وراثة جديدة الوراثة الشفهية
ميشال تريقير ( Michel Treguer ) :
يحق لنا الآن القول بأننا وصلنا الى خطوط عامة يمكن أن تكون منطلقا الى لقاءات أخرى : وهو أننا امام ظواهر تتعلق بالنطق وبالتبليغ سواء كان ذلك فى مستوى الكيان العضوn او علم اللغة او الأنتروبولوجيا او الظواهر الانسانية . أتوجه الآن الى السيد ليريتيي ( Philippe L' Heritier ) بالسؤال وأقول له :
كيف يضع عالم الوراثة مشكل اللغة ؟
ف . ليريتيى : نعم . أرى ان جهاز تبليغ المعلومات هذا ، الممكن وجوده عند الجنس البشرى بفضل اللغة ، أدخل فى العالم الحياتى ضربا آخر من الوراثة يمكن أن نسميه الوراثة الاجتماعية او من الممكن وراثة الكلام .
ر . ج ( Roman Jakobson ) : الوراثة الشفهية .
ف . ليريتيى : نعم ، الوراثة الشفهية . وهذا اللون الجديد من الوراثة لا يخضع الى نفس القوانين التى يخضع لها اللون الاخر من الوراثة من حيث التطور . فنحن نرى ، مثلا ، ان الحافز للتطور هو أساسا الانتقاء الطبيعي وانه ليس هناك وراثة فيما يخص المكتسب ( l'acquis ) . بالنسة للانتقاء الطبيعى هناك اختيار لمختلف التوفيقات الوراثية combinaisons genetiques التى تنشأ عفوا بمقتضى توفيقات ثانية وخاصة بفضل الطريقة الجنسية .
ففى عالم الوراثة الشفوية نجد بالعكس المكتسب وراثيا . واذا اتفق أن كان للانتقاء حظ هنا فان ذلك لن يكون فى مستوى الفرد بل فى مستوى الجماعة . واذا قلنا الجماعة فنعنى الصنف من الحضارة وتصير عند ذلك بمثابة وحدة الانتقاء . ولابد ان كان هذا له دور فى التطور البشرى . هناك سؤال يمكن ان يطرحه عالم الحياة : هلا توجد وراثة إلا فى الجنس البشرى ؟ ألا يمكن ان تكون لها بوادر عند الحيوان ؟
اظن ان بوادر هذه الظاهرة وجدت عند الحيوان . غير انه لا يمكن تسميتها بوراثة شفوية اذ كنا نقول ان الحيوان لا يملك النطق . ولكن هناك وراثة اجتماعية عند بعض أصناف الحيوانات تتناقلها بالمحاكاة جيلا بعد جيل . بالاصوات المنبعثة من الطير مثلا ليست مكيفة حسب الموروث بل نجد الطيور الصغيرة تتعلم لغة آبائها . ولقد ظهر أنها تتعلم الصوت وهى فى البيضة أثناء الحضن اذ هى تسمع أباها او جار ابيها وهو يغرد فتتعلم لغة جنسها . فهناك حالات يكتسبها الحيوان مثل اجتنابه الوقوع فى الفخ الذى يضعه الانسان . لذا فاننا نلمس هنا ما يدل على وجود بادرة للوراثة الاجتماعية عند الحيوان غير أنه لا يؤبه به بالنسبة لما وجد عند الانسان . وأعتقد ان الذى خلق الانسان هى اللغة والوراثة الشفهية المرتكزة على قواعد جديدة .
ر . ج . : بل الامر عكس ذلك ؟ اذ الانسان هو الذى خلق الوراثة الشفهية
م . ت . : أظن ان النقاش أصبح فلسفيا .
ليريتيى : أعنى بذلك ان الوراثة الحياتية بلغت فى فترة ما من التطور درجة من التعقيد أصبح فى الامكان معها انبعاث هذه الوراثة الشفهية التى سمحت للتطور ان ينطلق على قواعد جديدة .
ر . ج : غير أن الانسانية خلقت قبل ذلك وخلقت الكائنات البشرية . .
ليريتيى : ولكنها لم تعد من البشر الا عند ما أصبحت تنطق .
ف . ج Francois' akob : هذا من قبيل قصة الدجاجة والبيضة .
