الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

ألوان عالمية من الشعر, الحلقه الثانية : الشعر المرئي

Share

فى الفصل الثاني الذي خصصته مجلة " أوبوس " لدراسة " الشعر المرئى " نجد بحوثا قيمة متعددة تغطى هذا الموضوع من كافة جوانبه فالناقد " ريناهرد دوهل " تناول بالتأمل علاقة الكتابة بالصورة ، والتفاعل بينهما فى الأدب ، والفنون التشكيلية والوسائل السمعية البصرية . كما نجد عرضا عن " الشعر المرئى فى العالم " كتبه أحد الشعراء المرئيين وهو " جان فرانسوا بورى " . أما المقال الثالث فهو ترجمة لحياة الشاعر المرئى الراحل " بول فان اوستيجين " . وركزت الناقدة الايطالية " جولى دى سانا " اهتمامها على " المظاهر الجديدة فى الشعر الايطالى " . وبديهى أن من بين تلك المظاهر : الشعر المرئى . وختم الناقد " جان كلارنس لامبير هذا الفصل الثاني بللمحة خاطفة عن الكتاب بوصفه " شيئا " والشئ بوصفه قطعة شعرية .

يقول الناقد " رينا هرد دوهل فى مقدمة بحثه عن علاقة الكتابة بالصورة انه ينبغى ان نتفق على مسألتين هامتين قبل الدخول فى التحليل

" المسألة الاولى تتعلق بمفاهيم الكتابة ، والثانية تخص مفاهيم الصورة " .

" فالكتابة ) فى رأى هذا الناقد ( هى كل ما ينتسب إلى ميدان الكلام الذي يعاد مرتيا بصورة محسوسة - ولو كان ذلك فى حالة بدائية - أى الكلمات ، وكذلك الأرقام ، والحروف .

" اما الصورة فهى بصفة عامة اللون والشكل اللذان بتكيفان في مساحة أو - إذا اقتضى الحال - يكونان على مساحة " .

وعلى الصعيد التاريخي يذكرنا الناقد ان من اللقاءات الاولى التى جمعت بين الكتابة والصورة تلك الأوانى الخزفية الاغريقية العتيقة التى ما تزال محفوظة الى اليوم في المتاحف ، يستطيع الانسان أن يشاهد على جنباتها الكتابة ممزوحة بالصورة . ولا شك ان هذا الامتزاج كان أقدم من حضارة الاغريق ومنتوجاتها الثقافية . فنحن نلاحظ ذلك جليا فى القطعة الأثرية المعروفة " بقانون حمو ابى وعلى كل ، فان القدامى فى مختلف الحضارات لشرقية والغربية الغارقة فى القدم لم يفرقوا بين الكتابة والصورة ؛ حتى ان العبرانيين الذين حظروا الصور المرسومة والمنحوتة فى ديانتهم ودنياهاهم نراهم بعد آلاف السنين ، وفي القرن السادس عشر بالضبط ، يصورون " الأبحدية السماوية " فى شكل دوائر مجردة ، لكنها توحى لنا بتصورهم للكون . ونحن نظفر بمثل هذه الأبجدية فى الكتب العربية الاسلامية المختصة بعلم الحروف ، هذه الكتب التى ألفت بتأثير واضح من " الاسرائيليات " ٠٠ .

وبعد طي هذه الأزمان الغابرة ، يقول لنا " رينا هرد دوهل " : " فمنذ اختراع المطبعة ، وبقطع النظر عن عمل النساخين ، وما انجر عنه من تصور الفن الخط ، بذلت مساع انتهت بتحقيق - مرتين على الأقل - التقارب بين ميدان الأدب وميدان الفنون التشكيلية ، بله صهرهما فى ميدان واحد وحد . المرة الاولى تمت خلال القرن السابع عشر ، والمرة الثانية شملت نطور الفن الحديث من سنة 1900 تقريبا إلى يومنا هذا " .

