لن تدركى قممى ولا أغواري إني أغيب بها عن الأبصار
لن تدركى قممي المنيعة ويحها كم أعجزت من كاسر مغوار!
رام الصعود سدى إلى افاقيها فطوى الجناح وعاد للأوكار
أغناه عن وقد السعير لهيبه وعن الذرى الشماء بعض دوار
والسر فى الأعماق كم من مبحر عزماته خذلت عن الإبحار؟
ورأى السلامة أن يعيش بشطها فى ظل مكرمتي وفضل ستارى
لا تقربي أفقي المحجب إنني أخشى عليك مغبة الإعصار
من أين للعين الكليلة أن ترى ما تحجب الأعماق من أسراري؟
يكفيك من سفري العميق غلافه عنوانه، سطر من الأسطار
ومن النجوم الساطعات بريقها ومن الرياض الفيح بعض نوار
ومن الجداول وهى ترتاد الدنيا ما يحتسي العصفور بالمنقار
ومن الخضم تلاطمت أمواجه عصف الرياح وحيرة البحار
ولتقنعي أني حبوتك بعض ما قد هزت الأنسام من أثماري
لن تحضني كوني الرهيب ومابه من رائع أو سافل منهار
أنا إن أردت الحق بحر ساكن أعماقه بحر وراء بحار
ولربما أغراك لطف ظاهر فخدعت عن جمري وحرقة نارى
وتحجب عنك الغيوب وخلفها ما شئت من عنف ومن إصرار
خلف البحار الساكنات زعازع وزلازل موصولة التيار
والحسن يجذبني إليه إذا نأى عني وأفلت كالنسسيم السارى
ولربما حطمت كل مهابتي فى إثره فعثرت أي عثار
قالت: أحبك قمة ممنوعة وأحب فيك غوامض الأسرار
وأحب مايدني وما يقصي وما يغرى وما تطويه من أفكار
وأحب ذاك العمق بحرا هادئا وأحبه فى الصخب والإعصار
وأحب ذاك النور يفلت من يدي وأحسه في العمق من أغواري
إن كنت أنت البحر فى أطواره صفة الحليم وغضبه الجبار
أو كنت ذاك الطود يعلو شامخا في وحدة الرهبان والأحبار
فأنا الرياض الغن فى أفيائها رى الظماء وراحة الأسفار
وأرى قوافلك المهيضة أرهقت بالسير عبر مجاهيل وقفار
ما شئت من ظل ومن أنهار فاركن إلى روضي الجميل فجنتي
واقطف ورودى ما استطعت فإنها كنز يقيك غوائل الإعسار
وامخر بحار العشق فوق مراكبى ودع القياد لجارف التيار
ما نحن إلا ومضة من بارق وشرارة في جذوة من نار
تعلو فتخمدها الرياح وينطفي ما كان من وهج ومن أوطار
وغدا يغادرك الربيع كأنه ما كان ملء السمع والأبصار
ويجف ذاك الغض من أغصانه من بعد إيناع ومن إزهار
وتمر بي: أين الشموخ ومجده؟ خيلاؤه؟ خبر من الأخبار
تلك الكؤوس كبيرها وصغيرها نضبت ومات اللحن في الأوتار
أتلفت عمرك لا مثوبة عابد حصلت فيه ولامنى الفجار
وصرفت خير العمر بين معابد للفكر أو في هيكل الأشعار
والفن قد يثرى النفوس وإنما نبض الحياة أجل في الأقدار
لك أن تتيه بقمة ممنوعة شماء عالية عن الأنظار
وتسد درب القلب عن طراقه من كل غانية وذات سوار
وتلوذ بالقمم المنيعة علها تحميك من متعاظم التيار
سينالك السيل الدفوق وتنقضي أسطورة الأغوار والأسرار
للقلب شأن غير شأنك في الهوى سلم له تسلم من الأكدار
خلف المسوح القاتمات طفولة لم تخف عن حدسي وعن أبصاري
ستدك قيد العمر عن أسرارها وتهد ما أعليت من أسوار
وتطالع الأفق الرحيب طليقة مكشوفة، مرفوعة الأستار
لا القمة الشماء تعدو عندها كلا ولا الأغوار بالأغوار
تتوحد الأرواح إما مسها حب يحقق رائع الآثار

