الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

أواخر العهد العثماني والموقف الشعبي في المشرق

Share

( حماه - سوريا )

فى مدينة باتنا بالجزائر نظم ملتقى حول استرداد الشباب ثقته فى نفسه . وقد شارك فى هذا الملتقى أفراد من بلدان مختلفة تناولوا مواضيع متعددة . وتحدثت محلة (( العربى )) عن هذا الملتقى واستعرضت فى العدد 240 بعض ما دار فيه ، وأشار كاتب المقال الى فقرة تتعلق بالعهد العثمانى قائلا : (( ان النقطة التى أثارت حدا أكبر كانت تتعلق بتقييم مرحلة الحكم العثمانى ... وقد صار ذلك خلافا تقليدية بين مفكرى المشرق والمغرب . المشارقه ... يرون فيه كارثة ... بينما المغاربة يرون العكس ... وانهم كانوا رسل خير ، وهو ما أكده المؤرخ الجزائرى الاستاذ أحمد توفيق المدنى ... )) .

هذا التصوير للمواقف أصبح شبه معتمد . ولكنه ، كما هو واضح ، يتعلق بأفراد من جهة ، وبالفترة الحالية من جهة ثانية . ولكن ما هو موقف الجماهير ، وبوجه التحديد فى أواخر العهد العثمانى ، أليس هذا السؤال جديرا بالطرح .

سنعتمد شهادة مؤرخ كبير عايش الاحداث ، ووصفها وصفا عيانيا بروح موضوعية . وهذا يغنى عن المواقف التقريرية الجاهزة التى يتبناها أفراد هنا وهناك .

سنختار لقطات ، احداها خاصة بموقف حلقة من الافراد ، والبقية خاصة لمواقف الحماهير الشعبية ، مشيرين الى أن موقف هذه الحلقات التى كانت تعمل فى الخارج ، فى أوربا ، هو الذي تم اعتماده لاحقا في النشرات التاريخية المنقحة ، كموقف عام ، مع المبالغة فى توصيف بعض الوقائع ، والسكوت عن أخرى .

المصدر الذى سنعتمد عليه هو كتاب (( نهر الذهب فى تاريخ حلب )) لمؤلفه كامل الغزى ، منوهين بأن هذا المؤلف عايش الاحداث ، وطبع كتابه فى عهد الانتداب الفرنسى فى المطبعة المارونية بحلب ، وربما ساوره ميل الى مسايرة المناخ الجديد . مع ذلك ، ماذا يقول ؟

يتحدث الغزي عن جمعية عبد الحميد الزهراوى موضحا بانها نشرت كتابا (( تدل مقاصده ظاهرا على ان هذه الجمعية لا تطلب من الدولة العثمانية سوى منح البلاد العربية اللامركزية ، على شرط بقائها تحت العلم العثمانى . حتى ان واحدا من المتطرفين من رجال هذه الجمعية أشار فى كلامه الى لزوم انفكاك هذه البلاد عن العثمانية بتاتا ، والانضواء تحت راية دولة أخرى ( فرنسا ؟ ) . فرد عليه الجميع كلامه وقالوا لا نرضى أن يظلنا غير راية الهلال )) . (( غير أننا لا ننكر وجود نافخ ينفخ فى نار حمية هذه الجمعية لغرض يقصده )) .

اذن ، كان هناك جمعية محدودة العدد تعمل فى الخارج وتطالب باللامركزية ( أحد مبادئ الادارة ) ، وهناك أيضا نافخ ذو غرض ..

ولكن ماذا كان الموقف الفعلى على مستوى الجماهير الاسلامية الواسعة ؟ فلنرجع الى نفس المصدر .

فى ذكر حوادث عام 1330 ه ( 1912 م ) يقول المؤرخ الغزى : ... وفى هذا العام (( بدأت حرب البلقان بين تركيا ودول البلقان ( لنتذكر أن بين السكان نسبة مرتفعة من المسلمين البلقانيين يختلفون فى موقفهم عن هذه الدول ) ، وقد احتشد لتركيا من الجيوش عدد لا يحصى خصوصا ما احتشد لها من البلاد العربية ، فان شبان المسلمين من أبواب غزة الى منتهى الحدود الشامية لم يكد يتخلف واحد منهم عن التجند فى هذه الجيوش ، فكانوا يسيرون الى جهة البلقان لحرب أعداء الدولة هناك بكل شوق وحماسة رغما عما كان ينالهم وهم فى أثناء الطريق من المشقات المضنكة كالبرد والجوع )) .

ولعل أحد أسباب هذا الاندفاع ، اضافة إلى الروح الجهادية الاسلامية ، ان الحرب فى طرابلس الغرب ضد الغزاة الايطاليين ، والتى جرت قبيل حرب البلقان ، لم تسمح للجماهير الاسلامية فى المشرق بالمشاركة ، لاعتراض انفلترا طريق البر فى مصر ، ولتفوق البحرية الايطالية فى البحر

بعد ثلاثة أعوام أعلنت الحرب العالمية الاولى . فلنتتبع رصد المواقف  الشعبية بصورة موضوعية . فى شهر محرم من عام 1333 ه (( أصدر شيخ الاسلام فتوى شرعية فى وجوب النفير العام ، وصرح فيها بأن كل مسلم قادر على حمل السلاح عليه أن يكون مجاهدا . وقد جرى لتلاوة هذه الفتوى فى حلب اجتماع حافل فى المكتب الاعدادى الكائن فى محلة الجميلية ، وتليت فيه المواعظ والخطب الحماسية ، وحضر فيه عشرات الالوف من الناس)).