ونحن اذ نترك اللقاء الاول الذي جد بين الكتابة والصورة فى العصور الحديثة ونهمله ، فاننا لا يسعنا إلا ان تتابع اللقاء الثاني لما له من وقع قوى على الفنون التى تبنيناها نحن العرب التونسيين منذ مطلع القرن العشرين واخذناها عن الحضارة الغربية بدون أن تشرح أسباب تكوينها وأن نعيدها الى أصولها الثقافية

يقول " رينا هرد دوهل متحدثا عن هذا اللقاء الثاني : " أن رواد حركة الرسم التكعيبي قد شرعوا فجأة وبدون سبب ظاهر ، فى إدماج حروف وشئ من الكتابة وقصاصات صحفية فى لوحاتهم ليرسمها أو ليلصقوها عليها . وهذا العمل الفني لا يمكن تقديره حق قدره إلا إذا وقع تأويله في النطاق العام للتصادم الفنى مع فن الرسم - أو مع الأشكال ومدارس الرسم - خلال القرن التاسع عشر ) وهذا الفن يعتبر اليوم كلاسيكيا (

وينبغى أن يدرك المرء فى هذه الحال أن هذا الادماج كان عبارة عن محاولة من بين محاولات اخرى لا تهدف الى جعل الأفكار التقليدية ومضامين الرسم الرمزية التى انهكها الاستعمال ، الى جعلها معوجة الشكل فحسب ، الى إذابتها فقط ، بل الى الحصول على مضامين رسم جديدة ، وبالتالي الى الحصول على تعبير جديد بما فى ذلك الوجهة الشكلية " .

يوضح للنا ان الكتابة التى وضعها رواد الحركة التكعيبية على لوحاتهم وأدمجوها فيها لا ترمي الى القيام بمهمة أو بوظيفة . فهى جزء لا يتحزا من تركيب رسم اللوحة وتكوينها . إذ هي عنصر أساسى من عناصرها . " فلا وجوب إذن لقراءتها ، رغم ان الجمهور يستطيع أن يتعرف إلى حروفها بوصفها مجموعة من العلامات المكتوبة " .

" وعلى الرغم من كل هذا ، فبوسعنا أن نقبل الاعتراض القائل بان هذه العلامات الكتابية التى تحولت الى عنصر من العناصر المكونة للوحة وحرمت بحكم ذلك من وظيفتها بوصفها لغة ، فهى تشير بصورة مستمرة الى كونها أجنبية عن اللوحة وغريبة عنها ، اى هي ترمز الى اللغة " .

ومع الأسف ، لم يواصل الناقد " برنا هرد دوهل " هذا التحليل ليبلغ بنا الى السنوات الاخيرة الماضية

ففى السنوات الستين قامت حركة رسم عظيمة عبر أقطار العالم أجمع استخدمت الحرف الخطى أو المطبوع باعتباره أهم عنصر في تكوين اللوحة وما تزال هذه الحركة الفنية قائمة الذات ، ولها رواد ، وأعلام ، وأنصار

وقد دشنها الرسام الالمانى بول كل الذى زار تونس والقيروان والحمامات فى طلائع هذا القرن ، واكتشف تشكيلية الحرف العربي ووظيفته المرئية فى إطار الرسم التجريدى

أما فى تونس فلقد استطاع الرسام نجيب بلخوجة - الاول في تونس أن يستخدم الحرف الكوفي الخط ، وان يجعل منه أهم عنصر في لوحاته وكذلك فعل الرسام الناصر بالشيخ فى عدد من رسومه الاخيرة .

وهناك أعمال من هذا القبيل انتشرت في المغي الاقصى وتركيا  وباكستان ، والعراق ، وإيران ) حيث تمكن الرسام الايراني " الزندرودى "

من إعطاء البعد الحضارى القوى للحرف العربى بوصفه علامة تشكيلية ذات بال تنتمى لفنون الحضارة الايرانية الاسلامية ( .

كما شعت هذه الأعمال أيضا فى فرنسا حيث لاقى " سولاج " نجاحا منقطع النظير بفضل لوحاته التى يقول عنها النقاد انها تستوحى عناصرها من الخط العربى

ومهما يكن من أمر ، فان هذه الحركة التى ذهبت الى أبعد حد فى تكييف الحرف وإدماجه فى اللوحة ، قد كلفت الكتابة مهمة حضارية أكثر مما تطيق . وحملتها ابعادا ثقافية ماضية وحالية لا قدرة لها على تحملها إلا قليلا . . خصوصا حين يبرر رسامو هذا الاتجاه أعمالهم بالعودة الى الاصول . .

