفة القواعد مثل ( -NH٢) و (-NHR) و (-NR٢) ويسمى المجموع المضاف با " لاكسوكروم " ) (auxochrome اما نشاطه فهو يزداد كلما شدد رغبة الكروموجان فى انشاء الاملاح ، بحيث ان احسن الملونات اقواها حموضة او قلوية (basicite).

صار الكيمياوي اليوم قادرا على صنع اى مادة ملونة شاء . اذ يكفيه ان بأخذ هباءة متكثفة وكثيرة الذرات (C) ، وان يدخل عليها كروموفورا فتكتسب لونا ، ثم يدخل عليها اكسوكر وما فتصير ملونة ثم يمزجها بشئ قليل من صدإ معدني فيغير لونها . ولنضرب مثلا فى ذلك :

" الانطراسان " (anthracene) C٦ H٤ (CH٢)٢C ٦H٤ عديم اللون كسائر الفحميلات الموهنية (Carbues d' hydrogene)- لكنه يصير ملونا ويعطى الانطراكينون C٦H٤ (CO) ٢C٦H٤ باكسابه الكروموفور (co) مرتين ، ويصير ملونا ويعطى " الاليزارون " (alizarone) C٦H٤ (CO)٢C٦H٢(OH)٢، باكسابه الاكسوكروم (OH) مرتين . اما اللون فهو:

- الاحمر مع زرقة اذا زدنا شيئا قليلا من صدأ الشبين - الاسمر مع حمرة ادا زدنا شيئا قليلا من صدإ الصبغن (oyde de chrome) - البنفسجى الداكن اذا زدنا شيئا قليلا من صدإ الحديد بهذه الطريقة صارت المواد الملونة اليوم لا يحصى لها عدد - وبعدما كانت تستخرج من الطبيعة ( كما كانت تستخرج الاليزارون من الفوة : garance) صار الكيمياوي اليوم يصنعها فى مخابر " بالتأليف ويغير مميزاتها والوانها كما يشاء . الالوان الطبيعية كثيرة الاصناف ومتعة للناظرين ، والالوان المصنوعة اكثر انواعا وفى بعض الاحيان ابدع جمالا ، لكن ليت لنا عينا اوسع مجالا في الرقية فنرى من الالوان ما لا نرى ونصنع منها ما لا نصنع ونفهم من اسرار الكون اكثر مما نفهم .

اشترك في نشرتنا البريدية