هذا فى مدينة حلب ، فماذا جرى فى دمشق ؟

يقول المؤرخ الغزى : ((فى هذا الشهر أوفدت كل من حكومة حلب وبيروت وطرابلس الشام وحمص وحماه وغيرها من حكومات البلاد السورية وفودا الى دمشق الشام لاستقبال العلم النبوى الشريف المحمول اليها من المدينة المنورة إيذانا بالنفير العام ))، ويستطرد الغزى : ... فقال لى رفقائى بلسان واحد قد اختر ناك ان تكون أنت الخطيب ، فشق على هذا الامر لأننى لم أمرن على الخطبة سيما فى مثل ذلك الجمع العظيم الذي يضم اليه المئين من علماء سوريا وأدبائها وشعرائها ومحررى صحفها . (كانت سوريا آنذاك تضم سوريا ولبنان وفلسطين والاردن ). وبينما أنا أتنصل من القيام بهذه الوظيفة إذا بصفير القطار المعلن بوصوله الى المحطة ، فما كان الا أن هرعت الى جهته تلك الجموع التى لا تقل عن مئة ألف نسمة ، وبدأت العسكرية باطلاق المدافع لتحية العلم وضج الناس بالتهليل والتكبير)).

فلنلاحظ أن الخطيب لم يكن معينا بتوجيه ، وانه لم تكن هناك آنذاك مؤسسات ومعامل مؤممة ليتم تأمين الحشود بايعاز ، كما يتم فى بعض البلدان النامية حاليا.

لنتقدم الآن خطوة في زمان الحرب . في عام 1334 ه ، نظمت حملة السويس التحريرية ، وسنورد بعض المعلومات لان الموضوع يتعلق بمصر ، وموقف أهل الشرق ، وقد استقي الغزى هذه الاخبار من مذكرات جمال باشا قائد الحملة : ((ساد بين رجال الحملة - لا فرق بين الاتراك والعرب - شعور بالعطف الاخوى ، ولم يكن بينهم من يضن بحياته دفاعا عن اخوانه )).

(( وكانت كتائب الحملة مكونة من عرب الشام وفلسطين . ولم توجد مقاتلة أتراك سوى كتائب متطوعي الدراويش وفصيلة مشاة )).

(( ولم يكن في استطاعة الامير ابن السعود أن يمد لنا يد المساعدة المباشرة ، لقربه من الانفليز الذين كان فى استطاعتهم ايصال الاذى اليه ، الا انه كان شخصيا نافعا لنا جدا ، اذ أرسل الجمال للجيش وسمح بتصدير التجارة من بلاده الى سورية)).

(( ولقد أقام الامير ابن الرشيد البرهان الصادق على انه مسلم صميم وشديد الاخلاص للخلافة . وكان عدد الجمال التى سخرت لحمل أثقال الحملة وحمل الماء اثنى عشر ألف جمل ، بعضها من سورية والقسم الكبير منها من بلاد الامير ابن السعود )).

وفيما بعد ، عندما انتقل الانفليز الى الهجوم ، وقام الجاسوس لورنس وخبراؤه بنسب أجزاء من الخط الحديدى الحجازى ، وهو من أموال الاوقاف الاسلامية ، توطئة لخلق اسرائيل بعد الاحتلال ، تمازجت دماء أبناء بلاد الشام والعراق مع دماء اخوانهم المسلمين الاتراك والاكراد والشراكسة والبلقانيين ، فى الدفاع عن البصرة وكوت العمارة وبغداد فى العراق ، وغزة والقدس ويافا ودرعا في أرض الشام ، لان الجيش المدافع كان جيش دولة الوحدة الاسلامية استدعي أفراده استنادا الى قوانين خدمة العلم . وكانت آخر معركة عند قرية بلليرمون فى مشارف حلب حيث تهاوى الانفليز بالمئات ، وتسمى مدافعهم لدى أبناء حلب(( قبور الانكليز)).

وكما اختلطت دماء الشهداء المدافعين عن بر الشام والعراق ضد الغزاة الانكليز ، تمازجت أيضا فى القفقاس والدردنيل والبلقان . وبقى المحاربون من أبناء المشرق ، جنودا وضباطا ، موالين للخلافة حتى آخر طلقة.

ولعلنا نجد عبرة قوية الدلالة فى أن حامية المدينة المنورة ، وكانت تتكون فى معظم جنودها وضباطها من ابناء الشام والعراق ، استمرت على ولائها رغم انتهاء الحرب ، واستدعي انسحابها مفاوضات خاصة لاحقة ، لأن القوات الانقليزية لم تكلف نفسها عناء احتلالها نظرا لكونها ( خارج البرنامج الاستعمارى للمنطقة ) . فكأن هذا الاستمرار كان رمزا للاخلاص للعلم النبوى الشريف الذي حمل منها الى دمشق والشام ايذانا باعلان الجهاد الذي هللت له وكبرت الجماهير الشعبية.

حماه - سوريا

اشترك في نشرتنا البريدية