وينتقل الناقد " رينا هرد دوهل " الى معالجة العلاقة بين الادب والرسم باعتبار الادب عامل تأثير حاسم على الرسم ، بعد ان حلل لنا عكس ذلك فيما سبق . ويذكرنا في هذا السياق بحدثين هامين جدا فى مطلع القرن العشرين فى أقطار أوروبا

الأول : أعمال المستقبليين الايطاليين والروسيين الثاني : أعمال الشاعر الفرنسى " غيوم أبولينار "

ففي خصوص الشعراء المستقبليين يقول الناقد : " إنهم انطلقوا انطلاقا رفضيا لكل شعر ذاتي وكلاسيكى وهم يوافقون فى ذلك موقف الشاعر الفرنسى الذى سبقهم بعشرات السنين " لوتريامون " . وقد أكد الشاعر المستقبل الايطالي ماريناتى " بصفة جذرية فى هذا المعنى : " يجب تحطيم الأنا فى الأدب " . وهذا الموقف الرفضى يخص المضمون والشكل ، ويهدف الى خلق نمط جديد من الشعر ، وهو مرئى بالدرجة الأولى "

ويلاحظ الناقد : " لئن كان هذا الشعر مرئيا بوضوح فانه يشكل فى نفس الوقت تخليا عن العادات المألوفة في قراءة النصوص ، بل انه يشكل انقطاعا جذريا عن هذه العادات . وفي نفس الوقت أيضا ، يهمل هذا النمط من الشعر رغم مرئيته المظهر الصوتى فى الشعر . وعلى الرغم من كل هذا ، فان أكد كل التأكيد على العنصر الصوتى فى

الأدب المستقبل إذ يقول : " إن تحطيم الجملة التقليدية ، وإلغاء النعوت والاوصاف والترقيم سيجران معهما حتما اضمحلال انسجام الاسلوب وجماله الذي مدحه الكثيرون ، بحيث يكون فى مستطاع الشاعر المستقبلى استخدام جميع أشكال رسم الأصوات ، بما فى ذلك النشاز الذى بصور ضجيج المادة المتحركة " .

أما فيما يتعلق " بغيوم ابولينار " وأشعاره المعروفة " بكاليغرام " ( وترجمتها بالعربية " جمال العلامة " ) فيذكر الناقد : " أنها ظهرت بين سنة 1913 وسنة 1916 ونشرت في كتاب سنة 1918 اثر وفاة الشاعر وهذا الكتاب يضم بالاضافة إلى ذلك " قصائد الحرب " و " أشعار محادثات .

ويؤكد " رينا هرد دوهل هذه ( الكاليغرامات ( العشرين تجسم " غنائية مرئية " وتجسد حركة معاكسة اللاتحاه التكعيبى الذي تحدثنا عنه سابقا ) ٠٠٠ إذ ان هذه " الأشعار " تتضمن علاقات دلالية لغوية تخضع لعلاقات خارجة عن نطاق الألسنية اى انها تجسيمية أو تشكيلية ، ومثال ذلك قصيد " المطر " .

فعلا ، لقد نشرت المجلة على هامش مقال " رينا هرد دوهل قصيد المطر ولقد جاء هذا القصيد مطبوعا من أعلى الى أسفل ويقرأ أيضا من أعلى الى اسفل ( بدل من اليسار الى اليمين كما هو الشأن فى الكتابة الفرنسية وطباعتها ( ويشتمل القصيد على خمسة خطوط ، مائلة بعض الشئ ، ومتوازيه فيما بينها . فيخالها الناظر لأول وهلة كأنها خبوط من المطر نازله من السماء . ويقرؤها القارىء حرفا حرفا يتأن واذا به يشعر بأنه لا بستطيع امتلاك الايقاع الشعرى ولا السيطرة عليه . فكأنما انتقلت الشحنة الشعرية من التلفظ والالقاء والسمع الى النظر والتأمل والرؤية

وينتقل الناقد عند هذا الحد من تحليل العلاقة بين الادب والرسم والتفاعل بينهما الى طرق موضوع يبدو بعيدا كل البعد عن هذه الأشعار المرئية وهو دور المطبعة فى الصياغة الشعرية .

