الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

أيام في مربض الشيطان، بض الشيطان

Share

هكذا تنقضي الأيام بين وحدة وملالة وهذا الصقيع الذي يشك بدنه كالأبر هل سيزول يوما . ساعات طويلة مع من لا يفهم . لو أرسلوا بهم إلى الكتاب لأراحوا وأستراحوا ولخمدت نيران الحرب الصامتة بينهما أو بين المؤدب ولكن . ارتمى على الكرسي الوحيد في الغرفة وأصابعه تفتح زر المذياع بصفة آلية أغلقه سريعاً ومطرب يصعقه بنهيقه . ما أروع نقيق الضفادع وما أشجى خوار الثيران الذي يداعب سمعه من حين لآخر ! ما أعذب نغمتها إن قيست بالأنغام التي أسمعها من هذا المذياع الجاحد ! كل يومين أغير له البطارية. أيستحق هذا العناء ؟ الوحدة جنون . جنون

إندفع الباب ببطء ليفسح المجال للبنت الجميلة التي زارته منذ أيام ولم بسطع نسيان وجهها المليح رغم نفوره من التفكير فيها . . هتف ذاهلاً :

- أنت قالت وهي ترخى أهدابها بطريقة ذكرته بنساء المدن : - لا تغضب ، أرجوك . أنت لا تريد رؤيتى ، لكني لم أفعل ما يسئ إليك - أبنة من أنت ؟ نسيت أن أسألك في المرة السابقة . - أسمي فاطمة ، وأبى هو ذاك الأحدب الذي يأتيك بالماء كل يوم . - أنت ابنة الأحدب!! - نعم ترى ألا يمكن أن أتعلم القراءة والكتابة . لو تقدم لي درساً كل يوم ، مقابل ذلك سأخدمك بالقدر الممكن ....

شهق ونظرتها المتوسلة تحاول تغليله . أعابثة هذه البنت أم هي صادقة بريئة ؟ مهما كان لم تمنع براءة حواء من طرد آدم من الجنة . هتف بجفاء :

- لا....لا أستطيع ذلك . - لكن لماذا يا سيدي ، لم لا تحاول مساعدتي ؟ أرجوك أذهبي ولا تعودي هنا ثانية . لا أريد أن أراك . . افهمت . دعينى وشأنى .

صرخت في وجهه في إنفعال : أنت قاس . قاس وجبان أسرعت بالخروج . بقي فى مبهوتاً لا يقوى على الحراك . حتى هذه البنت الساذجة . أيكون قد أخطأ في تقييم سذاجتها أم ما عاد للشك مكان . كل شئ فيها عا أنها تحاول إثارته وفرض نفسها عليه بكل الوسائل . وددت لو كنت جباناً حقاً ، لارتميت عليها ألقى على جسمها الناضح بثورة أعصابي ثم فليعم الطوقان الأرض وما فيها . ولكن ما بالكبريت يلعب العاقل . لئيمة أم ساذجة ، أم الاثنان معاً ؟ فليجب تاريخ الخلاء عن ذلك . .

أشعل سجارة وهو يلقى نظرة على الخارج من خلال النافذة . عاد مسرعاً يرتمي بإعياءعلى الكرسي. لحظة وكان الأربعة الذين رآهم قادمين في اتجاهه يطرقون باب الغرفة . اندفعوا والأحدب يقفز أمامهم رافعاً يديه إلى السماء ، يئن بصوت موجوع مردداً كلمات لم يفهمها . هتف متعجباً :

- ماذا جرى ؟ ماذا بكم ؟ قال أكبرهم وهو يدفع الأحدب بذراعه يبعده عنه: - الذي جرى يا سيدي هو أننا بدو لا نسمح بالإعتداء على الحرمات لأي كان .

هتف آخر وشنبه الغليظ يتراقص فوق ذقنه كأنه فرع شجرة : - من الظلم أن يعتدى رجل عالي الهمة على أناس مساكين ليس لهم غير الإيمان والشرف .

أرتمى الأحدب على الأرض وعلا عويله : - إتق الله وأصلح الغلطة . لا تعرض البنت للهلاك . ضاع شرف البنت يا ناس أرحموني..

إنزاح الشك وتفاقم الجنون وما جاءت هذه العصابة إلا لتلقي بى في غياهب التفكك . أهى مؤامرة أم صدفة لعينة ؟ سيفعل ما يشعر إنه حق ولينفجر البركان إن شاء الإنفجار .. صرخ بصوت ممزق :

- أى شرف ، وأية بنت تعنى أيها الأهبل ، لم أفهم شيئاً ؟ - ألم تكن أبنتي معك . رأيتها هاربة باكية ، آتية من عندك لا تحاول الإنكار .

