الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

إبتسمي

Share

قصة

كانت ترتجف وهى تخط العنوان التالي السيد المحترم عمر الناصر 397 نهج تربة الباى - تونس ترتجف ، بجسدها كلة ، يداها ، ركبتاها ، نهداها ، ولم يزعجها ذلك فقد كانت فى رواية خالية ولن يراها احد وهي على تلك الحالة انما الذى ازعجها ، هو أنها لا تعرف سبب ارتجافها ، هل هو الخوف ، أم الحب ، أم الالم ، والحق أنها كلها اسباب معقولة ، ولعل واحدا منها هو ما جعلها ترتجف كان بها حمى

وكانت مفاجأة لم تتوقعها قط ، ولن يتوقعها اى احد لو كان فى مكانها ، مفاجأة . زادت فى اضطرابها ، وجعلت وجهها يحمر كانما كل الدم الذى يجرى فى عروقها تجمع هنالك فى وجهها ، حين رفعت راسها ، فوجدته أمامها ، يثنى يديه على صدره ، ويبتسم ابتسامته المعهودة : خبث ، ومكر ودهاء ، وسذاجة ، وبساطة ، وطيبة ، كلها مجتمعة فى آن واحد ، حتى اللامبلاة .

فكرت أن تقول له : لقد سافرت ، ؟ حسنا انت اذن فى صفهم ، انك تتجسس لفائدتهم . الا أن خالدا بادرها :

- ماذا فى الرسالة ، لابد ان اطلع عليها . . فردت عليه بلهجة حادة : - لن تراها ، لقد ودعتنا وسافرت ، فلماذا عدت .؟ ثم تقدمت الى الامام بخطوات ، صوب صندوق الرسائل وقد ازداد ارتجافها ، واضطرابها ، فاقترب منها خالد وامسكها بعنف من كتفها قائلا:

- فتيحة انك تتجاهلين حقيقة يسرنى لو أراها مرسومة على جبينك باحرف بارزة . . انني ابن عمك وخطيك لا تتجاهلى هذه الحقيقة ، حقا لقد كنت مسافرا ، ولكن عدت لأودعك للمرة الثانية . . اننى

اعتلت وجه فتيحة مسحة ، لابد ان تكون من الغضب قاطعته :

- عدت لتتجسس على ، لا لتودعنى ، انك . . . فقاطعها :

المهم أن تناولينى الرسالة ، انك تخفين عنى اشياء ، اعرف ذلك منذ البداية ، انك تسخرين منى ، لكن كان عليك أن تكوني صريحة ، قولى الحقيقة ولن يخيفك شىء . . قول : اننى اعتبرك وضيعا لا تستحق حبى وعطفى وسترين ، لن أتاثر ، ولن أغضب ، لانني اعرف رايك في سلفا ، انك منافقة مداهنة والغريب انك لا تعرفين ذلك ، ولا تعرفين أنني في غني عنك وعن حبك ، لقد كنت مسافرا لاعلم ابى بخطبتنا ، أما الآن فاننى اسافر لا علمه بسفرى الى فرنسا .

وهم أن يختطف الرسالة من يدها ، الا أنها أسرعت فالقت بها فى الصندوق فصرخ خالد فى ثورة : - لك أن تعتقدى اننى وضيع سافل ، أما اننى ابله فلا ، لقد قرأت العنوان ، عمر الناصر 397 نهج تربة الباى ، ساخبرك غدا بكل ما في الرسالة . ثم انطلقت يده اليمنى ، ففاجأت فتيحة بصفعة حادة واردف

ساقول لابيك ، ساطلعه عن كل شئ ، ولو أننى اعرف انه يعتبرنى مثلك وضيعا ، وليس سماحه لى بالاقتراب منك الا لغرض ، كنت أجهله ، أما الآن فقد اتضح السر . .