ليريتيى : نعم . هو ذاك نوعا ما . وأخيرا فان هناك مشكل المحجورين ولقد وقعت بعض التجارب والانترولوجيون أحذق منى فى هذا الميدان . فما هى نفسية طفل متوحش ، طفل تربى من دون أن يعرف بشرا ؟
ك . ل . س Claude Levy strauss ) : نعم ، نحن نجد صعوبة كبيرة فى هذا الباب . ذلك ان لنا امثلة تاريخية مشهورة . وحتى الى اليوم فانه من حين الى آخر يظهر هذا الامر فى الهند .
م . ت : الاطفال الذئاب .
ك . ل . س : لقد عثر على أطفال ذئاب او اطفال متوحشين غير اننا لا نعرف ابدا هل أن الحالة التى وجدوا عليها متأتية من جراء اهمال قومهم لهم او ان قومهم أهملوهم لان بهم عاهة ما . من أجل هذا فانه من الصعب استخلاص النتائج .
ليريتيى : هى تجربة من دون شاهد .
ر . ج : فى رأيى انه يمكن الادلاء بملاحظة هامة وهو ان هؤلاء الاطفال لو انهم اندمجوا فى المجتمع الانسانى لامكن لهم تعلم اللغة واصبحوا حقيقة كائنات بشرية ولكن على شرط الا يتجاوزوا السن السابعة . لانه بعد هذا السن ليس فى مقدور اى كان تعلم اللغة الاولى . واظن اننا هنا ازاء كائنات بشرية لها جميع الامكانيات الحياتية التى تجعل منها ذاتا ناطقة ولهذا قلت ان هناك الانسان المالك لجميع المؤهلات فى هيكل دماغه والمخترع للغة .
ليريتيى : أنا على اتفاق معك . غير انه لو حرم هذا الطفل طيلة سبع سنوات من الوراثة الشفهية لما امكن له أن يصير رجلا .
ر . ج : هنا أصبحت المسألة مسألة اصطلاح .
ما هو مدى هذا التقارب بين علم الحياة وعلم اللغة
م . ت : أتوجه إلى السيد فرانسوا جاكوب ) Francois Jakob ) هل أوفق فى تلخيص الجزء الاول من هذه المحادثة عند ما أطرح هذا السؤال : بما اننا نجد فى جميع مستويات تنظيم المادة ظواهر تبليغ فأكبر الظن اننا سنجد تشابها فى المنهج او فى المعنى الكلى بين مختلف هذه المستويات التى سينجر ، عنها تشابه فى استعمال المفردات . فهل هناك انعكاس مستوى على الآخر وهل هناك ترابط حقيقى فى الصورة التى تسير بها هذا الكائنات ؟
ف . ج : أظن ان هذا جزءا من السؤال ؟ ذلك ان العجيب فى الامر هو ان ابسط طريقة للتحصيل على المركب هو التأثير على البسيط واعجب من ذلك هو ان المعلومات الوراثية مكونة من تجاور أربع وحدات وتتابعها كما ان اللغة مكونة مما تخضع له وحدات قليلة العدد من تنظيم وتوافق وتناوب وتتابع بينها . هناك مشكل آخر وهو مشكل الاصطلاح . فعندما يتحدث عالم الحياة والفيزيائى عن الهيكل فانهما لا يتجهان فى فهمه نفس الاتجاه الذي اعتقد ان العلوم الانسانية تتجه اليه . فالهيكل بالنسبة للفيزيائى والكيميائى وعالم الحياة هو شئ واحد وهو خاصة تنظيم للذرات فى أبعاد ثلاثة .
ليريتي : مكانية .
ف . ر : نعم . التنظيم المكانى للذرات قبل كل شئ . أما فيما يخص مشكل اللغة فاننا ، نحن علماء الوراثة المرتكزة على الجزئيات ، تعجبنا من التشابه الموجود بين هيئة التوفيقات الوراثية وبين هيئة التوفيقات اللغوية ولكننى أرغب فى أن أترك الكلمة لعالم اللغة حتى يتحدث فى هذا الموضوع على لساننا .