ويقول " ريناهرد دوهل فى هذا الشأن الفنون المطبعية التى استخدمها بصورة مفاجئة عند مطلع القرن العشرين غيوم أبولينار " المستقبليون الايطاليون والروسيون ، وكذلك " كورت شبوترز " للحصول

على عوامل ذات دلالات تختلف قيمة ومعنى فى النطاق الشعرى ، ان هذه الفنون هي اكتشاف جديد ملئ بالانعكاسات على الفن الحديث . ففي القرن التاسع عشر كانت الحروف المطبعية مستعملة فقط لتصوير الكلمات وطبعها ، كما كانت الحروف المطبعية مستعملة فى نفس الوقت لابلاغ المضامين ذات الطبيعة الالسنية . أما فى القرن العشرين ، وعلى الخصوص فى العقد الثاني دن هذا القرن فقد صرح أحد المطبعيين الالمان ان أهم واجب تقوم به المطبعة هو إيلاغ الأفكار والآراء بدون ضياع شئ منها وكما يريده المؤلف . وعلى المطبعة ايضا ان تتجنب بالخصوص محاولة تعويض جمال مضمون الأفكار المنقول بواسطة الحروف المطبعية بالجمال نفسه " .

وهكذا تولدت فكرة التأمل فى الحروف الابجدية بوصفها حروفا مطبعية مادية . وعلى أساسها كتب " لويس أراغون " قصائده الأبجدية التى لا تحتوى كل واحدة منها إلا على حروف الأبجدية الفرنسية لا تتضمن اية دلالة ولا معنى اللهم إلا معنى مرئيتها

كما ان المطبعيين الذين كانوا فى القرن التاسع عشر حرفيين ، ينفذون ما كان يقدم إليهم من نصوص خطية فيجعلونها مطبعية ، صاروا اليوم فنانين . . فقد لجأ واحد منهم الى استغلال ما تبقى فى صناديق الحروف المكسرة لينشئ منه شعرا مرئيا مطبعيا وهو المطبعي الهولندى " هندريك نيكولاس فركمان " . وسار فى طريقه من بعد المطبعي الالمانى الفنان " هنسيورغ مايير " الذى يقيم حاليا " بستودغارت "

ويختم الناقد " رينا هرد دوهل " هذا المقال ) الذي هو مدخل للتعريف بالشعر المرئى على اختلاف اتجاهاته ( بقوله :

ان المعاصرين من نقاد الفن يحبون الحديث عن تحطيم اللغة وضياع قطب ) الدائرة أو الأشياء ( . لكن الذى تم تحطيمه منذ 1900 ليس اللغة واللغة لا تتحطم مطلقا - بل هو ضرب من اللغة وهو التعبير الرمزي أو الرمزي المتمذهب ) يعنى الكليشيات فيما اعتقد ( . والذي ضاع ليس لقطب ، بل الذى ضاع هو تصورنا التقليدى للصورة واللوحة . وعلى كل ينبقى ان نتساءل هل يمكن اعتبار الكتابة مثلا مضمونا تشكيليا جديدا مع . فما له من نتائج وعواقب ، لينجب مادة جديدة تجر معها تقنيات مطبعية جديدة ، كتقنية " الكولاج " ؟

) الشعر المرئي فى العالم

تناول الشاعر الفرنسى " جان فرانسوا نورى " بالعرض مسألة " الشعر المرنى فى العالم " متحدثا عن اتجاهاته وأعلامه فى كثير من الاقطار  واروبية والأمريكية اليوم ) باستثناء فرنسا ( . ونحن سنسعى الى ترجمة أهم فقرات هذا العرض لأنه إخبار وإعلام اكثر من كونه تقييما ونقدا .

" إذا اتفقنا عامة علم الإعتراف بانه لا يمكن اعطاء أصول للكتابة ، فاننا نستطيع أن نصطلح على الاعتبار غالبا ان التوراة هي أول كتاب ، أول ه مجموعة قائمة بذاتها ومنحصرة فيها اى انه أول شكل ادبي .

فهده الفكرة التى نقلها إلينا العهد الوسيط ولربما تم انشاؤها فى ذلك العهد - تحدد اللغة فى نظرة إلى الكون لم تعد ملائمة للعصر الحديث ) ٠٠٠٠ (

" إن الكتابة تخضع للقراءة الأفقية ) لأنها ترسم بصورة افقيه وإن الكاتب رغم رغبته في الاستقلال ، يضع نفسه دائما فى كون ذهنى ، وفى حضارة لا تكون إلا حضارة الماضى " .

إن أزمة اللغة، ووضع اللغة موضع الشك والاستفهام ) عن قيمتها وجدواها ( مند مطلع القرن العشرين ليسا الا معركة دائمة آلت الى  الاخفاق فالكتاب من "جامس جويس" " إلى " آلان روب غرييى ، يتخبطون فى مشكلة الكاتب وعلائقه بعملية الكتابة .

