لعل اصدق تعريف للاوحال الفكرية ، هو ان يكون الانسان دائما فى ظلمات حالكة من أفكاره ويكاد يحمل فى دماغه رجلا كلما رفع قدمه من الوحل الفكرى سقط فيه بأشد من سقطته الاولى ، وساخت كلتا قدميه فى طين لزج من تفكيره .
فالاوحال الفكرية هى ارتكاس الذهن وبلبلة امره ، وتقهقره من اخراه الى اولاه ، كلما اوشك ان ينتهى الى النتيجة من كل معضلة فكرية .
وانا امرؤ من حسناتى - وما اضألها - اعترف دائما باخطائى ، ولا ادع الناس ينبهوننى اليها تفضلا منهم او تعاليا ، ولكننى كلما اخطأت بادرت بمحاسبة نفسى أعنف الحساب حتى لكأننى مع نفسى فى يوم العقاب ! . . .
ولا اوحل من فكر انسان يعرف فى قرارة نفسه أنه مخطئ أو ضال ثم يذهب فى مغالطة نفسه ومكابرة الناس كل مذهب .
هناك بخيل لا يشك لحظة فى انه كذلك ، فتأتيه [ الجوقات ] لمطبلة من كل جانب ، وتقول له : انك تفوق فى الكرم حاتم الطائى . . . فيظل يصدق الناس فى الظاهر ويكذب نفسه فى الداخل . . فهذا وحل فكري ! ! !
وهناك جبان يعرف جبنه خيرا مما يعرفه غيره فيقال له : انه لا الاسود ولا التنانين ، ولا المردة ولا الشياطين ، تستطيع ان تثبت امامك ، فيكاد من فرط فكره الموحل ان يطير ليقاتل اولئك جميعا ! . . .
وهناك رذل من الارذال ؛ يتظاهر بالفضيلة وهو يدرك جيدا انه يعكس وضع نفسه فى مرآة المجتمع ، فهل هذا الاوحل فكرى شديد ؟ ! ! . .
وهناك وهناك ، وهنا وهنا ، وما اكثر ما هناك وما اغزر ما هنا ! . ولكن يجب ان نفهم ما هى دراسة النفوس البشرية واستقصاء بواعثها ، والتغلغل الى اعماقها قبل ان نسرع كما يفعل كثير من الكتاب الى اطلاق الاحكام الارتجالية الخاطئة ؛ كان منهم من لا يفرق بين مركب النقص وبين العقدة النفسية ؛ ومنهم من لا يميز بين العقدة النفسية والحالة الواقعية ؛ ومنهم من لا يشعر ببعد الاخيرة عن الصدمة العارضة التى تطرأ فجأة ثم تزول , وكل هذه أوحال فكرية يقع فيها جم غفير ممن يكتبون بجدارة وبغير جدارة فى هذه المواضيع العميقة العويصة .
ولا مراء فى ان كل انسان يحمل فى نفسه مركب نقصه ؛ ويتعرض للكثير من العقد النفسية التى تصيبه وترسخ جذورها فيه منذ طفولته ؛ ثم لا تزول ابدا . وطالما فكرت فى ان اكتب - مثلا - روايات أو أؤلف كتبا ، أو اتناول موضوعا ، أو انظم شعرا ، ثم يعترضنى وحل فكرى يوهى مرنتى . فيصدنى عن كل ما اروم .
وقد اتعرض لشيء بالذم ، فما اشعر فى آخر الامر الاوانا قد اسبغت عليه كل آيات الثناء ، وقد يحدث عكس ذلك ، فأنا مثلا لا ارفع رجلى من وحل الا لتسقط الاخرى فى جمأة فكرية اشد وطأة من تلك . . .
وقد تسوءك حالة من الحالات ، فيزين لك وهمك ان الحالة سارة ابلغ السرور ، وتصدق بفعل الإيحاء الذاتى ، أو ايحاء التيار العام ، وليس اشنع ولا افظع من هذا الوحل الفكرى الذى تنزلق اليه وليست الاسباب واحدة ، فلو كانت كذلك لجان امرها ، وسهل علاجها ، ولكنها متعددة ذوات شكول وشعب . فمنها ما سببه الطيبة أو الغفلة أو الحيرة أو المغالطة أو المكر أو الجهل لى ما ينطوى وراء ذلك كله من بواعث النفوس ورواجم الظنون ووساوس القلوب .
اوحال فكرية تثنينا عن كل سديد فى الرأى ، وتصدنا عن كل متجه من الامر وتعوقنا - قاتلها الله - عن شريف الغاية والاسراع الى النهاية فى كل ما اختلفت فيه الاذهان والأقلام ورواجح الاحلام .

