الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

أمام المرآة

Share

العزلة للنفس اشبه بالاطار فهى العنصر الثابت الدائم وما سواها اعراض تمثل وتبين . تتخلل حياة الانسان وتكاد تحيط به احاطة الهواء بالجسد والغريب في الامر انه عود منذ النشأة الاولى الاعراض عن العزلة وتناسيها

والنفور منها ونكرانها فاضحى لا يجسر على مقابلة ذاته وجها لوجه . اذ شبح العزلة ان هو الا ظل لحقيقة ذاتنا بل ذاتنا مجردة عارية .

العزلة . . . لا نكاد نعدمها فى اى وجه من وجوه حياتنا ، تلاحقنا حتى فى سبحات الفكر واجواء الروح

قد تكون فى قسمك بالمدرسة فى اوج نشاطك وأريحيتك ، فى ساعة استجابة قواك واقبالها ومؤاتاة قريحتك واسعافها فتوفق الى عرض الدرس وايصاله نيرا خصبا الى الافهام فتستخفك نشوة الانتصار ويبهرك صلف الاقتدار ... كيف وقد قويت على هتك حجب الالفاظ وفض اسرار المعانى ونشر كوامن الاحساس وطوايا الشعور وقدرت على تسيير اللفظ طوعا الى المعنى وتزويجه به . ولكن أنى لك ان تدرك ما يعتمل  فى النفوس ويختلج فى لحمة الشعور وسداه ادراكا مباشرا ، ادراك الحدس يقبض على الشئ بل يعضه عضا بلا واسطة ولا شاهد وبرهان ؟ اني لك ان تعرف حقيقة ادراكهم لما تقول ، لون هذا الادراك ونكهته ، كمعرفتك لنفس احساسك والتذاذك اياه ! ؟

ما كان ليتم الافهام والتفاهم لولا سبرك الاذهان - وليس الا الاذهان - بشتى وسائل الاستفهام والاختبار والتحقيق والافتراض وعكس الافتراض وقلبه ! هذا وقد فاتك شئ سيبقى مطويا عنك : تجربة غيرك الحية النابضة فى مختلف احوالها ودرجاتها .

تلك هي العزلة الكبرى والحسرة النقمة ؛ هذا الحجاب مضروبا بينك وبين امثالك من البشر لا تستطيع ان تتسلل دونه ، ان تنفذ الى ما وراءه . . فنظل  يرمق بعضنا بعضا ونستفهم وعلى وجوهنا علامات العي والبلاهة والعجز والغباوة تلك صورة البشر فى مرآة اخيه ومن نكد الامور وشؤمها او من لطفها وحكمتها انه لا يستطيع ان يرى صورته - ظل نفسه وخيالها - الا في

مرآة الغير ، فكانت معرفته بوجهه بل وشخصه كله - معرفة مجردة ناقصة محرفة عن الحقيقة ، صورة مستعارة ، معرفة بالاسناد

وعبثا يلجأ الى المرآة الزجاج ليتبين جلية امره . ان صفحة المرآة لن تشعره بما فى وجهه من دقائق وميزات تجعل منه فردا احدا : نضرة البشرة . . كزازتها . . اشراقها . . وجومها . . ثم معانى الوجه وما يرتسم عليه من ظلال وانوار هى صدى خوالج النفس وهزات خواطر القلب

وهكذا قد حرم الانسان رؤية ذاته والاستمتاع بصورته فى حقيقة حياتها وعفو اطوارها وحالاتها . انه عاجز حتى عن التفطن الى ما فى خلقة الغير من ملامح تشبه صفاته الخاصة . لقد حرم رؤية صورته فى وجوه الغير . عاجز عن ان يكتشف ، آن يقرأ ذاته فى ذوات الغير

ما نحن فى حقيقة الامر الا غرباء لا يصلنا نسب حميم او علاقة واشجة . كل يجرى فى مستقره . . نلتقى ولا نتواصل ، ونجتمع ولا نتمازج . اللهم الا فى حالات خاصة ومواقف ممتازة ، فى غمرة الحب والفن ، فى عنفوان الحماس القومى او فى ذروة النشوة الدينية . فكانما تتلاشى اذ ذاك الفوارق والحدود وتهتك الحجب والستور وتتعانق النفوس عناق الوئام والمحبة وتنسجم القلوب انسجام الرضى والمودة

هذا ولو كانت نفوس الغير مباحة لنا مشاعة تشف لنا عن مكنون خباياها واسرارها وتعرى من جميع اثوابها واستارها - لو تيسر الاشراف عليها كما يطل المرء من نافدة ضميره لاستحال السعى والعمل وتعطل الجهد والطلب وانقلبت الحياة استغراقا فى التأمل وفناء فى الغير ، وحياة كهذه جحيم لا يطاق ورق لا امل بعده فى الانعتاق

أي يأس من البشر مميت يعترينا بين يدى انفس الغير اذ نقف على تجاور بل تلبس الشر بالفضيلة وتعايش الغدر والوفاء فنرى الاجرام يدب دبيبه السافر والخساسة  تتباهى متكالبة مزهوة والحسد ينساب متسللا يتصدى للنزاهة وينطوى عليها فى شهوة ضارية . . . اذ ذاك نشعر بصدق قول الشاعر الحكيم :

أحسن الله بنا ان الخطايا لا تفوح     فاذا المستور منا بين ثوبيه فضوح

معزول عن نفسه معزول عن الغير ذلك هو الانسان . ولكن وهنا مجال انسانيته - عليه ان يتخطى هذه العزلة ، ان يفصم عراها ويفكها فكا . وإلا يكون قد اخفق كانسان وتلقفته هوة المأساة

اشترك في نشرتنا البريدية