) فضيلة الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار غنى عن التعريف ، فهو عضو المجمع العلمى بدمشق ورئيس دار التوحيد السعودية ، وقد تفضل على المنهل بهذه المحاضرة القيمة التى القاها فى المسجد الحرام فى محفل زاخر من الفضلاء والعلماء و وجوه الناس فكان لها الأثر الحميد .
اذار جعت البصر الى ما اودع فى بطون المكاتب والفهارس من كتب . التفسير رايت منها ما لايكاد يحصى ، واخذتك الدهشة من كثرة ما الف في القرآن الحكيم وفنونه ، وله مري : ان هذه التفاسير لاسيما الامهات والمهمات منها آية بينة على عظم أيمة التفسير ، وشغفهم باستخراج كنوز الكتاب العزيز وصرفهم اعز ما يملكون فى هذه السبيل ، فجزاهم المولى افضل الجزاء
ليس قصدنا احصاء ما ألف من كتب التفسير قديما وحديثا ، ولا بيان اسمائها وأنواعها ، فان ذك معروف فى فهارس الاحصاء التي تكفلت ببيان ذلك ، وانما الغرض الاشارة الى اهم ماهو فى متناول الايدى منها ، واشهره ثلاثة انواع ( ١ ( التفسير بالمأثور . ) ٢ ( التفسير بالمعقول ) ٣ ( التفسير بالفنون اللسانية وقواعد الأصول ومصطلحات العلوم
١- تفسير ابن جرير الطبرى المتوفى سنة ٣١٠
فاما التفسير بالآثار ، فأجل كتبه تفسير الامام ابي جعفر محمد بن جرير الطبرى فقد فسر القرآن بلغة القرآن واقوال الصحابة والتابعين لهم باحسن على انه لم يكتف بايراد المأثور عنهم بل وضع ميزان العدل والنصفة بينهم ، ورجح بعض اقولهم على بعض بما قام عنده من وجوه الترجيح ، وأعظم بهذا التفسير الذى يجدد لك فهم القرآن بلسان عربى مبين ، فتعلم معانيه فى مفرداته وتراكيبه ، علما يدعوك الى العمل ، ويدنيك من الصدر الأول ، ويعرفك الاسباب التى وردت الآيات فى شانها ، والمقاصد العليا التى انزل القرآن من اجلها ، فلا تزيغ بك الآراء ،
ولا تعصف بك الشبه والاهواء . ولم تسر الخرافات والاوهام واللو ثات الجاهلية فى هذه الامة الا بسبب الجهل بلغة القرآن ، وحمل الفاظه على غير معانيها ، بل على معاني الضعف والعجز والجهل ، ومثل ذلك دقة القرآن فى حكمه على الأمة والشعوب ، فهو يزن بالقسطاس المستقيم ، فتراه تارة يعبر فى حكمه على الأمة بلفظ ) الكثير ( كقوله : " منهم امة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون " وتارة بلفظ ) الأكثر ( كقوله : " وان تطع اكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " واذا أطلق اداة العموم يستثني كما فى قوله : " ثم توليتم الا قليلا منكم وانتم معرضون " .
قال حكيم : إن القرآن يبين حقائق ما عليه الأمم فى عقائدها واخلاقها واعمالها يزن ذلك بالقسطاس المستقيم . والدقة التى نراها فى القرآن لم نرهافى كتاب عالم ولا مؤرخ . ولكن وجد فينا معشر المسلمين من طمس هذه المزية ، وجعلوا كل ما ينكره القرآن من فساد الأمم ، من قبيل هجوغير المسلمين وكل ما يحمده ، هو خاصا بالمسلمين ، حتى كأ نه شعر لا يقصد منه الا مدح اناس وذم آخرين . وبهذا ينفرون غير المسلمين من الاسلام ويحولون بين المسلمين والعبرة والاتعاظ وفهم الحقائق
