( محاولة لوضع الكتاب فى إطاره )
كان ظهور كتاب ( كليلة ودمنة ) فى الثلث الاول من القرن الثانى للهجرة حدثا أدبيا عظيما وقد لقى من النجاح والاقبال إذ ذاك ما قل نظيرهما فى تاريخ الأدب العربى ( 1 ) .
ذلك لأن الكتاب - فضلا عن قيتمه الذاتية - قد جاء فى ظروف تاريخية اجتماعية مؤاتية فأرضى حاجات العصر واستجاب للنزعات المتطلعة الى الجديد فى البيئة الأدبية بالعراق خاصة ، وفى غيره من مراكز الفكر والأدب فى المملكة الاسلامية .
السر فى هذا النجاح والتأثير العميق يرجع أولا الى ما وقع من تحول تدريجى فى العقلية العربية الاسلامية طيلة القرن الاول نتيجة للتحضير والاختلاط بالعناصر الأجنبية العريقة فى الحضارة .
فكان من ذلك أن نشأ فى المدن خاصة جيل جديد لا هو عربى صرف ولا أعجمى صرف ( وهو ما يسمى بالمولد ) ( 2 ) وهذا الجيل بالذات قد كان له أثر كبير فى تغيير وجوه الحياة الاجتماعية والسير بها فى مدارج التطور .
وكان الى جانب حركة التحضر والبعد شيئا فشيئا عن نظام الحياة البدوية وأسلوب عيشها حركة عقلية تجلت فى نشأة العلوم الجديدة من حديث وتفسير وفقه وعلوم لغوية و(( كلام )) والكلام أول مظهر لتلاقح الفكر العربى
والفكر اليونانى الذى كان له أبعد الأثر فى تكوين الثقافة الاسلامية ( 3 ) .
وقد نشطت هذه العلوم نشاطا حثيثا فى نهاية القرن الاول للهجرة وبصفة خاصة فى العراق . ولا شك أن هذه العلوم ساعدت على تنمية العقول العربية الاسلامية واقترابها من النضج وحببت اليها البحث والتفكير الرصين .
كان الشعر والخطابة يستأثران بمعظم الطاقة الذهنية العربية ( وقد شجع على ذلك الحكم الأموى بما فيه من نزعة عصبية قبلية وفتن ودعاية للأسرة الأموية ) ، فاذا بالفكر العربى الاسلامى قد انفتحت أمامه آفاق جديدة واسعة ، فتحولت نقطة الارتكاز فيه ، لما حصل له من نمو عقلى وتهذيب فى الذوق الأدبى . فزهد جمهور الأدباء والمتأدبين فى ما كانت تلهج به الأجيال السابقة من تهاج وتفاخر ، نخص بالذكر منها نقائض جرير والفرزدق ، وقد كانت شغلهم الشاغل فى أوقات فراغهم . وقد أصبح هذا الجمهور يتطلب نتاجا أدبيا جديدا ، ضربا من الادب يتوفر فيه حظ العقل الى جانب العاطفة والخيال ، ويكون معبرا تعبيرا صادقا عن الحياة الجديدة ( 4 ) .
ومما أكد هذا الزهد فى القديم والتوق إلى ألون تناسب الواقع الحضارى الثقافى الجديد تأثير الموالى المتزايد وقد اشتد هذا التأثير مع قيام الدولة العباسية فعم جميع ميادين الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ( 5 ) .
كان هؤلاء الموالى ، وخاصة الفرس منهم ، يعتزون بتراثهم ( بما فيه من نظم وتقاليد وأدب وحكمة ) فلما حصلوا على النفوذ السياسى فى كنف الدول العباسية سعوا الى توجيه الحياة العربية الاسلامية الوجهة التى يريدونها فتم لهم من ذلك الشئ الكثير لا سيما أن طبقة الكتاب أعنى كتاب الدواوين التى نشأ بين أحضانها فن الكتابة وهى تمثل الجانب الأوفر من جمهور القراء - جل هذه الطبقة كان من الفرس وقد افسح لهم مجال الحرية ، حرية التفكية والتعبير ( 6 ) .
هذه العوامل ، مجتمعة ، من تحضر وامتزاح بين الشعوب الاسلامية وتلاقح فكرى وظروف سياسية واجتماعية مؤاتية لتقبل التراث الفكرى القديم , وخاصة الفارسى منه ، كل هذا يفسر الى حد ما حظوة كتاب (( كليلة ودمنة )) لدى جمهور الادباء والمتأدبين عند ظهوره .
على أن ذلك لا يكفى لتعليل هذا النجاح .
ثمة أسباب أخرى جوهرية تتصل بطبيعة الكتاب .
أول هذه الاسباب هو فى الحقيقة مشترك بين الاسباب الخارجية والاسباب الداخلية لأنه يتصل بالحالة التى كان عليها الأدب عند ظهور (( كليلة ودمنة )) .
كان الأدب - من شعر وخطابة وقصص - كله رواية ( 7 ) لم يدون بعد . وكان القصص خاصة لا يتجاوز حلقات القصاص فى الطرقات والمساجد والأسمار ، وإذا بقصص (( كليلة ودمنة )) يأتى مجسما فى صورة كتاب موحد الموضوع فيكون له بذلك وجود موضوعى قائم بنفسه غير مفتقر الى الرواية ولا موقوف عليها كشأن غيره من القصص .
وقد لا نبالغ اذا اعتبرنا هذا الحدث انقلابا خطيرا بعيد المدى فى الحياة الأدبية إذ ذاك ، انقلابا قد كان له أعمق التأثير فى مستقبل الثقافة العربية
الاسلامية لأنه أول ( 8 ) خطوة ، أو على الاصح احدى الخطوات الاولى ، فى طريق التحول من حضارة الرواية الى حضارة الكتاب التى جهد الجاحظ من بعد فى الدعوة اليها والاخذ بأسبابها .
أما العوامل الجوهرية الخالصة فمنها : - ما يتعلق بموضوع الكتاب . - ما يتعلق بالشكل ( أى صيغة الكتاب وبنائه ) . - ما يتعلق بالأسلوب .
الموضوع موضوع الكتاب علاقة الحاكم بالرعية وعلاقات الرعايا فيما بينهم وهو بدلك يتناول جانبا كبيرا من الحياة السياسية والحياة الاجتماعية ( 9 ) .
يعرض الكتاب بالنقد لسوء سلوك الحاكم وفساد بطانته ، ما يصدر عن الحاكم من حمق وحهل وجبروت وما يحوكه أفراد بطانته من دسائس ، نهما بالجاه والسلطة وإرضاء للطموح والمصلحة الخاصة ( 10 ) .
كما يتعرض بالنقد أيضا للجانب الاخلاقى فى حياة المجتمع فيندد بكثير من العيوب ( كالكذب والنفاق والمكر والخيانة والجشع والطموح الأهوج والحسد والبغضاء ) التى تخل بالتوازن الاجتماعى وتهدد سلامته مشيرا من وراء كل ذلك - بصفة غير مباشرة فى أغلب الاحيان وحينا بطريق مباشر - الى الأصول والمبادىء التى ينبغى أن يقوم عليها النظام السياسى والاجتماعى من اعتماد العقل أساسا وحرص على العدل والخير ورفض للقوة والعنف إلا عند الضرورة القصوى أى فى حالة اليأس من جدوى استعمال العقل والاقناع والمعاملة بالتى هى أحسن وأسلم ( 11 ) .
وليس يخفى ما فى هذه الدعوة الملحة المتكررة الى اعتماد العقل والتزام الرفق والتؤدة فى جميع مجالات الحياة من موافقة للنزعة التحرية التى برزت يومئذ ، وكان جل اصحاب هذه النزعة من الفرس ( لا سيما الشعوبيين منهم ) المتعطشين الى استرجاع ما كان لهم من سيادة . وقد حصلوا بالفعل على جانب منها بتقلدهم مهام الوزارة وإشرافهم على شؤون الدولة ولكن حيل بينهم وبين ما يريدون من سلطة واسعة مطلقة فى الصدر الاول من الدول العباسية ، وبوجه أخص فى عهد المنصور الذى اتصف بالحزم والغيرة البالغة على السلطة والشدة والجبروت ( 12 ) .
ومن شأن هذه الدعوة الى العقل أيضا أن تؤكد المساواة بين العرب والموالى وقد بدأت هذه المساواة تتحقق منذ قيام الدولة العباسية ثم استمرت الى ان اختل التوازن بين العنصرين وكانت الغلبة للنفوذ الفارسى .
ومن شأن الدعوة الى العقل أخيرا أن تخفف من سلطان الدين المطلق على النفوس وهى بذلك تخدم أمنية المثقفين المتحررين ، من العرب والموالى ، وخاصة الفئة المتطرفة منهم أعنى الشعوبيين الذين كانوا يضيقون بتعاليم الاسلام وقيوده ويحنون الى ديانتهم القديمة ( 13 ) .
ثم ميزة أخرى عملية يختص بها هذا الكتاب ( وغيره من كتب ابن المقفع ) هى ارشاده الناشئة من كتاب الدواوين وكبار الموظفين الى الطريق الاوفق والاسليم فى معاملة أصحاب السلطة العليا فهو يدلهم على ما فى حياة البلاط وما فى معاشرة أولى الامر ( وابن المقفع قد كان من أكثر الناس خبرة فى هذا المجال بحكم وظيفته واتصالاته ) من مصاعب وأخطار فيعملوا على تذليلها أو اجتنابها .
كما يقدم لهم الكتاب ( وهنا الجانب الصناعى التقنى ) نموذجا من النثر الرفيع ( 14 ) الذى يغذى ملكتهم الكتابية ويمكنهم من أصول فن الانشاء وبلاغة التحرير .
الشكل الى جانب جدة الموضوع وملاءمته للجو السياسى والاجتماعى يمكن أن نضيف جدة الشكل وطرافته .
ليس يكفى - فى هذا الصدد - أن نقول إن (( كليلة ودمنة )) أول قصة (( عربية )) يكون أشخاصها من الحيوان وهى بذلك أتت بما لم يعهده العرب ولا الفرس أنفسهم ( لأن الكتاب وإن كان ترجم الى الفارسية فقد بقى فى دائرة الخواص ولم يكتب له من الانتشار ما تم له بواسطة الترجمة العربية ) لا يكفى إذن أن نشير الى طابع الغرابة والطرافة الناشىء عن اختيار الاشخاص من الحيوان ( لقد كان فى مخطوطات (( كلية ودمنة )) رسوم تمثل المشاهد القصصية وتزيد الكتاب رونقا وجاذبية ) وإنما ينبغى أن نؤكد أن الحيوانات هنا إن هى ، فى باطنها وجوهرها ، إلا أشخاص بشرية مقنعة وينتج عن هذا أمران أولهما بسيط معروف هو تيسر النقد السياسى والاجتماعى تحت ستار من الحيطة والحذر .
وثانيهما أن القصص البحت بفضل هذه الخدعة أو الحيلة الفنية اقترب لاول مرة فى تاريخ الادب من المسرح ( هذا طبعا بالنسبة الى الادب العربى ، وحتى الفارسى . أما الهنود فقد عرفوا المسرح منذ أقدم العصور ) ووجه القرابة هو القناع ( Le masque ) فمن المعلوم أن المسرح يقوم على مبدأ التقنع أو التنكر ( بالمعنى المجازى وهو الاهم ) وأن التمثيل هو تقمص لشخصية الغير . ثمة مقومات أخرى ولكن الاصل هو التنكر .
ولسنا نعنى أن واضع الكتاب ( أى بيدبا الفيلسوف ) قصد هذا وتعمده ، إنما نعنى أن فى هذه القصص على ألسنة الحيوانات طابعا مسرحيا ، ومادة تمثيلية خاما جاهزة لم يكن يتعذر اخراجها على يد فنان لبق ذكى لولا أن أسبابا حضارية ثقافية حالت دون ذلك . ولا يخفى ما فى هذه المسحة
المسرحية من تشويق وإمتاع ؛ وقد وقعت الاشارة إلى هذا فى الكتاب فى صورة تلميح : (( واما الكتاب فجمع حكمة ولهوا ، فاختاره الحكماء لحكمته ، والسفهاء للهوه )) . وأيضا فى قوله : (( . . . ليستسارع الى قراءته أهل الهزل من الشبان )) .
الميزة الثانية التى يختص بها كتاب (( كليلة ودمنة )) هى تفرع القصص وتوالدها فاذا الفروع يعترض بعضها بعضا وتتراكب وتتشابك وتعود بعد جولة تقصر أو تطول الى القصة الاصلية أو القصة الام ) هذه الظاهرة تدعى طريقة التضمين Enchassement وفى ذلك توفير لعنصر التشويق لأن هذا النسق يستدعى المزيد من الانتباه والتركيز فيضاعف المتعة العقلية .
وينبغى أن نشير فى هذا الصدد إلى ما بين (( ألف ليلة وليلة )) و (( كليلة ودمنة )) من شبه فى البناء ومن المرجح أن هناك اقتباسا من حيث التصميم .
