لا مرية فى أن للتفوق الصناعي قديما وحديثا ، أثرا بارزا ملموسا في التفوق الحربي والسياسى والاقتصادى .
حينما كان للعالم الاسلامى والعربى صناعاتهما الثقيلة والخفيفة ، كان عرينهما محاطا بسياج من الحصانه والحراسة يحول دون اقتحامه من الدخلاء والمستعمرين .
وحينما نهض الغرب ، بعد اقتباسه من حضارة المسلمين والعرب ، علومهم وصناعاتهم بالاندلس وبغداد وديار الشام وديار مصر ، كان العرب والمسلمون يغطون في نوم عميق من اهمال علم الصناعة الراقد للشؤون الحربية والاقتصادية ، وفي غفلة تامة تتجسد في الاعراض عن العلوم التطبيقية التى كان لاسلافهم فيها القدح المعلى . وفي اثناء انثيال جيوش الغرب ومعداته الحربية الهائلة على ديار الشرق استعمارا واستثمارا كانت منتجات مصانعه الهائلة تنهال على بلاد العرب والمسلمين بدون تحفظ وكان هؤلاء يتقبلونها ويشترونها بنهم ، لا لغرض استيعابها ونقلها وتقليدها ثم تطويرها . . ولكن لمجرد الاستهلاك المحلى والانتفاع الموقوت ، والتفاخر والتباهي بمحاكاة الغربيين فيما يلبسون وفيما يطعمون وفيما يترفهون ..
وحينما بدأ الوعى يتفتح للواقع الاليم الذى يدور فى فلكه القاتم ، العالم العربى والاسلامى في مطلع هذا القرن الهجرى ، كان زمام المبادرة فى يد المستعمرين . . فوجهوا تعليم ابناء العرب والمسلمين الى وجهة هوجاء عجفاء غايتها الاولى والاخيرة الدخول في عالم الوظائف البدائية والتشبع بمظاهر الافتخار بمحاكاة الاوروبيين فى لغة ومظهر . . لا في صناعة وعلم واثمار . .
وحينما عن لأولياء أمور الشباب اذ ذاك أن يبعثوا ابناءهم حينئذ أو بعيده الى الغرب كان زمام المبادرة أيضا بأيدى سماسرة الغرب نفسه ، ومن ثم وجهوا اولئك الشباب الى الوجهة الجوفاء . . الى وجهة قشور العلم لا الى لبه . . فأقنعوهم واغروهم بان يطلبوا من العلوم ، فن الآداب الغربية ومذاهبها واتجاهاتها ، وفن الحقوق والقوانين الغربية وبالجملة الى وجهة النظريات البحتة ، التى لا تغذي عقلا راشدا ولا تضم شملا ، ولا ترفع مستوى عمليا ، ولا اقتصاديا ولا حربيا ، وانما تصبغهم بصبغة تقليدية أو (( غرابية )) أو (( ببغاوية )) تدور فى فلك اساطير الغرب في آدابه ورواياته واقاصيصه ومذاهبه الفكرية والخيالية ، وتقاليده التى لا تتفق مع تقاليدنا في قبيل ولا دبير ، وليست
بالنسبة لمهمة (( الانبعاث )) في عير ولا نفير . وهكذا حدث للعرب في مبدأ نهضتهم الحديثة كما حدث لاسلافهم من البلبلة فى الرأى والسياسة والاتجاهات ، حينما نقلوا بأمر المأمون ، كتب اليونان اليونانية في منطق وفلسفة وما اليها . . تماما بتمام . .
