الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

أمهات كتب التفسير القديمة والحديثة، مالها وعليها

Share

- ٥ -

تفسير البحر المحيط لأبي حيان النحوى الاندلسي المتوفى سنة ٧٤٥

إن أبا عبد الله محمد بن يوسف بن حيان الاندلسي الشهير بأبي حيان هو الذي نقل لنا في تفسيره قول بعض العلماء في تفسير الامام الرازي ، " فيه كل شئ إلا التفسير " وكانه ارتضى هذا القول ، وقد قدمنا ما فيه ، وهو الذي وصف تفسيره هو ، باوصاف جامعة ، كتفسير مفردات الاية لفظة لفظة ، وبيان ما يحتاج اليه من اللغة والاحكام النحوية ، ثم الشروع في تفسير الأيات

الكريمة ذاكرا أسباب نزولها ، وناسخها ومنسوخها ، وارتباطها بما قبلها حاشدا فيها القراءات شاذها ومستعملها ، ذا كرا توجيه ذلك في علم العربية ناقلا اقاويل السلف والخلف في فهم معانيها ، متكلما على جليها وخفيها ، بحيث لا يغادر منها كلمة وان اشتهرت حتى يتكلم عليها ، مبديا ما فيها من غوامض الاعراب ، ودقائق الآداب ، من معان وبيان ، ناقلا اقوال الفقهاء وغيرهم في الاحكام الشرعية ، ممافيه تعلق باللفط القرآني مختتما الكلام في جملة من الآيات التى فسرها إفرادا وتركيبا بما ذكروا فيها من علم البيان والبديع ملخصا (ثم قال) - بعد ذلك الوصف الجامع ، الذي يقف عليه المطالع في مقدمة البحر  : ثم اتبع آخر الايات بكلام منشور ، اشرح به مضمون تلك الآيات على ما اختار من تلك المعاني ، ملخصا جملها فى احسن تلخيص ، وقد يحبر معها ذكر معان لم تتقدم في التفسير ، وصار ذلك انموذجا لمن يريد ان يسلك ذلك فيما بقي من سائر القرآن "

وأنت إذا رددت النظر على مواضع من تفسيره ، يظهر لك أنه رحمه الله  لم يطبق هذا الوصف العام الذي اشرنا إلى بعضه في تفسيره ، بل غلب عليه تفسير المفردات والمركبات من جهة اللغة والقواعد العربية ، وايراد أفول النحاة والمعربين في ذلك ، بحيث تختلف أقواهم اختلافا بينا ، وتتعدد آراؤهم تعددا ظاهرا حتى يتيه السالك في مفاوز تلك الاقاويل ، ويضطرب في بحران ذلك المحيط الذي لا تقحم لججه ، ولا يمتطي بثجه . وقد تنبه المؤلف رحمه الله الى ذلك ، وأشار اليه في مقدمة تفسيره ( النهر ) الذي استقاه من  البحرفقال: :

ونكبت عن ذكر ما في البحر من أقوال اضطربت بها لجحه ، واعزاب متكلف تقاصرت عنه حججه ، وتفكيك اجزاء يخرج بها الكلام عن براعته ، ويتجرد من مفاخر بلاغته وفصاحته "

وهاك نبذة يسيرة من تفسير البحر ، تدلك على ما وصفه به مؤلفه في النهر ، من تفكك أجزائه ، وذهاب روائه ، قال فى تفسير المتقين ، الذين يؤمنون " بالغيب " الغيب : مصدر غاب يغيب اذا تواري ، وعي المطمئن من الأرض غيبا لذلك ، او فعيل من غاب فأصله غيب وخفف نحو لين فى لين ،

والفارسي لا يرى ذلك قياسا فى بنات الياء ، فلا يجيز فى لين التخفيف ، ويجيزه في ذوات الواو ، نحو سيدوميت وغيرهما قاسه فيهما ، وابن مالك وافق آبا علي في ذوات الياء وخالف الفارسي في ذوات الواو ، فزعم انه محفوظ لا مقيس ، وتقرير هذا فى علم التصريف

وأطال في لفظ الصلاة ، وتفسيرها ، ومأخذها ، واشتقاقها ، وتصريفها ، مع أن موضوع التعريف والتصريف لمثل هذه المفردات التى لا يدع منها شيئا دون الكلام عليه بمثل مارايت ، - هو علم اللغة والصرف ، ومثل هذا التفسير للمفردات والجمل الاعرابية ، وبيان الوجوه والاحتمالات النحوية والبيانية ، يبعد عن الهداية العظمى التى انزل القرآن لأجلها ، والتي عمل بها الرسول صلوات الله عليه وعلى آله ، فأنقذ هذه الأمة من جهلها ، وقد كانت لهم هذه الملكات اللسانية من قبل ، فصرفوها فى الهجاء ، وأشعلوها بينهم فتنا عمياء ، هو جاء ، فما أغنت عنهم لغتهم شيئا ، حتى نزل عليهم الوحى من السماء فأنقذهم مما كانوا فيه .

وقد جاء فى مقدمة تفسير المنار للسيد الامام ما نصه :

التفسير قسمان (احدهما) جاف مبعد عن الله وكتابه ، وهو ما يقصد به حل الألفاظ واعراب الجمل ، وبيان ما ترمي اليه تلك العبارات والاشارات ، من النكت الفنية ، وهذا لا ينبغي أن يسمى تفسيرا ، وانما هو ضرب من التمرين فى الفنون كالنحو والمعاني وغيرهما (وثانيهما ) وهو التفسير الذي قلنا انه يجب على الناس على أنه فرض كفاية ، هو الذي يستجمع تلك الشروط لأجل أن تستعمل لغايتها ، وهو ذهاب المفسر الى فهم المراد من القول ، وحكمة التشريع في العقائد والاحكام ، على الوجه الذي يجذب الأرواح ، ويسوقها الى العمل والهداية المودعة فى الكلام ، ليتحقق فيه معني قوله هدى ورحمة " ونحوها من الأوصاف ؛ فالمقصد الحقيقي وراء تلك الشروط والفنون ، وهو الاهتداء بالقرآن ، قال الاستاذ الامام

وهذا هو الغرض الأول الذي ارمي اليه فى قراءة التفسير : أى درس التفسير الذي كان يلقيه فى الأزهر الشريف ، ويسمعه جمهور العلماء والطلاب وسائر الطبقات . وكان صاحب المنار يقتبس منه شذوره الذهبية ، فيضمها الى تفسيره ، رحمهما الله تعالى .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية