الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

أيام في مربض الشيطان

Share

تلاشت آخر معالم الحضارة وغابت عن عينيه . وتمركزت صورة الواقع أمامه كالحة ، مريبة تبعث على التساؤل والدهشة . تأكد أنه قضى عليه بالوحدة والضجر . أهى مؤامرة راح ضحيتها أم مجرد صدفة قضت عليه ينحسها ؟ شعر أنه سيتبول على نفسه من هول المفاجأة .

تقدم نحوه كهل داكن اللون ، غليظ الملامح عظيم الرقبة كرقبة ثور يعلفه أصحابه فى انتظار يوم الذبح .

" أنا ناظر المدرسة .. هل من خدمة يا سيدى ؟ " .

" أظننى عينت هنا للتدريس " .

ضحك صاحب الرقبة المتينة وجسمه تهتز كل قطعة فيه " ليس فى هذه المدرسة .. المكان الذى عينت فيه يبعد عنا بضعة أميال . مدرسة فتحت خصيصا لاولاد المنطقة لنجنبهم المجئ الى القرية . أناس مناضلون حقا ، لقد بنيت المدرسة فى شبه عمل تطوعى . تصور .. الارض تبرع بها أحدهم . سلع البناء تبرع بها آخرون ، ثم قام الباقون بالبناء . وهكذا أنجزوا مدرستهم . مدرسة القرية لم تعد كافية للحشد الوافر من التلاميذ  .." .

" إذن هى فى مكان كل ما يمكن أن يقال فيه : إنه أقل من قرية ؟ " .

ربت على كتفه باسما " لا تسارع بالجزع . ما زلت يافعا ، لن تثنيك الصعاب .. سيحملك الى هناك أول من يصادفك . لا تنس ، الهواء نقي والطبيعة بديعة .. " .

الطبيعة .. كأن متاعب عيشى ستتركنى أهتم بها . ساذج هو أم خبيث .؟ رجه صوت الشاب نصف الأبله وهو يوقف الحمار :

- وصلنا . عليك بتقديم نفسك الى شيخ الكفر سيتولى هو أمرك . ألا تعرف أحدا هنا ؟

القى نحوه بورقة نقدية وهو ينزل من على ظهر الحمار . اختطف الآخر الورقة بحركة متلهفة . ألقى التحية وذهب .

كبداية عهد لا يمكن أن نقول : إنها طيبة ، لكن لا مجال للبكاء على الاحداث . ستمر الايام شئت لها ذلك أم أبيت . سيدفن الميت رغم اعتراض النفوس المكلومة ، فلنؤجل النواح الى حين . الآن هدنى التعب . فلأذهب الى شيخ الكفر لأرى عن كثب كيف يمكن للحياة أن تسير وسط هذا الخلاء ، على قدميها أم على رأسها .

من الملحد الذى قرر إرسالى الى هذا القفر النائم بين أحضان إبليس !؟ مهما كان فلتحل عليه لعنة الشياطين العشر . لو بقيت العمر أدعو عليه فى صلواتى ما هدأ بالى ..

" إن لم يكن غير ممكن الالتحاق بمدينة ما على الاقل قرية قريبة من مسقط رأسى .. إنما غير ممكن أن .." .

قاطعه حانقا ووجهه ينتفخ غضبا : " من واجبى على ما يبدو استشارتك قبل تعيينك فى المكان الذى يجب الذهاب اليه . أهذا ما تعنيه أم ماذا ؟ لا تنس انك لست مخيرا فى ذلك ..." .

" لكن .." .

" ولا كلمة . تقرير مدير المدرسة التى كنت بها لا يترك مجالا لانصافك . لا تفتح باب المشاكل . لن تكون النتيجة فى صالحك . مع السلامة " .

الويل لذاك الكهل المسوس الاعضاء كأنه عامود كهرباء خرب . لم يفلح الجبن ، ولا اللبن المختلس من ترميم ما هده المرض .. أنحنى لافكاره وأغض الطرف عن اختلاساته والا يكون هذا النفى الذى يحبط العزائم  .. أيها الخير أأنت أسطورة يحلو للنفوس المعذبة ترديدها ؟ أم ..؟

- أهلا بك فى مدينة الاندلس .. هيء نفسك للفراغ والملل . التسلية الوحيدة هنا ، المذياع ولعب الورق . أما إن كنت من هواة الطبيعة فالجبال والوديان كثيرة ..

- مدرسه بقسمين أيعقل ذلك ! ؟ لذا لن نجد من المدرسين إلا أنا وانت ..

ضحك مازحا : الرجل المتمدن يقول أنت وأنا . يترك نفسه دوما فى الآخر . هذه أصول الآداب الغربية .