- وماذا في ذلك . جاءت تطلب مني أن أقدم لها دروساً لكنني رفضت لا تقاعسا مني إنما نظراً لعاداتكم وحفظاً لسمعتها...

- لن أصدق ذلك حتما البنت لم تعد بكراً . من يدرى ما فعل بها ؟ لأنك الأقوى تعتدي علي وأنتم تقفون في صفه لأن أولادكم عنده..

نظر الجميع بعضهم إلى بعض . انتظر بقلب واجف نهاية المشاورة الصامتة ومصيره يتأرجح في عنق عنكبوت . قال كبيرهم وهو يسوي عمامته :

- سنرى ، إن كانت البنت على حالها فلا مشكل هناك ، أما إذا . . - نأخذها إلى المدينة نعرضها على حكيم . أسكته بحركة من يده :

- لم هذه المهازل ، القهرمانة أم السعد تقوم بذلك لا تظلموا البنت ولا تتهموا الرجل عبثاً .

شعر أن السماء انفتحت أبوابها والملائكة تضحك داعية إياه . رحل القوم والأحدب أمامهم كمهرج السرك يرتفع وينخفض وحدبته تزداد إرتفاعا توشك أن تحمله عالياً وتلقي به فى أحضان إبليس المتربص في مكان ما ينتظر قادماً . .

لكن لو كانت البنت ثيبا ؟ لو كان قد سبقه كلب وأكل اللحم الطرى هل سيكون مآله العظام أم يفضل رصاصة تريحه ولا تبقى من العمر غير آهة مكتومة تعلن عن خبر كان .

اندفع زميله إلى الغرفة مشعث الشعر ، منتفخ العينين :

- كنت نائماً ، ألا بد أن توقظني على ضجة ؟ ماذا تريد تلك العصابة منك ؟ - ما يريده إبليس من الدنيا....

ألم يحسم المشكل وانتهت المأساة على خير . ماذا يريد الأحدب المجنون بعد هذا ؟ القهر مانة " أم السعد " شهدت بعذرية البنت وأعترف له القوم بالبراءة فماذا بعد ذلك ؟

جلس القرفصاء أمام البئر عاري الجذع برغم الصقيع القاتل متأوها رافعاً يديه إلى السماء ، ضارباً من حين لآخر صدره العاري مردداً بصوت متحشرج كلمات ما إن يسمعها حتى تمسكه رغبة في سحقه :

يا رب ضاق بي الحال ولا لقيت للثأر ثنيه

ندعي على الظالم ينزال ما بين صبحة وعشيه

في الطين رأسى والصبر ماقدر يستر هالبليه

الذيب سارح في الدوار والنعجة غدت ضحيه

وقفت ثلاث قروبات فوق كاهل كل واحدة جرة ملآى بالماء . وقفن يرقبن الأجدب ويتهامسن مبتسمات . لعن ألف مرة المشهد المتكرر كل يوم حتى جف رقه . لم يعد يأتيه بالماء كالمعتاد . تعب لذلك أياماً وأخيراً أصبح الأطفال تلاميذه يقومون بذلك . لكن نواح الأحدب المعتوه يعذبه . يسلب عقله .

حث الخطى وقدماه تغوصان في الوحل الذي تركته الأمطار التي هطلت منذ أيام وقد زاده الضيق تذمرا .

شيخ الكفر لا يفتأ يلاحقه برغبته فى تزويجه من ابنته وصوت الأحدب يطارده هو الآخر كاللعنة السوداء والظروف لا يبدو أنها تفكر في مهادنته - صباح لخير يا سيدى ، هل أستطيع أن أطلب منك خدمة ؟

وقف على رغمه والجسم المفتول العضلات يبعث في نفسه الرهبة والتساؤل لكنه تعزى بمسحة البلاهة التي تغزو وجه :

- تكلم ، إنى أصغى إليك...

- الحقيقة أمي تريدني أن أتزوج سعدية أرملة العمدة السابق . جاءت من القرية منذ سنة لتعيش هنا . ثرية تملك الماشية والحلى ، إنما أنا كنت أفضل فاطمة أبنة الأحدب أحبها ، لكن بعد الذي جرى .

صرخ فيه بعنف : وماذا جرى ؟ أما انتهى المشكل على خير ؟

- أعرف ، لكنى أردت أن أسألك شخصياً إذ أمي ترفض أن اقترن بفتاة كانت لها فضيحة .

