الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

أنا . . ولعبة الفراغ

Share

لا تغضبى . . أنا ضعيف امام أرمسترونغ " . لست وحدى . . مع ضعفى كان ضعف الآخرين . . على شاطئية تمرغ علم السلام . . هل سمعت . . زرعوا فى القمر السلام . . لعله صحيح بعد أن فاضت الارض سلاما ؟ شئ أقرته الصحف اليومية . . وحتى " تاص " السفيات . .

. لا . . لا قد جربت حبك . . قمرى مات . . هل تعلمين ؟ قمرى الاحمر قد انتحر . . . - قمرك لم يمت . أنا أحيا بنوره .

خرافة تماطلين بها السخفاء من بني جنسى . . قولى ما شئت . . قولى " تعال لقمر آخر . أما أنا فقمرى قد مات . .

. . كان أخوك يجلس معنا جسما ثالثا وفكرا ثالثا لكنه كان جامدا . . وكانت بين يديه جريدة يركض على سطورها فى سرعة ، ويأكل أخبارها فى نهم . . وفجأة توقف عن ابتلاع تلال ومنخفضات الكرة الارضية وكأن الركض قد أعياه . . لا تهتمى . . اسمعى ما سأقوله انه على الجريدة " هم افريقيون . وحوش أدغال لا يعرفون الحب . لا يعرفون الحضارة . . يأكلون لحم البشر . برابرة متهمجون من سلالة لا يعرفها التاريخ . . " وطوى أخوك صحيفة " نوموند " رماها على الطاولة ونظر فى وجهك الأشقر . عيناك لم تنظرا فيه طويلا . سرعان ما تعبتا وسقط النظر على قدميك لأن الزرقة فى عينيك ضعيفة لا تقاوم . . سقطت دمعة ، تبعتها ثانية وثالثة . . مرغت أنفك على صدرى . . قلت وشفتاك تقتربان من فمى : " عد الى غدا . . أبى صاحب معمل سيارات . . "

الشارع ضيق . . ويدك تسللت فى حذر الى يدى . . يدك تقبض على أصابعى . . كنت تسيرين الى جانبى فى خطوات ثقيلة . . كانت يدى تكركر جسمك الثقيل . . كنت صامتا كما كنت أنت صامتة . تتحرك شفتاك

وترقصان . . وتحاولين اختراق جدار الصمت حولنا ، فتفتعلين ابتسامة ذابلة سرعان ما أرى الشحوب يغلبها ويبتلعها . . كنت تمثلين دورك فى صمت . . روايتك فى هذا الصباح كانت صامتة . . اصطدمت ببائع الجرائد أوكدت وأنت دائما لاصقة بى ، تضغطين على أصابعى

- لماذا الارهاق . . ها هى جريدة " لوموند " . كانت يدى تبحث تحت طبقات الجرائد . . أورق الأوراق . أنظر العناوين . أتفحص الصور . . ( فيفارو - بارى سوار - لوموند . . ) . . أريد أخبار بلادى . . ما يجرى هناك . . فى عائلتى ؟ . . وسقطت يدك من يدى لتقف فى حزامك . وحاولت معاودة الكرة لتبطلى ما كان يحتدم فى داخلى فى صمت ، فخانك يبس شفتيك . . وأخيرا زلقت الحروف على لسانك يابسة ، متقطعة لاهثة . . ( باسم قمرنا . . خذها هى . . لوموند ) . .

. . تابعنا سرنا . وعادت يدك تشد أصابعى وتقبض عليها . . ساعدنى صمتك على التفكير . . تذكرت ( جميل بثينة ) . . وفكرت فى مأساته فى تلك القبيلة البائسة . . ولاحت لى صورة جميل وهو يطلب من بثينة ممارسة الحب ، لما جذبت من يده يدها وهى تقول . . ( ان القمر قواد ) . .

وتكلمت . . أنت دائما تعملين على قطع صمتى ومحاربته بكل الوسائل لأنك تعلمين ما يمثله خاطرى فى صمت . .

