- ٢ -
وضرب الامام سحنون لانه اشتد على ابن ابى جواد حين قال بخلق القرآن في افريقية ومات تحت السياط . قال الحجوى في تاريخ الفقه ولما ولى محمد بن عبدون القضاء بعد موت سحنون بالقيروان ضرب طائفة من اهل العلم من اصحابه وطيف بهم على الجمال بغضا منه فى مذهب مالك واصحابه ومات منهم على الجمال ابو اسحاق ابن المضا وابو زيدان ابن المديني . ومنهم احمد بن معتب وابن مفرج وكان ابن عبدون حنفيا فلو ساعده امير البلاد على ما أراد من القضاء على المالكية لملأ منهم مقبرة عظيمة .
وفي طبقات علماء افريقية ان ابن البرذون ضرب خمسمئة سوط ثم ضم الى السجن هو وابن هذيل ثم ضربت رقبتاهما وربطت ارجلهما بالحبال وجرا مكشوفين غير مستورين من دار الإمارة ثم صلبا ثلاثة ايام .
وضرب ابو العباس ابن السندى وابن معتب وابن عروس وخلع لسانه من جهة ترك ) حي على خير العمل ( فى الاذان وترك البسملة فى صلاة الفريضة .
وضرب التسترى الشافعي وعذب ، وضرب ابو القاسم مولى مهرويه وعلى السدرى من العباد النساك سنة ٣٠٨ ه ثم قتلا وصلبا ومثل ذلك وقع للقضاة والعلماء في افريقية كابن عتاب وابن القطان والعبيدى
وضربوا البهلول بن راشد وكان يروى عن مالك وسفيان وغيرهما من الاجلة
وضربوا البهلول بن عمر التجيبى فلما مات رموا نعشه بالحجارة وهو ممن سمع ابن لهيعة والليث المصرى ومالكا .
وفي تاريخ علماء الاندلس للفرضي انه اتهم محمد بن مسرة القرطبي بالزندقة لما عرف من خروجه عن العلوم المألوفة آنذاك ولحقت التهمة ابن الاقليلي ايام هشام المروانى وامتحن حكم بن محمد المقرى القيروانى من اجل تصلبه على الكتاب والسنة وانكاره على اهل البدع والخرافات .
وذكر ابن بسام في " الذخيرة " وغيره ما كان من امر ابن حزم واحراق كتبه فى اشبيلية لنصرته السنة وتركه التقليد وهو احد أعلام هذه الامة ومثل ذلك فعلوا بكتب ابن رشد فمزقوها فى الاندلس ، ونفي المنصور بن ابى عامر ابن رشد وابا جعفر الذهبى وأبا عبد الله قاضى " بجاية " وقتل ابن حبيب فى اشبيلية بسبب الفلسفة ، وأوذى ابو بكر بن عرب وهو احد الائمة لانه اعزم الامر بالمعروف والنهى عن المنكر واخذت كتبه وصرف عن القضاء وسلب المال .
وممن امتحن ابو بكر الجيانى سنة ٥٩٦ ه وشى به للمنصور بن عبد المؤمن انه ترك التقليد ولزم العمل بالحديث وامتحن الركن عبد السلام بن عبد القادر الجيلي لانه قرأ علوم الاوائل واقتني كتبا فيها فأحرقت كتبه فى دار السلام .
ولزم ابو على المتكلم بيته خمسين سنة خوفا من عامة بغداد . وفي اخبار الحكماء للقفطي ان عمر الخيام خشي على دمه لما قدح اهل زمانه فى دينه فأمسك من لسانه وقلمه وحج متاقاة لاتقية .
وأمر الظاهر غازى ابنه بقتل الحكيم الشهاب السهروردى كما فى تاريخ الاطباء لابن ابي اصيبعة ، وحسدت جماعة من فقهاء مصر سيف الدين الأمدى أحد الاذكياء في المئة السادسة فهرب الى الشام واستوطن " حماة " فنجا .
وخنقوا لسان الدين ابن الخطيب احد المشاهير بالادب فى المغرب فقتلوه واخرجوا اشلاءه فأحرقوها ، وتوفى الصولى احد علماء البصرة مستترا خوفا من فتك الخاصة والعامة به ، ومات ابو عبيدة معمر بن المثنى امام اللغة بالبصرة سنة ٢١١ ه ولم يحضر جنازته احد من الناس حتى اكترى لها من حملها ، واراد اهل دمشق قتل ياقوت الحموى فهرب
وابتلى شيخ الاسلام ابن تيمية وسجن مرارا وعذب في سبيل الله ومثله وقع لابن
القيم وذلك لاقامتهما الحجة على الحضور واظهارهما الحق في مسائل التوحيد والصفات والعقائد وغيرها وكتب السلطان ان من اعتقد عقيدته حل ماله ودمه . وثارت فتن كثيرة فى بغداد خربت بها الاحياء وقتلت جماعات من العلماء واحرقت أسواق للكتب وتوجد شواهد من ذلك فى " زبدة النصرة " لابن العماد " ومناقب بغداد " لابن الجوزى وشتى كتب التاريخ . وفي هذه الفتن لقى الله الامام محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ من اجل كتاب الف في اختلاف الفقهاء فاشتد عليه الناس وشغبوا ورموه بالحجارة حتى لما مات منعوا من دفنه نهارا وادعوا عليه الرفض والالحاد وحاشاه من ذلك .
أما بعد فهذه بعض امثلة من النكبات التى منى بها العلماء والمفكرون في متخلف العصور ولكل هذا اسباب وأنواع لا يسع المقام شرحها كما وسع ايرادها كحقائق تاريخية لا تدليس فيها ولا كذب بل فيها عبرة لمن اعتبر بما مضى وغبر

