ندوة القراء
لعمر الحق لقد اصبت المحز فيما حبرته الى القارى فى مجلة الفكر المشرقة فى عددها الاخير تحت عنوان فى عظمة الاسلام وبعض أحوال المسلمين (*) فقد كنت صريحا ومرشدا ومصلحا وداعيا الى اقوم السبل فى ذلك الفصل النير
واني لاذكر عندما ذهبت الى الحج فى مفتتح سنة فى 1973 وشاهدت امواجا من المسلمين لا حصر لها تغمر البيت العتيق بالطواف وشاهدت الكثير من المؤمنين يزحفون إلى المدينة دار الهجرة والسنة قد القت بهم الارض من مشرقها ومغربها يقودهم الايمان فتيجشمون المشاق وينفقون الاموال الغزيرة . وما من بقعه من بقاع الارض الا والقت بالافراد او بالطوائف يأتون من كل فج عميق من بينهم الاعجمى الذي لا يكاد يبين والعربى الفصبح ومنهم الذى يمسح بغطاء رأسه حديد الحجرة النبوية ثم يضعه على وجهه شوقا وحبا فى الرسول الهادى صلوات الله وسلامه عليه وذلك مبلغه من العلم ؟
فعندما كنت اشاهد ذلك المنظر العجيب الذي يحيى الالباب اخلو بنفسى مفكرا واجتمع بغيري قائلا اهذه الكثرة العارمة وهذه الملايين الوافدة اليس يحدوها الايمان ؟ اجل يحدوها الايمان ويقودها اليقين فكيف انهزمت وكيف غلبت على امرها بعد ان كان سلفها يملك ناصية الكون ويثير اعجاب الذين حضروا ويحير أفكار الذين درسوا ثم اتذكر كيف انبثقت شمس الهداية الالهية من تلك الاراضى الجدباء القاحلة العابسة فغمرت الكون القديم بما فيه واصلحته فى اسرع وقت عرفه تاريخ العمران فلم يكد القرن الاول من الهجرة يودع الدنيا حتى انتشر الاسلام فى شرق الارض وغربها من اقصاها الى ادناها نشرته طائفة قليلة جامعة بين الايمان والسلوك ونحن
نفوقهم عددا فما بالنا تأخرنا عن الركب وغلبنا على امرنا ؟ بعد ان كنا السابقين الاولين فاصبحنا كقدح الركب وهو لا يكون الا من خلف . والتعاليم الاسلامية التى خوطبنا بها تدعونا الى التقدم بمقدار ما تندد بالتخلف والخالق جل وعلا يخاطب رسوله فى التنزيل منددا بالمتخلفين عن الجهاد فى سبيل اعلاء كلمة الحق والعزة فيقول له فان رجعك الله الى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ابدا ولن تقاتلوا معى عدوا انكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين الآية والخالف او المتخلف لا قيمة له ولا حياء عنده فكيف تخلفنا ومن أين اتينا والتعاليم تحجر علينا التخلف وتدعونا الى الثبات والجهاد والتقدم والله يحب المؤمن القوى حسبما ورد به الاثر الصحيح طالما ألقيت هذه الاسئلة على نفسي فى الاراضى المقدسة ثم على غيرى من رجال الفكر والعلم من اعلام المسلمين الذين حضروا الحج فى تلك السنة فلا اجد لذلك جوابا - وقد وجدت الجواب اليوم فى مقالكم الذي يقول فيه :
(( كان المسلم فى العهود الزاهرة قد وجد توازنه النفسى واوجد بين الدين والدنيا روابط ليس امتن منها ولا اشد احكاما فظهر فى سلوكه مع نفسه ومع الناس عنوان الاخلاق الفاضلة ومستودع القيم العالية فتماسك المجتمع الاسلامى بفضل ذلك فى جميع اوجه النشاط البشرى وامكن له ان يشع على غيره من المجتمعات . )) الخ وتلك هى الحقيقة
ولعل اعظم الاسباب فى تخلفنا جهلنا لمفهوم الايمان الذى انقلب الى تقديس الاحجار والحديد والى ما يشبه الوثنية وضاعت من بيننا تعاليم الاسلام واهدافه التى شعارها ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين اجل ذهب الايمان بالحق والفضيلة والكمالات الانسانية والوحدة الصماء فى مقاومة الاباطيل والشعور بالمسؤولية نحو انفسنا ونحو غيرنا .
وبالتالى لا دواء لنا ايها الاستاذ المخلص الا ما بينتموه وشرحتموه من احكام الروابط بين الدين والدنيا فيظهر المسلم بعد حين مطهرا زكيا عيقدة وسلوك مندفعا الى القيام بالاعمال العظيمة مخلصا نقيا فى تماسك مع اخواته جاعلا نصب عينيه سورة والعصر - التى جاء فيها - والعصر ان الانسان لفي خسر الا الذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر صدق الله العظيم تلكم السورة التى بنت مجتمعا فاضلا ارقى مما تخيله الفلاسفة فى المدينة الفاضلة ناهيك بان مجتمع والعصر اسه الايمان وروحه الاعمال الصالحة
للبشرية وهدفه تدعيم الحق والذود عنه ومثله التقدم الى الامام فى سائر الميادين ووسيلته الصبر والتماسك واحكام الربط بين الدين والدنيا فاذا اوجدنا مجتمعا كهذا لا يبالي بالمشاق ولا يحفل فى سبل الغاية العظمى بالصعوبات والانفاق وصلنا الى السبع الطباق كما وصل غيرنا وذلك لنتحرر من كل النقائص التى اخرتنا عن الركب . ولعل هذه الغاية العظمى لن نصل اليها الا بالتربية الاصيلة التى شرحتم اركانها والتى نحن فى اشد الحاجة اليها تنفعنا فى شباينا الموكول أمره الى حكومتنا المهتمة به ولا سيما وزارة التربية القومية التى يديرها مؤمن بالقيم الروحية وبالفضائل الاسلامية وبذاتيتنا الاستاذ محمد مزالى راجين منه ان يمنحها من العناية ما لا يقل عن العناية بالعلوم التقنية والعلوم الفطرية والطبيعية فيحصل الربط بين الدين والدنيا وبذلك نكون ارقى الامم سلوكا وتغلبا على الصعوبات ومسايرة لما تتطلبه الحياة الانسانية الراقية