م . ت : هل انت موافق يا سيد جاكبسن ( Jakobson ) على القول بان هناك تشابها بن لغة الانسان وبين الختم الوراثية ؟ ( code genetique )
ر . ج : بالضبط فلقد قلت فى نفسى عند ما قرأت لاول مرة مصطلحات لغوية فى أدب الحياتيين : يجب الانتباه الى ان الامر لا يتعدى ضربا من الكلام و انه أعمق من ذلك . غير انه يجب على ان أقول ان ما قام به الحياتيون موافق تماما نظرة علماء اللغة ويمكن لهم ان يمضوا الى أبعد من ذلك . ما الذى يربط اذن بين علم الوراثة على صعيد الجزئيات وبين الجهاز اللغوى ؟ هنا نفس الهندسة ونفس أسس البناء . هناك مبدأ نظامى principe hierarchique
ولقد لاحظ علماء اللغة منذ زمان هذا النظام ( hierachie ) . وهناك وحدات ووحدات أصغر منها كما يقول علماء الوراثة وهذه الاخيرة لا تعمل بمفردها اذ ليس لها دور مستقل . فنحن نجد كما يقول ايضا علماء الوراثة نوعا من " ألفباء " ) alphabet ) تخضع له هذه الوحدات الصغيرة وتوفيقاتها المختلفة مستعملة فى وحدات اكثر استقلالا ولها وظائفها الخاصة . وهذه الوحدات بينة جدا من الوجهة الهندسية للجهاز ويسميها علماء الوراثة الامريكيون الفاظ الختم ( Les mots du code ) . وهي تستعمل من جهتها مختلف التوفيقات الخاصة بالوحدات الاربع وبالوحدات الصغيرة وهذه التوفيقات المختلفة فى نظامها وتركيبها تقوم بدور تفاضلى ( un role differentiel )
ولهذه الوحدات قوانين فى تركيبها فهى كما يقال ثلاثيات ( triplets ) ومن العجيب ان نجد أن المصدر فى كثير من اللغات ثلاثى . وانتم تعلمون ان هناك قوانين لهيكل " المصادر " الهند أوربية أو السامية الشبيهة بهذا النوع . ثم ان هناك توفيقات أعلى من هذه قادرة على خلق تنظيمات اكثر تعقيدا أساسية . وهذا ما يقع بالضبط فى اللغة وفى علم الحياة . اذن هناك المستوى الوظائفى للاصوات ومستوى العناصر المتفاضلة وتوفيقاتها ثم ،
مستوى الكلمات وأخيرا يأتى المستوى النحوى . وفى هذا المستوى النحوى نجد قواعد لغوية بفضلها يمكن لنا تجزئة الوحدات الطويلة الى وحدات مرتبطة بها وفى الكتابة نستعمل مختلف علامات الرقم ( Signes de ponctuation ) أعنى خاصة الفواصل ( virgules ) . والمهم . فى هذا هو ان عالم الوراثة يتحدث عن الرقم ويبين ان هناك نفس الظاهرة المتمثلة فى علامات البدء والانتهاء . وهذا يوافق ما سماه تروبتسكو ( Troubetskoy ) فى علم اللغة علامات الحدود .
والعجيب ، أننا ، نحن علماء اللغة ، تعودنا الى يومنا هذا ان نقول فى دروسنا أنه ليس هناك مثال آخر لنظام العناصر الخاوية التى تخلق بتوفيقاتها ثراء كبيرا فى وسائل التعبير . هذا هو إذن أقرب وجه من وجوه التشابه . لكن ، ما هي النتائج الاساسية لكل هذا ؟ ذلك ان عددا مضبوطا لمختلف درجات هذه العناصر المختومة ( codes ) يمكن من الحصول على رسالات
طويلة جدا وعجيبة التغير . ونفس الامر نجده فى علم الوراثة . فانك لا تجد شخصين يتشابهان تماما وكذلك فيما يخص المسائل المتعلقة بالكلام . م . ت : جملتان لا تتشابهان ابدا وشخصان لا . . .
وراثة الجزئيات والوراثة اللغوية
ر . ج : فى مستوى الجمل يمكن ان يكون تشابه لكن على صعيد الكلام بصفة عامة فانه لا يمكن التنبوء بشئ لان امكانية التغير لا تحد .
غير ان هناك وظيفة أخرى للغة وهى الوظيفة من الوجهة الزمنية بمعنى اللغة كوراثة ، كوصية ، كتعليم ينطلق من الماضي متجها نحو المستقبل . وهذا كما وضحه السيد ليريتى هو دور الوراثة اللغوية . وهنا نجد وجه الشبه العجيب . وهذا صحيح . اذ نجد دور الثقافة ، ودور التلقين عند الطيور . . وهنا يطغي دور النظام ( hierarchie ) إلى حد ان وراثة الجزئيات ( heredite moleculaire ) تأتى في المقام الاول ويأتى بعدها التلقين . اذ وجدنا فى التجارب التى أجريناها على الطيور المغردة انها لا تفقد لغتها حتى ولو حرمناها من التلقين وهى ما زالت فى البيضة .