٢ و ٣ - تفسير البغوى ) * ( المتوفى سنة ٥١٠ والخازن المتوفى سنة ٧٤١ انما جمعت بين هذين التفسيرين فى الوصف ، لأن تفسير الخازن رحمه الله منتخب من تفسير ابى محمد بن الحسين بن محمد البغوي مع فوائد اخرى لخصها من كتب التفاسير المصنفة كما قال ؛ وقال ايضا : " فما اوردت فيه من لاحاديث النبوية عزوته الى مخرجه وبينت اسم ناقله " ولعمرى إن هذين التفسير ين يليان تفسير الحافظ الشهير عماد الدين بن كثير الآتى ، فى الأفصاح عن معانى التنزيل ، والبعد عن الأغراب فى الأعراب ، وتكثير الوجوه ، والمحتملات اللفظية ، وعن الاشتغال بمباحث وعلوم اخرى لا يتوقف عليها فهم الآيات
الكريمة ، ولا الاهتداء بهدي القرآن ، لكن العجب من الامام البغوى ، الملقب بمحيى السنة ، ومؤلف كتاب ) مصابيح السنة ( الذى ميزفيه بين ضحاح الاحاديث وحسانها ، كيف ينقل فى تفسيره ) معالم التنزيل ( الأخبار الاسرائيلية التى لا تصح ؟ كالذى اورده فى خبر ) التابوت ( وما كان فيه ، وغيره كثير ، وتبعه فى ذلك الخازن . كما انه اقتدى به وزاد عليه فى رد بعض المفتريات على مقام النبوة ، كما تراه فى الفصل الذى عقده الخازن فى تفسيره دفعا لما اورده فى قصة زينب بنت عمة النبى آميمة ، ووقوع محبتها فى قلبه عند مارآها وارادته طلاق زيد لها ، منكرا عليهم دعواهم انه ) ص ( رآها فاعجبته وهى بنت عمته ، ولم يزل يراها منذ ولدت ، ولا كان النساء يحتجبن منه صلى الله عليه وسلم ) اى قبل الحجاب وهو زوجها لريد ، فلايشك فى تنزيه النبى ) ص ( عن ان يأمر زيدا بامساكها ، وهو يحب تطليقها من زيد ، كما ذكر عن جماعة من المفسرين فهذا دفاع الخازن عن مقام النبوة فى قصة زينب ، وهو دفاع كما تزاه معقول .
اما إيراد الخازن القصص الاسرائيلية ، فما هم فيهاباولرائداعجبته خضرة الدمن ، ورآى فيها حسنا ماليس بالحسن ، بل ذكر فى نقوله ما ذكرته كتب التفسير ، ولم يخل من الاسرائيليات حتى ولا ابن جرير وابن كثير ، وما يحكونه من اقاويل اهل الكتاب ، كتعيين عمر الدنيا مثلا ، يروون فيه : ) حدثوا عن بنى اسرائيل ولا حرج ( من حديث عبد الله بن عمرو عند البخارى ، ولهذا كان عبد الله بن عمرو ) رض ( قد اصاب يوم اليرموك زاملتين ) الزاملة : الدابة من الابل وغيرها يحمل عليها ( من كتب اهل الكتاب ، فكان يحدث منها بما فهمه من هذا الحديث من الاذن فى ذلك ، ذكره شيخ الاسلام ابن تيمية وابن كثير فى مقدمة التفسير وقال : " ولهذا يختلف اهل الكتاب فى هذا كثيرا ، ويأتى عن المفسرين خلاف بسبب ذلك ، كما يذكرون فى مثل هذا اسماء اصحاب الكهف ولون كلبهم ، وعددهم ، وعصا موسى عليه السلام من اي الشجر كانت واسماء الطيور التى احياها الله لأبراهيم ، وتعيين البعض الذى ضرب به القتيل من البقرة ، ونوع الشجرة التى كل الله منها موسي ، الى غير م
ذلك مما ابهمه الله تعالى فى القرآن مما لافائدة فى تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا فى دنياهم ، ولكن نقل الخلاف منهم فى ذلك جائز .
والمقصود ان الخازن رحمه الله لم ينفرد بهذه النقول عن كعب و وهب وغيرهما من مسلمة اهل الكتاب ، بل تبع غيره فيما اخطأ فيه او اصاب ، وكل يؤخذ من قوله ويترك ، وانما المعصوم من عصمه الله تعالى . واذن فلا يقال فى تفسيره : ) وخير ما يقال فيه انه مجموعة الا كاذيب ( كما قال فيه بعض واصفيه من الاساتذة المعاصرين ، بل هو تفسير جليل ، وان فيه مافى غيره ، وان اختلف كثرة وقلة ، واذا كان وصفه بمجموعة الاكاذيب ، هو خير ما يقال فيه فما هو شر ما يقال فيه ياترى ؟ ! ثم ماذا يقال فى تفاسير الباطنية التى عطلت مفاهيم اللغة والشرع جميعا ؟ ! ولعلنا نعودالي هذا الموضوع عند مناسبة ازشاء الله ( لها بقية )