والآن وقد وضح الامر ، وانجلى الغامض ، وانكشف المخبأ ، واستبان لكل ذى عينين ان العلوم التقنية والصناعية والمصانع لا الآداب وعلم الحقوق والفلسفة النظرية هي (( السر (( المختبىء وراء عظمة أوروبا المادية الحاضرة ووراء مدنيتهم هذه الضخمة الهائلة . . وبها تغلبوا ويتغلبون ، وبها يقلبون الامور على ما يرونه ويحبونه . . بدون اعارة أية نظرة جدية وايجابية للمبادئ الانسانية الحقة . . فعليكم ايها المسلمون . . ايها العرب . . ان تبحثوا عن اقتناص طائر هذا السر المكتوم ، لتستخدموه في سائر شؤونكم ، عليكم أن تنقلوا الصناعات الغربية والمصانع الغربية ، والعلم التقني الغربى الحديث الذي مكن للغرب من السيطرة على مقدراتكم الى عالمكم أنتم . . ولكن بوعى وجدية جادة وتصميم لا يتراجع ، عليكم أن تجعلوا نصب أعينكم تحقيق هذا المطلب الحيوى العظيم من مطالب حاضركم والهدف
الاول من أهداف مستقبلكم فيكون لديكم مصانع ثقيلة وخفيفة تنتج لكم الصناعات الثقيلة والخفيفة ويديرها رجالكم ويفهم أسرار تركيبها وتفكيكها شبابكم ، كما يقوم بصناعة أجزائها الكبيرة والصغيرة الواضحة والدقيقة مهندسوكم وعلماؤكم . .
لا أستثني من تلك المصانع مصنعا أيا كان مهما يعظم أو يضؤل . . من مصنع الابرة الى مصنع الطائرة النفاثة ، ومن مصنع المرسمة الى مصنع حاملة الطائرات .
عليكم أن تبتعثوا نجباء شبابكم الواعين الراشدين الاذكاء زيافات ووحدانا الى أوروبا وأمريكا ، والى كل مكان صناعى لكى يلتهموا العلوم الصناعية والتقنية وما اليها ، في الجامعات والمعاهد والمصانع والورش التى تعنى بهذا كله وذلك ليطبقوا معلوماتهم على العمل فى مصانعكم المرتقبة وبين أجهزة هذه المصانع ، وليتشبعوا بدقة وامعان وفهم عميق ومران صحيح دقيق بهذه العلوم . . حتى اذا انتهوا من دراساتهم كنتم قد اوجدتم لهم او نقلتم لهم ، من المصانع العديدة الحديثة ما يعملون فيه ليل نهار . . بجدية ووعى واهتمام . . يديرونها ادارة حكيمة ويفككون أجزاءها ويببدونها اعادة سليمة قويمة ، ويطورون وينتبونها اذا ألزم الامر ، والأمر
فى حقيقة واقعكم ملزم لكل هذا ، محتم له اى الزام واى تحتيم . .
بذلك ايها العرب وأيها المسلمون مع الاحتفاظ بمبادئ دينكم تكونون ارتفعتم الى مستوى الاحداث والظروف ، وبذلك تحفظون حقوقكم من الاهدار ، ودياركم من الاستعمار ، وبذلك تطردون (( شذاذ الآفاق )) من بلدكم المقدس ثالث الحرمين ، واولى القبلتين ، ولا يفل الحديد الا الحديد . . وقد امركم الله بهذا نصا فى كتابه العظيم فقال مخاطبا لكم ، وآمرا لكم موجها الى سبيل الرشاد وطريق القوة والفتوة الوحيد . قال تعالى : (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )) . وأية قوة أقوى اليوم - بعد الدين الحنيف - من العلم التقني الصناعي الجبار الذى ينتج الصاروخ والنفاتة والطراد والبارجة ، والرادار والمرناء والطوربيد وزورق الطوربيد ، وكل جهاز دفاعي وهجومي فتاك مبيد .
وكما أنتجت عقول الغربيين كل ذلك فبوسعكم مضاهاتهم فيه ، أو التفوق عليهم فيه وقد صدق المثل الشعبى السائر حينما قال : (( كل من له عينان وراس ، يصنع ما يصنعه الناس ))