ليريتيى : نعم ، انها تلقن الا شيئا قليلا بالنسبة للوراثة الحياتية .
ر . ج : وهذه الطيور تغنى كالبلابل ولكنها لا تجيد ، لان البلابل هى ايضا فى حاجة الى معلم بارع . بينما الاطفال لو وضعوا فى نفس هذه الحالة فانهم لن يتكلموا . وهناك أمر آخر وهو أن البلبل سيبقى يغرد مثل البلبل ولو تربى بين الدجاج بينما الطفل النرويجى عند ما ينقل الى افريقيا الجنوبية فانه يتقن لغة البانتو ( Bantu ) مثل البانتو الاصيل
ك . ل . س : أظن ان هناك لهجات للطيور وان طيورا من نفس الجنس ليست لها نفس اللغة اذا كانت أصيلة جهات مختلفة . وأظن انه وقعت تجارب غريبة فى المطارات . فلقد حاول القوم ابعاد الغربان بتسجيل أصوات مفزعة من شأنها ان تجليها ولكنها لم تبتعد وتبين ان تلك الاصوات ليست صادرة عن صنف الغربان الموجودة في المطار . نعم هناك لهجات محلية .
ر . ج : ولكنك مقتنع بأن الفارق طفيف . ك . ل . س : وهو كذلك ما فى ذلك من شك . و . ج : هناك فارق نظامى .
ليريتيى : ان التلقين عند الحيوان يعد تافها بالنسبة للوراثة . اما عند الانسان فان الامر غير ذلك .
ر . ج : ورغم ذلك فمن المؤكد اليوم انه لا يمكن ان يكون ستار حديدى بن الثقافة والطبيعة وان هناك دورا للثقافة عند الحيوان وللطبيعة عند الانسان واللغة هي بالضبط ظاهرة بين بين بالنسبة للطبيعة الحياتية والثقافة . وهكذا فانى اعتقد ان القدرة على تعلم اللغة هى من بين الظواهر اللغوية من قبيل الفطرة لان الكائنات البشرية هى القادرة وحدها على تعلم اللغة . ثم هناك شئ آخر فطرى لا شك انه من قبيل وراثة الجزئيات وهو هذا المبدأ architectonique الموجود فى كل لغة . فكل لغة لها نفس النظام بالنسبة للوحدات والقيم . وأظن انه ليس من المجازفة ان نفترض ان هذا الهيكل وهذا التشابه فى الهيكل بين الجزئيات وبين اللغة نشآ عن ان اللغة وقعت قولبتها فى هندستها على قواعد وراثة الجزئيات لان هيكل اللغة هذا هو على كل ظاهرة حياتية .
م . ت : ظهور اللغة ؟
هل وقعت قولبة اللغة على الظاهرة الحياتية ؟
ف . ج . : لا . لا . أفهم جيدا . لابد ان تكون ظاهرة حياتية وهلا تكون هذه هى الطريقة الوحيدة للحصول على المركب عن طريق البسيط ؟
ليريتيى : هذا هو بالضبط الذي فكرت فيه . ف . ج : وفي الاخير ليس لنا طريقة أخرى لنقل عدد ضخم من المعلومات الا بأخذ عدد قليل من الرموز واجراء توفيقات بينها بأساليب متعددة .