- مكان هادىء . . ان القمر فى بلادى جميل - لا تذكرى المرحوم . . لقد خنقته أيديكم - الأمريكان . . ولسنا نحن - كلكم أمريكان - وأنت ؟ - لست منكم . . أنا من هؤلاء

وامتدت يدى لتأخذ جريدة كنت أخذتها منذ يومين . ووقع اصبعى على نهر " الميكونغ " لكنك افتعلت اللامبالاة وعدت تحاولين اقتحام دورك . . والفشل نبت كجدار فى كل جوانب الأدوار . . وكانت رواية صامتة وعدت تجربين الكلام :

- هذه أرواح ميتة فى الحرب - أرواح متشحة بدم القمر المهزوم

وسقط النظر فى عينيك على قدميك . . أنت ضعيفة لا تستطيعين المقاومة . . عيناك سرعان ما تتخاذل فيهما الرؤية وتموت . . والصمت كان يحاصرك بسور حديدى . . أنت لا تستطيعين القفز على الأسلاك . . لا تحذقين الألعاب السويدية . . علم " أرمسترونغ " لا يحمل السلام الى القمر . . فأين السلام فى نهر " الميكونغ " . . هل عرفت الآن أن الصحف كذابة . . حتى " تاص " السفياتية . . .

قلت : - لا تبال . . أخى لا يفهم الحب .

- وأنت لا تفهمينه . . نحن أفارقة . . وحوش أدغال لا نصلح للحب . . جلودنا غليظة . . إن كنت تحبيننى فلأنك عاهرة . . لا تحزنى . . هكذا قال آباؤك منذ آلاف السنين . . قالوا لك حاذرى القشرة السوداء . . وأنا أقول لك . . أنا لست منكم . أنا من هؤلاء . . لكنك كنت مماطلة لا تعرفين الهزيمة . . فى حبك لا تعرفين الهزيمة لأنه عندك مماطلة ومراوغة .

- لا تهتم بأقوال آبائى . . - لا . لا تحاولى . . لأنى لا أهوى زرقة العيون . . لا أهواك جسدا وروحا . . الرجل عندك لعبة تقتل الفراغ . . .

. . تعثرت يدك فى جيب سروالى . وقعت على صورة قديمة مغلفة فى رسالة محروقة الأطراف . . دارت عيناك وتحرك فيهما النظر . . وضعت الصورة فى كفك وحدجت الكاغذ بنظرة فاحصة عابرة ورفعت عينيك . . كنت أتلهى بقراءة بعض السطور على الصحيفة . . وعدت من جديد تنظرين . قلبت الصورة . . كان اسمها مقرونا باسمى . . كذلك العنوان كان عنوانى وكذلك البلاد . . ودون أن ترفعى فى هذه المرة النظر قلت :

- انها صورة جميلة . . تصلح أن تكون تذكارا . . هى تقوم بخدمتك فى نظام هذه السوداء الفطسة . . وكادت ضحكة هستيرية أن تنبلج ، لكن أسنانى ما زالت متماسكة لم تفقد قوتها فجمدت الضحكة فوق لسانى . . ولبث لسانى

يستنشق رائحة هواء الصورة . . كانت رائحة تختلف عن روائح هذا البلد . . بقيت شفتى ترتعد . . أحسست بالألفاظ تدب حارة على حمرة لسانى . وقبل أن تتجمع وتصير معانى وجملا كاملة كانت تختنق تحت نهشات أسنانى وتسقط دامية على شفتى السفلى

نسيت أن القمر فى صحراء جميل وبثينة يفضح المواعيد . . وماذا يهمنى انا من القمر . . هنا مدينة وليست صحراء . . لكن الدافعين واحد . . هناك القمر . . وهنا ماذا ؟ . آه . . انه الكلام . . نعم ! الكلمات تفضح الانسان . . وهكذا تذكرت فخنقت ألفاظى قبل أن تفوت حمرة لسانى . . لعلك فهمت ما كنت أمثله فى صمت . . لكنك ضعيفة لا تستطيعين المقاومة . . ليس لك من سلاح سوى ابتسامتك هذه المعهودة الذابلة دائما على شفتيك المرتعشتين . . .