ثمة ظاهرة أخرى هامة جدا تتصل ببناء الكتاب . هذه الظاهرة هى الوحدة القوية التى تنتظم جميع قصص الكتاب على اختلافها وتباينها وهى بمثابة السلك يربطها جميعا . إنها تتمثل فى فكرة أساسية : أفضلية الروح وسلطانه . الإنسان بروحه أولا ثم بجسده . العقل يجزئ ما لا تجزئ القوة .
جوهر هذه (( الفلسفة )) الشائعة فى تضاعيف الكتاب ، وهى بذلك تهبه شمولا فى النظرة وقوة تركيز ، أن الانسان ، بارادته وعقله وتضامنه واتحاده مع اخوانه ، يستطيع أن يهزم القوة المادية ، أيا كان شأنها ، أن يخط مصيره بيده وينظم حياته أحسن نظام ( 15 ) .
الاسلوب قد يكون موضوع الأثر الأدبى خطيرا جليلا ، وبناؤه محكما طريفا فاذا لم يتح له الاسلوب البليغ الملائم فانه يظل لفظا هامدا ، كلمة مواتا سرعان ما يطويها النسيان .
لقد جمع أسلوب ابن المقفع فى (( كليلة ودمنة العديدة المتباينة المتكاملة ما جعله أسلوبا بدعا لا عهد للناس بمثله وقد وجدوا فيه غايتهم والانموذج المنشود الذى يتفق وطبيعة أذواقهم وخواصهم الذهنية ، أسلوبا رائدا أحدث من التحول فى مستوى اللفظ والتعبير أكثر مما حقق فى مستوى الموضوع والبناء .
ذلك أنه وفق بين خصال يندر اجتماعها وائتلافها عند كاتب واحد . . . من سهولة وساطة حتى كأننا نقرأ أسلوبا حديثا معاصرا يفهمه الصغير والكبير من الخاصة والعامة كأن قد كتب بعربية اليوم بل ليقرأ فى كل زمان . وهذه البساطة ملحوظة متعمدة . فالفرق واضح جدا بين أسلوب ابن المقفع (( الارستقراطى )) فى الادب الصغير والادب الكبير ورسالة الصحابة وأسلوبه القريب الميسور ، على ما فيه من متانة وجزالة ، فى (( كليلة ودمنة )) بحيث يصح القول إن الكاتب نزع نزعة ظاهرة إلى الشمول والحرص على تعميم الفائدة ممهدا السبيل أمام الجاحظ الذى اتخذ هذه الطريقة مبدأ وقاعدة .
جاء فى عرض الكتاب وهو فصل من تحرير ابن المقفع : (( وأما الكتاب فجمع حكمة ولهوا ، فاختاره الحكماء لحكمته ، والسفهاء للهوه ، والمتعلم من الاحداث ناشط فى حفظ ما صار اليه من أمر يربط فى صدره ولا يدري ما هو ، بل عرف أنه قد ظفر من ذلك بمكتوب مرقوم ، وكان كالرجل الذى لما استكمل الرجولية وجد أبويه قد كنزا له كنوزا وعقدا له عقودا ، استغنى بها عن الكدح فيما يعمله من أمر معيشته فأغناه ما أشرف عليه من الحكمة عن الحاجة الى غيرها من وجوه الادب )) ( 16 ) وقال أيضا فى هذا الفصل نفسه : وينبغى للناظر فى هذا الكتاب أن يعلم انه ينقسم الى أربعة أغراض : احدها ما قصد فيه الى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة ، ليسارع الى قراءته أهل الهزل من الشبان ، فتستمال به قلوبهم ، لأنه هو الغرض بالنوادر من حيل الحيوانات . والثانى إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الاصباغ والالوان ، ليكون أنسا لقلوب الملوك ، ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة فى تلك الصور . والثالث أن يكون على هذه الصفة ، فيتخذه الملوك والسوقة ، فيكثر بذلك انتساخه ولا يبطل فيخلق على مرور الايام ، ولينتفع بذلك المصور والناسخ أبدا . والغرض الرابع وهو الاقصى . وذلك مخصوص بالفيلسوف
خاصة )) ( 17 ) .
ولهذا السبب يعتبر (( كليلة ودمنة )) أول كتاب يراعى فيه (( صاحبه )) جمهورا متسعا من القراء مستجيبا بذلك فى جد وحزم وشجاعة الى متطلبات الوضع الحضارى الثقافى الجديد .