" وبمعنى آخر ، فان الملاحظ ، مع علمه بانه لا يستطيع إدراك الواقع وهو حر طليق من كافة الظنون المسبقة ، يبحث وينقب رغم ذلك كله عن إدراك الوقع بواسطة أداة ) الكتابة ( بدون ان يخطر بباله ان تلك الأداة هى واقع قائم بذاته . هى واقع من بين وقائع اخرى .

ان القمع الغير الواعى الدائم الذي يسلطه الجهاز الأدبى الموجود حاليا  -ابتداء من النشر ، ومروا بالمكتبة التجارية ، وبلوغا الى القارىء المتغافل إن هذا القمع لينطوى على معنى بليغ فى هذا المضمار إذ يراد،

دائما وبصورة غير واعية الحاق الأدب بالآداب ) الجميلة ( مع إلغاء جزء هام من الكتابة . إننا محاطون ) فى حياتنا اليوم ( لا بعلامات من كافة الانواع فحسب ، بل نحن محاصرون ايضا بعدد لا يحصى من الاشارات المرئية والصور ، والدلالات المستقلة عن التطور العادى والأفقى لأية قصة تروى .

فالشاعر المرئي الذي تأصل وتطور انطلاقا من عناصر وعوامل اعتبرت إلى اليوم أشياء لا تنتمى إلى الأدب ) كاللافتات ، وعلامات المرور ، الخ . . . لم يسع إلا إلى تأصيل الكتابة من جديد بفضل خيط رقيق لم تستطع أن تفصمه الحضارة اليهودية المسيحية وهو الذى وصل " قانون حمورابى " " باسطوانة فايستوس " وربط بين المخطوطات التى نسخها المعلمون الخطاطون فى العهد الوسيط وبين " نزوات " الشاعر " نيكولا سيريا " والأمثلة من هذا القبيل لا تنتهى

" ونشوء هذه الظاهرة التى برزت من تلقاء نفسها عبر العهود الغابرة والتي نظفر بها بصفة أدبية أوضح خلال كتابات " لويس كارول  "و مارمى " ، و " أبو لينار " ، و " خليبنيكوف " ، و " إيليا زدانيفيتش و " شويترز " ، و " كامينفز " ، وحتى لدى أكبر ممثل للواقعية السردية مثل فولكنر ) حيث نجد العين مصورة بين كلمتين في روايته الضجيج والعنف ( ، فنشوء هذه الظاهرة يدل على الاحتياج الى مفهوم الايديوغرام ) الفكرة المجسمة فى علامة ) وكذلك على أهميته سواء فى معناه الترتيبي المرئى العام أو فى معناه المنهجى الخاص فى تركيبه الذى يعتمد على وضع العناصر بالتوازى كما شرح ذلك الشاعر " إزرا باوند "

" ويبدو أن الشعر المرئي إثر تطوره انطلاقا من عناصر موضوعية منذ سنوات قليلة قد بلغ شكلا تعبيريا مستقلا بذاته حتى ان الانسان ليتساءل هل هو يجد نفسه أمام جمالية جديدة فى وسعها أن تثور العلائق بين اللغة والوعى

" نحن نعلم المجهودات العديدة التى بذلها المستقبليون ، والدادائيون وأصحاب المذهب السريالى ) ٠٠٠ فى سبيل فك الكتابة من وظيفتها الأفقية .

" لكن ، فى سنة 1952 وبمدينة ساوباولو أسس ثلاثة شعراء : " بينياتارى " ، و " هارلد و " أوغسطو دى كامبوس " - وقد ترجموا اشعار " باوند " و " ما يا كوفسكى " - مجلة إسها " نواغاندر " ونشروا على صفحاتها شعرا وظائفيا يمكن له ان تمتد عروقه الى فن اللافتة والى الشعار حسب قولهم ) ٠٠ ٠لم تدم سنة حتى توقفت ( ٠٠٠

" وبعد عشر سنوات تقريبا اى منذ سنة 1963 بدأت تظهر هنا وهناك فى العالم مجموعات من الشعراء وأخذت تصدر محلات لا صلة لها فيما بينها ، الكنها سعت كل السعى جميعا الى اعطاء الصورة مكانة مطردة الأهمية فى صلب النصوص ، وكذلك الشأن بالنسبة لهيئة الحروف المطبعية ، ولتغيير اللغة وتحويلها الى شئ مستقل بذاته ) ٠٠٠

" ففي الأرجنتين ، نشر " فيغو في مجلة ثيرو " نصوصا شعرية يثقبها . وبفضل هذه الثقوب يمكن الكلمات او العلاقات من التفاعل فيما بينها وذلك بوضع الوقائع بعضها على بعض .