- اترك هذه السوداء . . . دع عنك هذا الجلد العارى الأسود . - لا تعودى الى هذا الكلام . . وماذا فعلت أنت بفروك الثمين ؟ . أنت تلبسين الفرو وهو يلبسك . . فيما أفادك ؟ . . جسمك بارد طول الوقت . تتلون الفواكه مع الفصول وفاكهة جسمك لا تعرف سوى لون واحد . الحرارة . . شهوتك حرارة . . حياتك حرارة وكلك حرارة . . حرارة ٠ لا . . لا تعودى . لن أسمح لك بهذا . . أنا لا أهواك ، هواك أحمر . لا يعرف الألوان الأخرى كالسواد مثلا . . اللون الأحمر لا يدخل الأدغال . لا يعرف سمرة افريقيا . . .

٠٠ كنت تتمرغين عارية . . هكذا عارية . . تتمرغين على فراش عار . . بجنبك امتد أشقر مثلك عاريا . . وحين دخلت انقلب على بطنه وترك ظهره يستنشق روائح الأقلام والقواير المبعثرة فوق الفراش . . صحت ولم تتحركى . . دفعت الباب بقوة ولم تتحركى ، كنت لا تعيرين للمتفرج حسابا . . لست مثلها . . مثل السوداء . . هى عندما تتعرى تختفى فى الغابة وتغيب عن المتفرجين . . كنت جامدة لم تتحركى . . ما تحركت إلا عيناك وبقيت تنظرين الى قامتى من تحت رجلى حتى أعلى رأسى الأسود الكث . أنت تحبين جسمى فقط لأنه متكامل . وتسحرك عضلاتى . . كنا يوما نسير فى الشارع المزدحم بالناس وكانت يدى تكركر جسمك الثقيل . كنت قد وقفت أمامى تنظرين وجهى قائلة . . كم تعجبنى . . شكلك جذاب . أنت تعرف المصارعة اليابانية . . لك فم جميل . اشتر الأقلام وعرج على بيتنا . . .

تأخرت بخطى عريضة أريد الباب . . لكنك فى هذه المرة اخترقت جدار الصمت فى شجاعة وجذبت المزلاج . كانت يداك أسرع من يدى . كنت هادئة ، متزنة أكثر مما كنت وقت عرفتك . . لأنك اعتدت بهذه المواقف . ومكثت أنا أحدق فى الجسم المنهوك الملقى على السرير عاريا . . وأحدق فيك أنت . . فى جسمك العارى . . لا . لا . أنت تعشقين الحرارة . وأنا لا أجيد اللعب بالنار لأننى افريقى . . لا يا شقراء حبك حرباء يتلون . . فى حبك تتصرف أقلام الشفة وليس قلبك . . .

لا أعلم ماذا فعلت بعد ذلك . . وجدت نفسى خارج بابك . . ولا أعلم ان كنت أحبطت دورك فى الرواية وانتزعت منك البطولة باختراق الحصار .

. . قلبي يرتعش بين أصابعى . . تنزل حروفه حارة على بياض الورقة فتلتهب السطور . أحسن لها بخارا يتصاعد ويختلط فى سماء الغرفة مع دخان سيجارتى اللاهثة . . كل شئ حولى صامت . . أقوال صامتة فى مجلدات صفراء . . حتى جثث الفلاسفة . . عجبا قد همدت فى رفوف مكتبتى . . آلات طبية ومحركات وصواريخ وأقمار صناعية كلها أصابها الصمت ، وصمت على بياض المجلات والجرائد . . لكنك أنت من جنس أرمسترونغ " ذلك اللعين الذى عكر صمت القمر . . والطرق على بابى كان ثقيلا على أصدقائى الفلاسفة والكتاب فارتعدت المجلات والجرائد فى رفوف مكتبتى . . وثرت واقفا . . لا بد من عمل . . لا تعودى . . ودفعت فى وجهك الباب . . لا تعودى . . لأنى كسرت أقلام الشفة التى اشتريتها بالأمس وزينت بها رسائلى وكتبت بها لأصحابى فى افريقيا ، رسالة بيضاء من الشوق والعتاب . . سمعتك تقولين : " افتح يا وحش الأدغال . كن مثلى أنا من جنس " أرمسترونغ " فضحكت فى نفسى . . سيدكم " أرمسترونغ " هذا فتح القمر ليلتحق بكمية " سلام ويقتلها . . كمية سلام كانت قد أفلتت من الأرض .

اشترك في نشرتنا البريدية