-٣-
- ٧ تفسير الامام أبى عبد الله القرطبى المتوفى سنة ٧١ ٦
وهو المسمى ، " الجامع لأحكام القرآن "
كنا نسمع بهذا التفسير الجليل ؛ قبل أن نراه ، فلما طبع أقبلنا عليه نتصفح أجزاءه ليقف على خصائصه ومزاياه ، فرأينا منها ما يأتي :
١ - ان أول ما يتجلى للناظر فيه كون الآيات الكريمة المطبوعة بحرف . كبير ، يتميزها عن صدور التفسير ، مشكولة شكلا تاما ، معدودة بالأرقام وهذا الشكل التام شامل لآيات الشواهد أيضا .
٢ - جدة الجروف ، وجودة الورق ، وجمال الطبع ، والفصل بين الجمل بأنواع الفواصل ؛ التى تعين القارئ على صحة اللفظ وفهم المعنى .
٣ - أما التفسير نفسه فقد قدم له المؤلف مقدمة حافلة ببيانى- فضائل القرآن وآداب حملته ، وما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به ، وفي تببينه بالسنة ، ومعنى كونه انزل على سبعة احرف ، وفي جمعه وحفظه ، وذكر من حفظ القرأن ، في زمنه عليه الصلاة والسلام وما في ترتيب سوره واياته وايراد نكات في اعجازه ، إلى غير ذلك مما لا يستغني عنه متدبر للقرأن او مفسر
وأما طريقة المؤلف في التفسير ، فهي أنه يورد الآية أو الآيات ، ويفسرهاه بمسائل يجمعها فى أبواب ، فيقول مثلا : تفسير سورة الفائحة وفيها اربعة أبواب : الباب الأول في فضائلها وأسمائها وفيه سبع مسائل ( ويذكرها ) الباب الثاني في نزلها وأحكامها ، وفيه عشرون مسألة ، الباب الثالث في التأمين
وفيه ثمانى مسائل ، الباب الرابع فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والاعراب ، وفضل الحامدين ، وفيه ست وثلاثون مسالة وهكذا وتارة . يكون التفسير بمسائل يعدها على نحو ما تعدم من دون فتح باب ولاذكر عنوان .
٥ - يتنقل المؤلف في هذه المباحث أو المسائل من تفسير المفردات اللغوية وإيراد الشواهد الشعرية إلى بحث اشتقاق الكلمات ومأخذها ، الى تصريفها وإعلالها ، إلى تصحيحها وإعرابها ، إلى ما قاله ائمة السلف فيها ، إلى ما يختاره المؤلف أحيانا من معانيها .
٦ - أحسن المؤلف كل الاحسان بعز والأحاديث إلى مخرجيها من أصحاب الكتب الستة وغيرهم ، وقد يتكلم على الحديث متنا وسندا ، قبولا وردا ، وهو بسند الأقوال إلى قائلها أيضا ، " ومن بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله .
٧ - أضرب عن كثير من قصيص المفسرين ، وأخبار المؤرخين ، واستبدل بذلك تبين آى الأحكام ( كما قال ) فضمن كل آية تتضمن حكما أو حكمين فما زاد مسائل تبين فيها ما تحتوى عليه من أسباب النزول والتفسير والغريب والحكم فان لم تتضمن حكما ذكر ما فيها من التفسير والتأويل .
٨ - وقد احسن المصحح السيد الببلاوى بشكل ما يشكل من الأعلام والآبيات ! ووضع تعليقات تتضمن ما خفي من المراد " فجزاه الله على حسن صنيعه خيرا ، أما ملاحظاتنا على هذا التفسير الجليل فمنها :
١) إنه كان من تمام الاتقان أن يوضع فى رأس كل صفحة خلاصة ما تضمنته علاوة على ذكر الجزء واسم السورة ليكون المطالع على علم مجمل بها قبل قراء تها
٢ ) أن توضع فهارس في أواخر الاجزاء ، مرتبة على حروف الهجاء تذكر فيها أسماء الأعملالم ، وأوائل الأبيات ، وأهم ما فسر في التعليقات ؛ ليسهل الرجوع اليها عند الحاجة .