- أما زلت تذكر المدنية وأنت مطمور فى هذا الخلاء .؟

- طبعا ، بل هى فرصة للتعلق بها أكثر ما دام ليس فى حوزتى منالها , فلأحلم بها على الاقل .

- حقا ليس كهذا المكان يفتح شهية الاحلام . لكن أنت ، أآنت من أبناء المنطقة ؟

- لا ، جئت من قرية أخرى تابعة لنفس الولاية . قبلت لانه ، ليس فى اليد حلية . كلها سنة أخرى وأعود الى حيث كنت .. الرغيف يلهو بنا لما يشاء ، اليك بمعلومات قيمة . شيخ الكفر هنا هو سيد القبيلة . إن أحبك هو أحبك الله وان غضب أصبحت كاللاجئ فى أرض غريبة . إنما عدونا الرسمى هو المؤدب صاحب الكتاب . أنا فى نزاع مستمر معه . هو لا يود الاعتراف بالمدرسة ، وأنا لا أود الاعتراف بالكتاب . والاولاد ممزقون مرة اجدهم فى كفى ومرة أخرى ترجح كفته .

- لو تنازلت لكسبت المعركة وأرحتنا من عناء كبير .

هناك فى القرية يوم سوق يذهب اليه الجميع للتسوق . بالنسبة لهم روم عطلة أو عيد . إن أردت الجلوس فى مقهى فهناك مقهى القرية طبعا على بعد أميال لن تفكر قط فى الذهاب اليها إن كنت عاقلا .

أما الناس هنا إما يحرثون الارض أو يشربون الشاى ويلعبون الخربڤه . - يا للاخبار التى تعيدني برجة واحدة الى عصور الجاهلية !!

- إما لا تخف ، ستشبع بالدجاج والبيض واللبن . ماذا تريد اكثر ؟

ضحك ومرارة تزحف الى حلقه تخنقة :

- لأجل ذلك أرى بطنك انتفخ ، من الاول حسبته محشوا تبنا .. - لأرض بالكسكسى والدجاج واللبن الرائب ..

- أظن أنه لم يبق أمامى الا هذا ، فلاستسلم الى الواقع .. " إن كنا قد أرسلنا بك الى هناك فنحن نعرف ماذا نفعل .. " .

" لكن من مصلحتى ومصلحة عملى أن أكون فى المكان المناسب لى .. ثم ظروفى العائلية " .

قاطعه بحدة : هل تعرف مصلحتك أكثر من الدوائر المختصة ! ؟ " . حقا هل أعرف مصلحتى اكثر من الحكومة ؟ " .

- الغذاء اليوم عندى . أنت فى ضيافتى فتشجع أيها البطل .. - سأذهب قبلا الى شيخ الكفر ، أسوى الامر معه ، ثم مشكل السكن .

- سنذهب بعدها معا .. لا تحلم ببيت أو غرفة حمام .. ما هى سوى غرف من صنع محلى .. بعيدة كل البعد عن بعضها كأنها فى خصام دائم إنما تقوم بواجبها .. هناك واحدة قريبة منى .. هيا بنا الآن معدتى تصرخ جوعا .

" كل شئ يدعو الى الاحباط فلأغرق مصائبى فى الاكل ، عل الشبع ينسينى ما أنا فيه .. " .

كذب سمعه وهو يسمع نقرأ على باب الغرفة . اعتقد أنه فأر يعبث بأحد الاركان . ازداد النقر قوة . نهض متثاقلا من تحت الاغطية وهو يلقى بالكتاب جانبا . فتح الباب . انتصبت أمامه قروية جميلة يبدو على مطامحها الحياء مزج بآثار خبث برئ وهى تجول بنظراتها فى وجه الاسمر المتناسق القسمات . وقف ذاهلا يرنو اليها .

دخلت وهى تضع اللغة التى بيديها على المائدة . قالت متلعثمة : - سمعت أنك فى حاجة الى مصيدة فجئتك بواحدة . كما حئتك بقليل من الزبدة والبيض ... قال والذهول يتنازعه مع الخوف : ما كان يجب أن تتعبى نفسك ..

- هل استطيع أن أقدم لك خدمة ؟ أنت وحيد وفى حاجة الى رعاية .. - لم أرك قبلا : ألا تخرجين ؟ قالت وخداها يزداد توردهما : أبى لا يريدنى مغادرة للكوخ ..

" ان كانت مساوئ الريف الملل والفراغ والوحدة التى تفرض نفسها على النفوس ، فمزاياه الهواء النقى ، والاندماج فى الطبيعة والعيش مع الفطرة . أقوى حجة على ذلك تورد الخدين ، والجسد الريان تحت الفستان العريض ..