- أية فضيحة تعني ، هل جننت أمك ؟ البنت بريئة ، بريئة وأنا مظلوم. هل تريدون مني أن أقف فوق أعلى ربوة وأصرخ بهذه الحقيقة علكم تصدقون .

- من يوم الحادثة والبنت تبكي والأب لا يفتأ يندب حظه شاكياً متأوهاً - البنت مجنونة والأب جاهل معتوه . وإنما أنا أنا تعس إذ قبلت العيش في وكر الشياطين .

- أود التقدم لكني أخشى الفضيحة والأقاويل . لم أعد أدري ماذا سأفعل . - ولا أنا ، ما عدت أدري ماذا سأفعل .

وقف فى ساحة المدرسة مشدوها وقد تفرق التلاميذ في كل جانب يرمقون الرجلين بإنتباه وتحفز . زميله الهادىء البارد الأعصاب في نزاع مع شيخ قروي وقف قبالته كالعربة الغارقة في الطين لا يريد التزحزح . ارتمي عليه شاكياً :

- إنه لا يريد أن يترك للتفاهم فرصة . حفيدي ضعيف جداً قلت لو يهتم به قليلاً...

أنت لم تطلب مني الإهتمام به فحسب ، بل تريدني أن أزور أعداده . أجعله دوماً هو الأول مقابل هذين الديكين . أأقبل هذه المساومة الخسيسة ؟ - أحقاً ما يقول ؟ - وماذا في ذلك أخدمه ويخدمني . لو عندي أكثر من هذين الديكين لجئت به إنما أنا فقير .

- أتعرف أن شرف المهنة لا يقبل مثل هذه المساومات ؟ صرخ في وجهه غاضباً وهو يبصق على الأرض :

- أنت تتكلم عن الشرف يا من اعتديت بكل سفالة على شرف رجل لا حول له ولا قوة...

كاد يرتمي عليه يخنقه بأظافره المسمومة . وقف زميله بينهما يشل زحف المعركة . جذبه من يديه :

- هيا بنا ندخل القسم ، لنترك اليوم يمر على خير . وأنت خذ الديكين وأرحل ، سينجح حفيدك أن انتبه للدرس وأراد النجاح وإلا .

دخلنا القسم وصوت الشيخ صارخاً مهدداً :

- والله العظيم سأنتقم منك شر إنتقام . الله علي شاهد . سأقرأ عليك الليلة عدية "يس "سترى الكارثة التي ستنزل عليك . ترفع يدك في وجهي ، الله على الظالم ...

لم يع شيئاً مما جرى . سقط إصبع الطباشير من يده وهو يحاول أن يكتب كلمة في السبورة . صرخ طفل : الحرس . سيارة الحرس نهض الجميع يطلون على السيارة التي وقفت أمام الباب . شعر بالأرض تميد تحت قدميه وإحساس مجهول ينذر بشر مستطير.

اقتحم القوم القسم وقد أرتفع ضجيج الأطفال وهمهماتهم . بقى يحملق في الوجوه الغريبة بصمت يشحنه التوتر . صرخ الأحدب وجسمه يرتعد تحت الجبة الممزقة :

- هو ذا المدرس . لقد رأيته خارجاً من بيت القتيلة بالأمس ليلاً  ...كان خائفاً وهو يحاول الهرب في الظلمة .

انحبست همهمة الأطفال ووقفت حركة التنفس . اندفع زميله حسن وعلامات الدهشة تنهش وجهه الطيب . وقف قربه بقامته الطويلة كأنه يحاول أن يحميه من قضاء غاشم :

- لا يعقل أن يصدق هذا المجنون . وضع أحد الرجال يده على كتفه قائلاً في برود : - سنعرف ذلك في المركز . هيا بنا أخرجه الصوت من ذهوله :

- لكن لماذا ؟ لم أفهم شيئاً - إلى مركز القرية ستفهم هناك ماذا جرى . ركب السيارة وصوت صاحب الديكين يصرخ في وجهه وقد وقف مع الجميع يشاهد الركب : - ربنا على الظالم . هذه عدية " يس " حلت عليك بلعنتها .

تلاطمت الأشباح حوله وهدرت الأحداث حتى أوشك على الغرق . ألقى رئيس المركز بالقلم على المائدة وهو ينظر إليه بإمعان وتعجب:

- غريب هذا أمر لا يصدق . أنت خلف هذه الكارثة لا يمكن . هناك غلط ما

- الحق ما تقول . هناك غلط ما لكني لم أفهم ما حقيقة الأمر صرخ الأحدب ورذاذ ريقه يتطاير من فمه العريض: - أنت الذى قتلتها . فضحتني ووقف الحظ إلى جانبك ، لكن الآن سنرى ماذا ستفعل . نهره صوت الشرطي :

- أسكت أنت . لا تتكلم حتى تدعى إلى ذلك . - لقد وجدت سعدية أرملة العمدة السابق ميتة في بيتها ، مقتولة والأحدب يدعي أنه لمحك عندها أمس قبل الحادثة .

