بهرتني أضواء المدينة فنسيتك يا أمي ! لم تنامى ليله سفرى لأن عينيك كانتا مبللتين بدموع المحبة والخوف من مصيرى . . كنت الى جانبى تتحدثين كما لو لم تتحدثي قط وأنا انظر الى شفتيك الذابلتين تتحركان فى شحوب فلا أملك الا ان ابتسم كى لا تشعري بما يعتمل فى صدرى من مشاعر متضاربة.
حذرتني كثيرا من المدينة فوعدتك ولما رأيتك لا تصدقين وعدي اقسمت لك بأنى لست طفلا حتى أضيع بين زحام الناس وأنسى قريتي الصغيرة وأهلى الفقراء . مسكينة أنت يا أمي !
أذكر جيدا تلك التميمة التى دسستها لى في يدى والتي ستكون لى حرزا يقينى الشرور حسب اعتقادك . وأذكر ما سكبت ورائى من ماء بعد أن ودعتني بدموع ساخنة .
أما التميمة فأنا لا أزال أحتفظ بها الى الآن رغم أنها لم تكن لي واقية قط واما ما هرقت ورائى من ماء فذلك ما لن أنساه لانك حدثتني كثيرا أيام طفولتى عن سره وأقنعتنى أن ذلك عادة تقوم بها كل أم إثر إقدام ابنها على أمر خطير .
فى الأشهر الأولى من اقامتى بالمدينة ، شعرت بالحنين اليك والى أهلى لأنى وجدت نفسى صدفة غريبا . وكتبت اليك رسائل حملتها آمالي فارتحت لما جاء فيها ودعوت لى بالسعادة . ولما تسلمت راتبى من الشركة التى أعمل بها ، ارسلت اليك بعض الدنانير ففرحت بها كثيرا وتمنيت أن يكون كل الأبناء مثلى !
ولم البث أن تعرفت فى المدينة على بعض الزملاء فنسيتك يا أمي وباعدت بين رسائلى اليك وانقلبت شخصا غير الذي تعرفين !
إن الحياة تفرض علينا فى بعض الاحيان ان نكون عبيدا لشهواتنا وان نبحر فى خضمها فننسى أنفسنا ونعيش حاضرنا ونقطع كل صلة بماضينا و نخطط لما ينتظرنا فى المستقبل البعيد.
وأنا يا أمي - ولا إخالك تعلمين - تنكرت لذاتى وأصبح راتبى البسيط غير كاف لشؤوني فلا تلوميني إن قطعت عنك مالي وأخبارى!
المدينة تبتلعني وأنا مبتهج ، أبعثر شبابى على منفضات السجائر وفي زحام الحانات وفوق أجساد بنات الهوى.
كرهت النهود المتكبرة يا أمي وعلمتها أن ترضخ تحت لمسات أصابعي . . سئمت النساء ! لماذا ! إذن ذكرت لى فى خطابك الاخير جارتنا السمراء ؟ لم أعد ذلك الطفل الذى يحلم بالزواج لان المدينة علمتني أن النساء " ذئاب في ثياب " . . أرجوك يا أمي أن تتركينى نصف مسلم فلا حاجة لى بزوجة تخوننى.. ابنك يا أمي عرف الكثير من النساء المتزوجات وعرف جغرافية اجسادهن فلا داعي أن تخطبي لى جارتنا السمراء لان تجاربى بالمدينة تصور لى أنها لابد ستخوننى . . لابد!
أنت تعرفين يا أمي أني لست جميلا ولكنى رغم دمامتى جررت الى فراشى أنضر الاجساد وأجمل الوجوه وتعلمت أن النساء سواسية فوق فراش الخطيئة . . لا فرق بين جميلة ودميمة إلا بحسن السلوك !
أريد أن أسر لك بخبر يا أمي لأني أعرف أنك لن تتبرئى منى مهما أتيت من الأمور.
ذات ليلة ، يا أمي ، بينما كنت أتجول فى شوارع المدينة الصاخبة استوقفتني فتاة تعمل معى بنفس الشركة وعرضت على أن أشرب معها فنجان شاى فى أحد المقاهى ، - لا تغضبي يا أمي فالمدينة تسمح للرجل والمرأة أن يتصاحبا الى المقهى وأن يتغازلا فى الطرقات حتى فى حالة جهل احدهما بالآخر - وقبلت عرضها ثم لما خرجنا ، ادلهمت السماء وأنذرت بالمطر فأشفقت على زميلتى من أخطار الليل وأبديت لها سرورى بإيوائها فى شقتي فرضيت وشكرتني كثيرا . .
لا تظني يا أمي أني احتلت عليها فقد سبق أن قلت لك إنى كرهت الأجساد . وقد شجعني على إيوائها ما لاحظت عليها من سلوك حسن فى الشركة .
ولما كنت بالشقة تخليت لها عن سريرى الوحيد وأزمعت على النوم في ركن من الغرفة لا يقل دفئا عن السرير غير أنها لم تقبل قسمتى وأرادت أن تأخذ مكانى وأن آخذ مكانها فعارضت وانتهى بنا الامر أخيرا الى أن قررنا أن ننام كلانا على نفس السرير . . . أو لسنا زميلين ؟
ونمنا - دون أن ننام - ولم نتجرد من ثيابنا فى البدء علامة للاحترام ثم لما استيقظنا كنا عاريين !
لا تصفعي وجهك يا أمي فإن ما فعلته مع زميلتى يفعله سكان المدينة كل يوم مع من يعرفون ومع من لا يعرفون.
لا تخشى إذن على ابنك من هذه الفتاة فقد تخلصت منها كما تخلصت من الكثيرات قبلها . أما ما أردت أن أسر به اليك فهو " فعلتى النكراء " في الشركة التى أعمل بها .
ابنك يا أمي سرق من مال الشركة كى " يعيش فى المدينة " . واذا تفطن إلى المدير فإنى لا محالة هالك . أعرف أنك ستفعلين كل شىء كي لا ادخل السجن وأعرف أنك ستبيعين كل جواهرك من أجلى : قرطك وسوارك وخلخالك الفضى . . ولكن هيهات يا أمي أن تساوى جواهرك ما سرقته من مال فى سبيل ليالي الحمراء !
صرت أعيش على أعصابي يا أمي فأنا لا اعرف كيف ستكون نهايتى . شبح الزنزانة يخيفنى وصياح الحارس يرعدنى ومنظرى وراء القضبان يخجلنى . فاذا دخلت السجن وسألك الناس عني فقولى لهم بكل بساطة : المدينة ! ثم اصمتي