- عودى الى الكوخ قبل أن يتفطن والدك الى غيابك .. ما كان يجب أن تأتى .. اذهبى ..

- أتطردنى يا سيدى ؟ كم أود أن أقدم لك خدمة ! هل أنظف لك البيت .؟ - صرخ بالرغم عنه : لا ، لا أريد شيئا . قلت لك عودى الى أبيك .. شهقت باكية : أنت ترفضنى قروية ..

هربت ودموعها تنساب على وجهها المتورد . عاد يرتمى على السرير متثائبا فى اكتئاب .. البنات هنا لا يكاد يلمحهن . إن رآى إحداهن فبطريقة عابرة كالخيال الخاطف لا يكاد يهفو حتى يختفى .

جاءت بمصيدة .. فلتأكلنى الفئران إن أرادت ، الخطر الحقيقى لا يكمن فى الفئران إنما فى طلقة بندقية تطلق فجأة بيد قروى جاهل تلوث فكره بالحفاظ على شرف يهدده الخوف الدائم .

لكن ترى ما خلف التودد الساذج نية بريئة أم مؤامرة تود الزج بي فى متاهات النزاع والثأر ..

أيتها الشيطانة معذرة ، ما كان بوسعى أن أعطيك أكثر مما تستحقين من البراءة ، فللبراءة الآن أغراض لا تخفى على العاقل ولا تنطلى علي . كما لا ينطلي على تودد شيخ الكفر .

ابتسم له مهللا وجسمه البدين يبدو تحت الجبة كجدار قائم من حجارة صلبة .

" كل شئ على ما يرام . أنت مدرس طيب . الاولاد يشيدون بأخلاقك وابنى لا يفتأ ينوه بمزاياك وخصالك . حظنا كبير ان كنت من نصيبا " .

نعم ، ولكن حظى كان معدما يوم رمتنى الاقدار بينكم . هكذا دوما نكبة أحدهم تكون سعدا للآخر . أحمد الله على كل ضرر حصل وخير لم يحصل .

- أهلا يسيدنا الشيخ أشفيت مما كنت تشكو ؟ فقال المؤدب وهو يتعمد التمعن فى وجهه متجاهلا مخاطبه : - باذن ربنا وبركة القرآن الذى يثقل صدرى عادت الصحة وزال الخطر .

حاول أن يقول له : انظر الجرادة المستقرة فوق عمامتك الكبيرة ، لكنه غير رأيه لتبقى فى مستقرها وعليها أمان الله . عاد صوته المهلهل يطن قبل أن يذهب لسبيلة :

- أنا لا أؤمن بعلم فى الدنيا الا بالقرآن . ما عداه هراء ، جنون للملحدين .. جنون . ضحك شيخ الكفر وهو يلكزه فى ظهره :

- لا تعبأ بكلام سيدنا المؤدب ، إنه مع ذلك طيب القلب .. " فى الحقيقة لم يعد طيب القلب الا المجنون أو الابله ، ما عداهما فقد فعل الزمان به ما شاء له " .

- ستتغدى معى . ستأكل أشهى أكلة بالارانب . ابنتى هى التى أعدتها . لا شئ أكرهه مثل الارانب . لكنى سآكلها ما دمت لست مخيرا لا فى مجيئى إلى هنا ولا حتى في قبول أو رفض هذه الدعوة المرتجلة . الناس يعيشون لبطونهم ما دامت الحياة الحق لم تصل بعد اليهم .

لم تقدر الارانب سدى كانت خلفها خطة تحمل فى طياتها فتاة كالزبيب الحاف يئست الارانب وحار الكسكسى فى تغيير اتجاه مجراه . وضعت صينية بها كؤوس وبراد شاى تفوح منه رائحة نعناع ذكى .

انسحبت وهى تلقى عليه نظرة باسمة زادها الحول الذى بعينيها طرافة .

- من يوم أن رأيتك أحسست أنك ستكون مثل ابنى .. آه ابنى الكبير مات منذ سنة فى الخارج . حادث سيارة ما علينا . لكن أنت ، ألا تفكر فى الزواج . وتزوجت أنا دون سنك ..

- لم أقف بعد على قدمى لافكر فى ذلك .. - لا تفكر كثيرا وادخل المعركة . لا من يموت جوعا ، الرزق على الله ..

عرفت بعد فوات الاوان سر الدعوة والارنب ، والنظرة الباسمة وهى تضع براد الشاي أمامى ، بعد ذلك .. أأومن بالبراءة ! ؟ فلأنم هذا هو الحل الوحيد الذى ما زال بعيدا عن منطقة الشك .