م . ت : أتوجه الى السيد جاكبسن . أرى من خلال ما قلته أنك وجدت تشابها فى الهيكل وفى التنظيم الوظائفى بين اللغة و " الختم " الوراثى وهذا التشابه عجيب جدا اذ هو يتناول من جهة أدق الدقائق والطفها ومن جهة أخرى الوحدات الكبيرة وعلامات الرقم الخ . . ثم ينتهى بك الامر الى القول بأن هذا التشابه ناشئ عن قولبة هياكل اللغة على الهياكل الحياتية . فما هو موقفك يا سيد جاكوب من هذا الافتراض وانت العالم فى الحياة ؟
ف . ج : بالفعل فان الترتيب النظامى يلفت الانتباه . غير ان المشكل الذى يمكن وضعه هو : هل ان احسن طريقة للحصول على المركب هى بواسطة التوفيقات بين عناصر بسيطة . وفعلا فان هذه الظاهرة موجودة فى جميع المستويات الطبيعية بما ان علماء الفيزياء وجدوا وقد غمرتهم الدهشة فى أوائل هذا القرن ان الذرة ، وهي المعتبرة من أدق الدقائق التى لا يمكن فصمها ، هي من قبيل التوفيقات وان جميع الذرات من الاصناف المختلفة الموجودة فى جدول مندلييف ( Mendeleiev ) هى ايضا توفيقات بين وحدات بسيطة . وكذلك فان الجزئيات هى توفيقات بين عدد
قليل من الذرات . وأغرب من ذلك فان أهم جديد في علم الوراثة هو التنبه الى ان المورثات ( Genes ) تعتبر بمثابة وحدات منظومة فى عقد من الدر ليست كل واحدة منها هيكلا مستقلا الواحد عن الاخر كما هو الشأن فى ( idiogrammes ) . فلقد ظن القوم طويلا ان المورثات هى ( idiogrammes ) وهى فى الحقيقة جمل مكتوبة حسب توفيقة بسيطة جدا . جدا .
وفى آخر الامر فانى متفق معك . وهناك تشابه عجيب فى المستويات ( hierachiques ) بين اللغة وبين الجهاز المختوم للمعلومات الوراثية فى الحوامض النواتية ( acides nucleiques )
فى الدلالة وفي صعوبة ضبط معنى الدلالة
ك . ل . س : إذا سمحتم فان السؤال ليس فى موضعه فليس المقصود هو الحصول فقط على المركب بواسطة البسيط ( كما هو الشأن فى جدول العناصر الدورية لمنديلييف ) . فالتشابه العميق بين ما تجدونه فى وراثة الخلايا واللغة يتمثل فى ان توفيقة العناصر البسيطة الخالية من كل دلالة ينشأ عنها لا فقط شئ مركب بل شئ يحمل نوعا ما من الدلالة . وأظن ان التشابه موجود على صعيد الدلالة ولا يمكن لنا ان نغفل عن أقحام مفهوم هذه الدلالة اذا اردنا تحديد معنى التشابه .
ف . ج : نعم . ولكن هذا صحيح على صعيد الجزئيات . اذ ان دلالة جزئية الملح هى مختلفة تماما عن دلالة الكلور والصوديوم .
ك . ل . س : ولكن الدلالة هنا لم استعملها فى نفس المعنى اذ المقصود هو الدلالة بالنسبة الينا بينما فى المثال الاول المقصود وهو الدلالة بالنسبة اليها .
ليريتيى : وفيما يخص الكاشف عن الختم ( Decodeur ) ف . ج : الكاشف عن الختم .
ليريتي : بمعنى ان اللغة البشرية هى لغة رمزية تقتضى وجود مخاطب اى وجود دماغ قادر على الفهم اما فيما يخص لغة الوراثة فالمسألة لا تتعدى وجود تناقل معلومات بين الجزئيات . فما هو اذن معنى الدلالة ؟ فنحن أمام نوع من الهيكل مكون من وحدات صغرى تكون هى بدورها أجزاء "مسطورة "( lineaire ) وهذا الجزء " المسطور " يتخذ نوعا من الانسجام المكانى بمفعول القوانين الحرارية الدينامكية ثم يصير وحدة ،
وحدة مكانية لها خصائصها الجديدة . وهذه الظاهرة موجودة على صعيد الكيان العضوى الفردى . ففي اصل كل كيان عضوى فردى نجد نوعا من
الختم الوراثى مكون من وحدات صغرى ليس للواحدة منها دلالة ولكن بمقتضى ظواهر معقدة وأساليب النمو الجنينى ( embryonnaire ) و التفاضل كل هذا يصير كيانا عضويا نراه بالفعل كنوع من الوحدة . . ما هو معنى القول بأن هذا الكيان له دلالة ؟ فأنا أرجو من زملائى المختصين فى العلوم الانسانية ان يبينوا لى معنى الدلالة ؟ فهو لا يعنى القابل ، القابل البشرى ( recepteur )
ك . ل . س : نعم من الغريب ان يكون من السهل تحديد معنى جميع الكلمات والادلاء بمدلولها ونعجز عن ضبط ما تدل عليه كلمة دلالة واذا نحن أمعنا فى البحث عن معنى هذه الكلمة وجدنا ان " دل " معناه ترجم وضبط تجانسا فى الهيكل بين ختم أ أو ختم ب ، وهذا حسب ظنى ما يقع بالنسبة للظواهر الحياتية التى أنتم بصدد البحث فيها .