قلت : من سهولة وببساطة ( وقد سار فى ذلك على هدى من قبله (( الاستعانة بالغريب عجز )) ) الى دقة فى التعبير تستوفى المعنى فى اقتصاد من غير فضول ولا ثرثرة ولا تفصح ولا تحذلق ، فيتكيف اللفظ على حسب المعنى ويقد على مثاله إذ المعنى هو النبع والحافز وهو المقياس والمثال فيكون ابن المقفع بذلك زعيم (( مدرسة )) المعنويين ( التى سيتسنمها الجاحظ فيما بعد ) وصاحب فضل السبق فى تطويع النثر الادبى الى المعانى المجردة والى أسلوب الجدل والتحليل النفسى .
إلى سلاسة وأناقة محتشمة براء من التبرج والاثارة لأنها صادرة عن اتزان وسلامة ذوق واحترام بالغ للفن . . .
إلى مونة وتنوع فاذا الاسلوب أساليب لا تضارب سنفا ولا نشاز وإنما هى أنماط مختلفة منازل ودرجات على حسب طبيعة الموضوع وتفاعل الكاتب معه ، والمزاج واحد والشخصية هى هى .
فشتان بين أسلوب (( الأسد والثور )) و (( الفحص عن أمر دمنة )) و (( البوم والغربان )) وهى أبواب قصصية تتسم بنزعة عقلية جدلية واضحة قوية واسلوب (( إيلاذ وبلاذ وايراخت )) الذى تغلب عليه العاطفة ورقة الشعور وإن لم يخل تماما من صبغة العقل والجدل . كما أن أسلوب (( باب برزويه )) ( وهو أول ترجمة شخصية فى الادب العربى ) يتميز بما فيه من لهجة ذاتية مأنوسة ومناجاة حارة حميمة الى جانب ما فيه من رصانة تفكير وحكمة و (( تفلسف )) .
أضف الى ذلك ما فى هذا الاسلوب من (( واقعية )) لتناوله عالم الحيوان ( وإن لم يقصد الحيوان لذاته ( ومظاهر عدة ) خاصة فى الأقاصيص أى الامثال الصغيرة ) من الحياة اليومية ولا سيما جانب المهن و (( المعاملات ))
فيها ( 18 ) ، مما يتصل بوجوه الحضارة الجديدة آنذاك فانسجم الاسلوب مع الموضوع واقترب - ألفاظا ومدلولات - من الشعب ومن الواقع (( الموضوعى )) المألوف .
لقد كان الناس قبل هذا المنعرج الحاسم متشوفين الى البطولات الحربية والخصومات القبلية يلتمسون آثارها فى الاشعار يعنون بالمفاخر والمثالب فاذا بهذا الكتاب بعمل على اخراجهم من حدود الادب الذاتى المتأثر بالنزعه العصبية الى آفاق الادب الواقعى الرحب المنفتح على الانسانية كافة .
وهكذا يكون (( كليلة ودمنة )) قد فتح طرقا جديدة عدة من حيث الموضوع والتفكير والتعبير ، مساهما فى دفع وتوجيه تيار الفكر العربى ، وفى تفجير الطاقات الجبارة التى يزخر بها المجتمع الاسلامى الفتى المتحفز للانطلاق وقد أثر ، على وجه الخصوص ، تأثيرا بالغا بما فيه من (( شخصية )) قوية . . . شخصية متميزة عليها مسحة من رصانة ووقار فى غير ثقل وكثافة ، مزيج من واقع ومثال ، فيها تبصير بحقيقة الحياة ونفاذ الى أسرارها ، وفيها إرشاد ملح حثيث الى الطريق الامثل فيها .
هذه الشخصية المتمثلة فى وحدة الموقف والطريق والغاية أهلت (( كليلة ودمنة )) لأن يكون بحق من الكتب التى تعلم (( فن الحياة )) .
إن أهمية كتاب (( كليلة ودمنة )) تتمثل أساسا فى كونه قد وفق توفيقا حسنا بن خاصتين تتوفران فى جل الآثار العظيمة إحداهما استجابته لحاجات العصر سواء كانت هذه الحاجات سياسية أو فكرية أو فنية .
أما الخاصة الثانية فصليته لعامة البشر بصرف النظر عن المكان والزمان وذلك لما فيه - فضلا عن قيمته الادبية - من قيم ومبادئ إنسانية لا يزال الناس يؤمنون بها الى اليوم ويسعون الى نصرتها وتحقيقها رغم المخاط والاهوال .