- المشكلة الحقيقية هى النور . لم أستطع الى الآن الرجوع الى الوسائل البدائية . ثالث مصباح ينكسر فى ظرف شهر ..

- عشاء على الشموع ، أهناك أكثر منه شاعرية . الناس يدفعون من أجله الاموال الطائلة فى المطاعم الفاخرة وانت تجده مجانا وتتذمر ؟ حقيقة صدق من قال ، أولى مزايا العربى هو تذمره الدائم من شئ ومن لا شئ ..

- و الماء مشكلة يومية ، وذاك الاحدب يأتى به وكأنه يقدم لى هبة برغم أنى أدفع له ما لم يكسبه فى حياته .

- المدينة أفسدتك . أصبحت تتجاهل هبة الطبيعة . من يستمع الى شكواك الدائمة يعتقد أنك برجوازى مظلوم ..

- تبا لك ، من كثرة سماعك الى الاذاعة أصبحت مهرجا . لا لوم عليك فى ذلك ..

شكر لها ، علمتنى أن الزمن لا يفتح ذراعيه الا للمهرجين . هل سيغير غضبى شيئا من الحقيقة .

- الشئ المتوفر هنا ، البرد والمذياع الذى لا ينفك يهذى . العمل الآن شراء البطاريات الجديدة . لم أكن أتصور أنى سأضطر يوما الى سماع كل الترهات التى يحملها لنا المذياع ..

- أنا غالبا أسمع دون أن أفهم . لم هم يتكلمون كثيرا ؟ حتما لرفع معنوياتنا . يعرفون أننا شعب عاطفى ..

- قل لمغالطة الرأى العام الدولى واستبلاه العقول البسيطة . ثرثرة عقيمة .

- حتى الاغانى التى تذاع تنزل على الروح كفطرات السم . يا ويل المستمع منها !

- ترى على أى أساس تتركز مهنة المذيع الحقيقية ؟ - التهريج هو أول أساس لها وأحسن كفاءة . ألم تقل : إنى أصلح أن أكون مذيعا . ؟

- إنسان يحلم بالحرية وهو محشور فى قمقم من رصاص . يصرخ ملء صوته وفمه محاط بالاسلاك الشائكة . يرمق الجحيم بعينيه لكنه يسبح للجنة .. - أناس واكبهم الحظ يبيعون الهراء بمئات الدنانير ، بينما نحن نكسر رؤوسنا اليوم كله فى تربية ما يسمونه بالجيل الصاعد ولا نكسب ما يسد الرمق . لكأننا نكسر الصخر وربما لو كان الصخر نفسه لتفتت ، لكن رؤوسهم ... آه يا له من جيل لا يوحى بالصعود إنما هو بالنزول أجدر .

- وما قيمة العلم أمام ضرب الدف أظن العزلة انستك بعض الحقائق . لم لا نكون قد أخطأنا فى اختيار السبيل الموصل الى الغاية ؟

- ربما أتتصور ، طلبت من طفل العودة الى بيتهم لكى يغسل وجهه المتسخ بالتراب ، فما راعنى الا هو يقول لى : لم هذا العناء سأتعب فى تنظيفه وسيتسخ مرة أخرى ..

قال ضاحكا وهو يشعل سجارة : - له الحق  .. سينقضى العمر ونحن نكرر نفس الافعال الروتينية .. - قلت لك : أفسدك الاستماع الى الراديو . دع التهريج لاصحابه وفكر فى حل يعيدنا الى حظيرة الآدميين .. أنسيت أنك أصبحت أبا ..

- فى الحقيقة أوشك أن أموت ضيقا . أضحك لكى أنسى كربى . لا أعرف ماذا يحصل هناك . هل تحسنت الاحوال أم ؟ كان من المفروض أن نفتح مستشفى فى كل قرية هذا هو الصواب . مستشفى بقسم خاص للولادة أما أن أكون مضطرا للجوء الى أول مدينة تصادفنى لكى أضعها تحت رعاية دكتور ,  هذا فوق الاحتمال . لقد تركتها فى حالة سيئة .. سأتغيب مدة يومين او ثلاثة لن أحتمل الانتظار أكثر . قرف .. قرف .

- الدنيا بخير والاحوال فى تحسن تأكد من ذلك .. - لست مذيعا ولا صحفيا حتى أرى أن الدنيا كلها بخير . تبا لك من مراوغ .. ترى متى أراك أبا أنت الآخر ؟ - عندما تنزل الارض من فوق رأسى وتسير على الارض كجميع المخلوقات ..

( للقصة صلة )

اشترك في نشرتنا البريدية