" وؤى أنكلاتيرا ، تهتم أعمال " دافيد بيرس " و " نيكولاس زور بروغ بالحقول الدلالية بوضع جملة فوق أخرى

وفى المانيا جماعة من الشعراء اصيل مدنية " ستود غارت " ينشرون أعمالهم فى مجلة " روت " ) ٠٠٠٠

" وفي ايطاليا نجد " ميكشيني " ، و " شيتا " ، و " سارانكو " ، و لوتشيانو ماروكتشى " ومجلة " لونا بويتيكا " " وفى تشيسلوفكيا ، كتلة من الشعراء ينشطون مجلة " أوبراز أبيسمو ، .

" وفى يوغسلافيا ، هناك مجلتان " روك " و " سينيال " " وفى الولايات المتحدة الامريكية نجد " ريشد كوستيلانيتز " ومجلة " أسمبلينغ " .

" 9 اليابان تجد " سييشى و " يوشيزاوا " ومجموعة " أزا " " كيتازونو كانوا ومجلة " فو " .

تشتمل أية حركة ادبية ماضية على العالم مثلما شملته هذه الحركة الشعرية المرئية .

" إن فكرة ادخال مفهوم الشعر المرئى فى الشعر الياباني تبدو من الخلط . . . إذ ان الكتابة اليابانية تعتمد على الصورة المكتوبة . فمن الطبيعي اذن أن تتغير الكتابة اليابانية باكثر يسر من غيرها الى كتابة مرئية ، وشعر مرئي يكون هيكله الصورة نفسها . فمعظم الاشعار المرئية اليابانية هى صور شمسية حاليا . وهي لم تقدم بوصفها أعمالا نهائية أو انتهى الفنان من انتاجها ) ٠٠٠ والشعر المرئي اليابانى يتجاوز أكثر من الاشعار المرئية فى الاقطار الاخرى الكلمات العادية ، والقوانين المسنونة مسبقا ، واللغة ، والجذور ، والمراجع ، ولا يحفل بها ، ويتجنبها . وبفضل التجاوز يبلغ ضروبا من التحولات تكون فى مستوى الخلق نفسه ، ويراقبها جميعا .

هل هذه قصيدة أو لوحة زيتية ؟ بل هى قصيدة للشاعر الفرنسى المرئى جان بول بورى ، عنوانها : " انا فى الشعر "

" إن الشعر المرئي لا ينقل المعرفة ) كما كان الشعر الكلاسيكى يفعل ذلك ، وهذا تصور تقليدى للمعرفة ( إنما الشعر المرئي يبحث في وظيفة هذا النقل والابلاغ ومعرفتهما . . ( " نستطيع أن نميز ثلاثة اتجاهات في الشعر المرئي

أ ( المدرسة المصطلح عليها ب " تايب رايترس " ومعظمها انكلوساكسونيه وهي تستعمل فى أغلب الاحيان وضع الكلمة على أخرى وهى تعطى بذلك معانى متعددة لكلمة واحدة . فتتضاعف اللغة داخل نفس القطعة الشعرية وتصير تعليقا على نفسها ايضا . وتقدم هذه النصوص في بل الحوال فى شكل لافتات ، وأوراق مرقونة بآلة الرينيو ، وصور شمسية .

ب ) " الالات - الشعر " لم تستعمل إلا قليلا لحد الآن وهي تمكن من مضاعفه إمكانيات النص الكامنة فيه الى ما لا نهاية له ، وتجبر القارئ على ، القيام بفرز ، وأختيار . وبديهى أن النص لا يبقى نفس النص بالنسبة لكل قارئ . فلكل قارئ نصه . الجناب . إن الاستغلال العصرى للكتاب يجب القيام به من الآن فصاعدا ) ٠٠٠٠

الحلقة القادمة : الشعرى الصوتى (

اشترك في نشرتنا البريدية