-أنا ! أنا لم أعرفها قط... أية دسيسة تحاك للمؤمنين في غفلة عنهم . أبله من لا يؤمن بعد اليوم بمقدرة الحقد وجهل الجاهل . أحسد الجماد على سعادته ودوام حاله أما أنا . رحمة على من قال ، من يتعب نفسه في إصلاح عقلية البشر فكمن يحاول إختزان الماء فى شبكة مثقوبة

دخل فجأة شيخ الكفر لاهثاً يترجرج جسمه السمين في جبته البنية اللون والبرنس الداكن ينسدل على الأرض يضفي عليه أبهة مأجورة ، والسبحة تتراقص بين أصابعه تزوده بتقوى مستوردة .

- لا تصدق هذا الأحدب المعتوه يا سيدي . مجرد إنتقام ساذج لا غير هناك عداوة بينهما

لقد قضى المدرس ليلة أمس معنا في بيتي . جاء قبل المغيب . لعبنا الورق ، وتعشى معنا . إضطر للمبيت عندنا نظراً للبرد وتهاطل الأمطار. لقد تمت بالأمس خطبة أبنتى عليه . طلب يدها ووافقت . فتى ممتاز لا غبار عليه لجاني هو أحد أبناء القرية الذين يترددون علينا . سرق الحلى وهرب . الأعوان يقتفون أثره .

هوى على الكرسي وقد اصطكت ركبتاه من هول المفاجأة . احتبست الصرخة في حلقه حتى زلزلت حنجرته . لم يعد يدري أيضحك أم يبكى . يحمد الله على الشهادة المزورة التي أنقذته أم يلعن الظروف التي تسعى إلى إلقاء القيد في عنقه رغماً عنه . صرخ صوت رئيس المركز :

- كيف تدعي أيها الأحدب الأعمى أنك رأيته ؟ أعرفت من هو الرجل برغم الظلمة ؟ وقع الأحدب أرضاً باكياً :

الرحمة الحقيقة لم أر شيئاً . كنت أريد أن أرد له الطعنة هذا الفتى المغرور . أنا أكرهه " ترى هل يمكن لي أن أقول إنى أتعس مما يطيق البشر . . ومظلوم أكثر مما يستحق الإنسان ؟ حذبه من معطفه وهو يطرد حشرة ارتكزت فوق أرنبة أنفه

- أزمة ومرت ويل لذلك المعتوه ! كان يود أن يلصق بك تهمة . من يوم حادثة أبنته وهو يزداد جنونا . أبتعد عنه وأسنانه تصطك غيظاً ومهانة

- أما أنا فسأرحل الآن . الويل لمن سيقف في طريقي - يا للجحود بعد الذي رأيته مني والبنت المنتظرة منذ أشهر . دفعه عنه بصمت ونقمة هوجاء تسمم الجو حوله . ابتعد مسرعاً تاركاً الرجل فأغرافاه يغوص في مستنقع خيبته . أمنع من تهمة ، أقع في الأسر.. يا للمصير الأغبر الذي يريد أن يلبسني إياه . لكني لن أمد عنقي للذبح دون مقاومة . فليبحث عن تيس آخر لعنزه التي يعزز عينيها الحول ، أما أنا . أفرغ جراب حنقه في الوجه الأسمر الذي تصدى له ببسمة حمقاء

- أنت أيضاً . ماذا تفعل هنا ؟ - أنسيت أن اليوم سوق القرية بعت الدجاج والبيض وسأعود إلى الكفر بعد قليل . هل نعود معاً؟

- لا ، عد وحدك . أنا راحل راحل أرتمى على يده يقبلها وملامحه تزداد بلاهة - مع السلامة يا سيدي . أذكرنا بخير سأتزوج فاطمة . صرخ غاضباً : تزوج بعفريت من الجان ما شأنى أنا بذلك .

- أرجو أن لا تكون لك فكرة سيئة عنا ضحك بالرغم عنه وهو يدير له الظهر : وما جدوى الفكرة أن كتب عليها الموت في منبتها . . المسلم به هنا : الأحوال متعكرة في إنحدار مستمر . الجهل ينسب جل القيم ، إنما الحياة سائرة نحو وجهتها المحتومة بلا توقف .

اشترك في نشرتنا البريدية