_ نشيد ذاتى
* لم أكن شيئا قبل أن أكون . ولما نزلت أرضا كنت كل شئ .
وطئت الارض فى ليلة مظلمة ، فمسحت أمى على جبينى وباركتنى القابلة .
ورغم الظلام الحالك الذى فتحت فيه عينى فقد رأيت الحياة وهى تبتسم لى بشغف واغراء . فما كان منى الا أن انحنيت لها اكبارا . حين ذاك تقدمت نحوى الحياة وطبعت على جبينى قبلة اهتز لها كيانى . وأحسست أن الوجود قد تسرب فى أعماقى . فصرت أشرف على العالم من عل . وتلمست قوقعتى التى كانت فوق ظهرى فرأيت انها قد تشققت وبدأت تتناثر ، وخرج من تحتها جناحاى . فامتدا وطالا حتى احتضنا العالم كله . وقبل أن تقبلنى الحياة كنت أحسب أن اخوتى هم الذين ولدتهم أمى . ولما احتضنتنى فى حضنا الناعم . وقبلتنى قبلتها الخالدة ، رأيت أن العالم كله بيت صغير يأوى اليه اخوتى . وأبصرت العالم بأسره قلوبا تنبض بالمودة . وأيقنت أن من اخوتى من يسكن فى الفيتنام وفى هو نكونق وفى جبال الهملايا وفى كل ارجاء حديقتنا الارضية . حين ذاك احببت ذاتى أكثر ، وشعرت بتركيز كبير فى نفسي . . .
عندئذ تقدمت منى الحياة ثانية وباركتنى كما باركتنى القابلة . وراقصتنى على نغم توقعه أوتار الوجود الساحرة . نغم سرى فى كيانى ، وزادنى امتزاجا بالكون .
- نشيد اليوم والغد :
قلت لنفسى عندما كانت منتشية بأنغام الوجود ، لا بد أن يكون هناك هدف ومعنى لكى نحب الحياة ولا نهرب منها . فنظر الى أحد اخوتى وهو واقف على أحد جبال لبنان وهز رأسه ساخرا . . . وعلى وجهه يبدو الخوف
والرعب . قلت له وقد قرأت ما فى نفسه لكى نشق الطريق بأنفسنا علينا أن نكون أقوياء ، وأن نعرف العذاب حتى نصل نقطة القوة .
التفت نحوى عند ذاك أخى وهو يتراجع الى الوراء من فوق قمة الجبل وضحك ساخرا منى ثانية . ثم هز يده فى ذعر وأشار باصبعه الى سفح الجبل ، حيث تربض حية عظيمة ذات منظر بشع وجلد مبرقع بألف رقعة .
قال لى وهو يرتعش : انها ستبتلعنى .
قلت له : حاول أن تصعد الى القمة . قال لى : سأسقط وسيكون مصيرى الهلاك !
أحبته قائلا : ان الذى يسير الى الامام لا يخاف مغبة السقوط ، لان اكتشاف المجهول يغرية ويحتذبه . أما من يسير سيرا عكسيا فهو الذى يسقط فى الهاوية . . . أشار الى أحد اخوتى وهو واقف على اهرام مصر : أن انظر رجلى مشلولتين وهذا الحر يأكل جلدى ! .
قلت له : حاول أن تقطع رجليك القديمتين ، وانزع عنك جلدك البالى ، وخذ الحياة بقوة حتى تستطيع أن تبنى أهراما جديدة تكسر شوكة الزمن ، وتدحر قوى الطبيعة . طأطأ رأسه فى سكون وبدأ ينكت الارض بالحصى . . . قلت له انزع أثوابك البالية ، وهنا نسر سويا ونصعد الجبل ونضرب الحية من أعلى القمة . بكى عند ذلك فى ضعف . بينما تدحرج أخى الواقف على احد جبال لبنان ، وكاد رأسه يتهشم ، لولا أنه تعلق باحدى الصخور الكبيرة . قلت لهما : علينا أن نحطم سجن الضعف الذى نحن فيه . ان سجننا لم يصنع من حديد ، انما هو سجن صنعناه بأنفسنا من ورق ، وهولت قوة جدرانه الانانية ، فصرنا نخاف عبوره .
_ نشيد اللحظة :
كنت أتألم لان الحية التى أفزعت أخى قد شرعت فى الصعود الى الجبل . فنكست رأسى الهموم ، وعلى ملامحى بوادر ألف هزيمة .
قال لى أخوتى الآخرون وهم يسيرون فى دعة كأن شيئا لم يكن ، وخاطبونى بلا مبالاة تنذر بالسوء :
اننا ننشد اللحظة وليس فى قلب الغد ما يؤسينا . فهذه جبال لبنان الساحرة تباركنا ، وهذه ضفاف النيل تغرينا ، وهذا وجه تونس الخضراء يهزنا حبا ونشوة . فمالنا والمشاكل ؟ وما شأننا والتفكير ؟ . ان قلوبنا خلية . وثقل الغد يفسد عنا متعة اللحظة ! . . .
أجبتهم ونفسى مثقلة بالحزن : ان الحية الرقطاء قد ملات قلب الشرق وستأتى علينا جميعا ! . . .
فهيا نشد بعضنا بعضا ، ولنسر منشدين نشيد برومثيوس ، معتنقين دين زرادشت ، " ولنوقدها حمراء لا يردها انس ولا جان " فستطهر نفوسنا ، وسنبنى بسحر الارادة صرحا قويا نصعد عليه الى النجوم .
التفتوا الى جميعا ضاحكين قائلين :
_ أنت أبله سطا عليك الجنون . نحن لا نقبل أن نكون على دين زرادشت لاننا نرغب فى أن نشرب سلاف الحياة .
قلت لهم تمتعوا بالحياة وكونوا أقوياء يسحقون الضعف وينشدون نشيد الاجيال الآتية . فلم يأبهوا بقولى . وابتلع صوتى الفضاء .