ف . ج : زد على ذلك انه يوجد على الصعيد الورائى جهاز كاشف عن الختم معقد تماما يستعمل ما يقارب المائتى جزئية لترجمة الكلام ( nucleique ) الى كلام بروتيى ( proteique ) .
فى أن ختم الناقل " المسطور " قادر على نقل " هياكل " غير " مسطورة "
ر . ج : أظل ان الامر متشابه رغم كل هذه الاختلافات و رغم ان القابل والكاشف عن الختم وغيرها تختلف عما نجده فى علم اللغة وميكانيك الجزئيات . لكن العجيب أننا نجد عددا كبيرا من ظواهر الحياة الاجتماعية والثقافية فيها تعقيد لاحد له ولا يعادل ما نجده فى اللغة . ولكنك لا تجد في ميدان من هذه الميادين هذه الوحدات التى ليست لها قيمة مستقلة والتي لا تصلح الا كمبادئ تكوينية .
م . ت : تعنى ان الطبيعة لم تجد هذا الاسلوب فى جميع الظواهر المركبة . و . ج : ولا أظن انه ليس من العجيب ان تكون اللغة وقعت قولبتها على هيكل الجزئيات اذ من الواضح ان اللغة والقدرة على فهم اللغة وتعلمها واستعمالها هى ظواهر حياتية . وهناك شئ آخر وهو هذه الظاهرة التى تميز اللغة عن جميع الظواهر الثقافية وتجعلها فاتحة للثقافة . وهذه الظاهرة تتمثل فى اننا نتعلم فى سن الثانية والثالثة جميع قوانين الهيكل الصوتى الوظائفى والنحوى .
ف . ج : نعم ، ولكن الاساس الحياتى لهذه القدرة هو الجهاز العصبى اى ميكانكية الخلايا العصبية وتوافقها . م . ت : وليس هو الختم الوراثى .
ف . ج : وليس هو الختم الورائى ( code genetique )
ر . ج : الا ترى أن هذا المبدأ قادر دائما على التأثير وموجود بما ان اداة وراثية مثل اللغة موجودة وبما انه هو الوراثة الوحيدة الحقيقية الموجودة الى جانب وراثة الجزئيات وهى المستعملة لهذا المثال المنبث من صنف آخر للوراثة .
ليريتيى : وهذا يدعونا الى القول بأن النمطين يستعملان لنقل المعلومات جهازا ذا لقطات .
ر . ج : ونظاميا هذا هو .
ليريتيى : قلت سابقا انه ابتداء من نوع المعلومات المختومة التى يتلقاها الكيان العضوى فى أول حياته فانه يبنى هيكلا غير " مسطور " ولكنه بالفعل نوع من ( Ideograme ) ونوعى . ذلك ان كل كيان عضوى سواء كان كائنا بشريا او عنكبوتا هو نوعى ويمكن معرفته كفرد وضبطه كوحدة .
ر . ج : هذا هو بالضبط ما نجده فى علم اللغة .
م . ت : وحتى ( Ideograme ) هو هيكل .
ليريتيى : وهذا ايضا بنى على نمط الهياكل الاجتماعية وهى ليست " مسطورة " ولكنه يمكن نقلها بواسطة الختم " المسطور .
ك . ل . س : أتصور الاشياء بطريقة ( teleologique ) و اطلب المعذرة
ف . ج : هذا حسن
ك . ل . س : وفى الاخير أقول : كأن الطبيعة وجدت نفسها لا تملك الا آلات وأدوات محدودة وبعد أن استعملتها لصنع الاجناس الحية واستننفدت غيرها لتحقيق هذه الاجناس وجدت الطبيعة نفسها مضطرة الى الرجوع الى نقطة انطلاقها والعودة الى النظر فى حل استعملته فى الازمة الاولى وذلك لصنع شىء آخر وهو ظهور البشرية والبشرية الناطقة .