٣) يبدو للمتأمل في التفسير نفسه أن يغلب عليه البحث في الفنون العربية ، والمباحث اللغوية ، والمسائل الفقهية ، فمن امثلة النوع الاول تفسيره لقوله تعالى وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا " فقد ذكرآن هذه الاية نزلت
فى المنافقين وأن أصل لقوا : لقيوا ، وأعلها قال وقرأ محمد بن السميقع لاقوا ، والأصل لاقيوا وأعلها كالأولى إعلالا صرفيا صرفا ولم يزد على ذلك حرفا . ومن الثاني تفسيره لآية " وعلم ادم الأسماء كلها " فقد كنت اكثر من صفحتين فى أصل لفظ آدم ومأخذه واشتقاقه ومعناه . ومن النوع الثالث تفسيره لآية ويقيمون الصلاة " فقد ذكر فيها ثماني عشرة مسألة استغرقت أربع عشرة صفحة ، فكان منها أحكام الاقامة ، وبعض ما يتصل بالامامة ، والاقتداء والقضاء ؛ وركعتا الفجر ، ثم لفظ " الصلاة " وماخدها اللغوي وشواهده ومعناها الشرعى ، وفروضها فى المذهب المالكى ونص عبارته رحمه الله " وأما فروضها : فاستقبال القبلة والنية ، وتكبيرة الأحرام ، والقيام لها ، والركوع والطمأنينة فيه ، ورفع الرأس من الركوع والاعتدال فيه ، والسجود والطمأنينة فيه ، ورفع الرأس من السجود ، والقعود بين السجدتين - والطمأنينة فيه ، والسجود الثاني والطمأنينة فيه ولم يذكر الجلوس والتشهد الثاني والسلام : وهي فرض عند الشافعي وأحمد بن حنبل فى رواية وحكاه أبو مصعب فى مختصرة عن مالك وأهل المدينة ، ولكن المؤلف ذكر الفروض عند غير مالك ايضا واورد مذاهب الأئمة وأدلتهم في ذلك ورجح بعضها على بعض ترجيحا مذهبيا ، وقال بعد تمام البحث ( ص ١٧٧ ) قلت : فهذه جملة من أحكام الشلاة ، وسائر احكامها يأتي بيانها فى مواضعها من هذا الكتاب محول الله فعلى . ثم ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقبلة والمبادرة الى الأوقات وبعض صلاة الخوف في هذه السورة ، وقصر الصلاة ، وصلاة الخوف فى النساء والاوقات في " هود ؛ وسبحان ، والروم وصلاة الليل في " المزمل " وسجود التلاوة فى الأعراف وسجود الشكر فى ص .
لقد علمت أيها القارئ الكريم مما أوردنا مذهب المؤلف ومشربه فى هذا التفسير ، وان المباحث اللفظية شائعة فيه ، بل هى غالية عليه ، ومنها ما لا حاجة اليه ؛ كحكاية الخلاف في كنية أبي البشر وفي عمره ، ونقله عن أهل
التوراة ووهب بن منبه مما فيه تطويل من دون طائل وكالرواية عن كعب الاحيار فى أن أول من وضع الكتاب العربي والسرياني ، والكتب كلها وتكلم بالاسنة كلها آدم عليه السلام وغير ذلك من الاخبار والمبالغات التى لا يصح فيها نقل ولا يؤيدها الواقع ، على أن هذا التفسير أقل من غيره ذكرا لمثلها ، ومما يؤيد قولنا ان اكثر مباحثه لفظية أنك لا نجد فى جميع ما أطال به من ذكر أحكام الصلاة التى ساقها فى سور متعددة وذكر صورها القولية والعملية عند ذكر آياتها المتفرقة - ومحل هذا التفصيل في كتب الفقه لا التفسير - لا تجدت توسعا في مقاصدها الروحية ، وأعمالها القلبية ، واصلاحها النفسي ولا الاجتماعي ، وقد رجعنا الى تفسير قوله تعالى : " قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشون لنرى من الاناضة فى أسرار الصلاة وآثارها مثل ما رأينا فى شرح صورها وأعمالها ) فلم نري شيئا من ذلك ، مع أن هذا هو بيت القصيد ، وسر التكليف ، ومبزان صحة الايمان ، وفيه صلاح نوع الانسان ، وقد ذكر في تفسير الآية ثلاث مسائل ) ١ ) فى سبب نزول الآيه ( ٢) فى خفض البصر (٣) فى اختلاف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها وكملائها ، ( قال ) والصحيح هو الاول ومبعثه القلب أه ملخصا ( ج ١٢ ص ١٠٢)وهو آخر ما رأيناه مطبوعا عند كتابة هذه الكلمة
وجملة القول : إن هذا التفسير جامع ، وبيانه رائع ، ولكن هذه الأبواب التى فتحها ، والمسائل التى شرحها . فيها تطويل كثير ، لا يدخل في موضوع التفسير ، وإذا كان بعضها من وسائله ، فان ما يدرس في كتبهاليعين على فهم مقاصده ، ولو زيد فى المقاصد مقدار ما يمكن ان يستغنى عنه من هذه الوسائل والمسائل ، لبلغ هذا التفسير الغاية من نوعه ، ولكان له حق التفضيل على غيره .
(يتبع)