سقطت دمعتان كانهما حبتا لؤلؤ على خد فتيحة ، وحاولت ان تقول شيئا أن تفعل شيئا ، لكنها لبثت لحظة صامتة ، تنظر الى خالد ، ثم الى الصندوق الذى اودعت فيه الرسالة .

ما عساها ان تقول ؟ وما ذافى وسعها أن تفعل ، فى وسعها ان تقول ما بدالها وان تفعل ما تشاء ، لكن النتيجة ؟ النتيجة ماذا ستكون ؟ سيركب خالد راسه ، وينغص حياتها ، كان من حقها أن تشفى غليلها ، فتنتقم من خالد ، ولو بسبة ، لكن لا ، انها لا تملك اية امكانية . .

فكرت فتيحة فى كل هذا ثم التصقت بخالد وقالت بصوت ذليل كسير

- أعدك بقبلة يا خالد ، بأكثر من ذلك ، فارحمني ، لا تثر ضدى المشاكل ، انني لا أتحمل حدوث أى مشكل يا خالد ، كفانى ما أعانية . . حسبى ذلك ، اننى فى حاجة الى هدنة . ارتسمت على شفتى خالد تلك الابتسامة المعبرة عن كل المعانى المتناقضة ، والتى تمقتها فتيحة مقتا شديدا ، وقال بلهجة تنم عن ندم صاحبها :

- اعتقد اننى أعرف هذا الاسم - عمر . . عمر ، لى صديق اسمه عمر ، أما هذا اللقب فاننى اجهله ، الناصر ، الناصر ، أبدا لم اسمع بهذا اللقب

قط . . حسنا لن اسافر الا بعد ايام ، لا تخشى من شئ ، فلن اثير ضدك اى مشكل ، بل اننى اتمنى لو انك تستعينين بى على حل مشاكلك ، اننى لست وضيعا كما تعتقدون ، وامنحى لى انت فرصة لابرهن لك على اننى عكس ما تعتقدين ، أما هى فسألتحق بها . .

لم تجبه فتيحة بشئ ، ولم تحاول أن تفهم ما يعنيه بالجملة الاخيرة التى تلفظ بها . . انما القت نظرة اخيرة على صندوق الرسائل القائم فى زاوية ربما لا يعرفها الا القليل من سكان المرسى ، ثم القت نظرة أخرى على خالد وانصرفت تسير بخطى بطيئة مطاطئة الرأس ، يداعب شعرها الاصفر المبعثر على كتفيها وصدرها ، نسيم عليل ، عائدة الى دار ابيها تأملها خالد وهي تسير ، اعجبه شعرها ، اعجبته قامتها ، اعجبته مشيتها . . اعجبته انوثتها الصارخة ثم تمتم :

- كنت أحبها لو لم تكن عربية ، ولو انها ابنة عمى ، ومن دمي ثم اتجه قاصدا المحطة ، ربما كان ينوى الذهاب الى تونس ، ولربما كان الدافع الى ذلك هو التعرف على العنوان الذى خطته أنامل فتيحة منذ قليل وهي ترتجف عمر الناصر 397 نهج تربة الباى تونس

وفى يوم الغد ، وكانت الساعة التاسعة والنصف صباحا عاد عمر من سفر لم يدم الا خمسة ايام ، قضى منها يومين فى بنزرت عند عائلته حيث كان ينوى ان يقضى عطلته السنوية كلها ، لو لم يشعر بالسام والضجر فى الليلة الثانية . ففضل العودة الى تونس التى يعرف أنه لن يقضى فيها عطلته الا متألما ، قلقا ، فدفعه ذلك الشعور الى المبيت يماطر ليلتين ، وبمنزل بورقيبة ليلة ، وها هو يعود ، فاتجه فور نزوله من السيارة الى محل سكناه ولم يكد يفتح الباب حتى وقع بصره على رسالتين ، انحني فالتقطهما ، ولم يحاول ان يتعرف على خط صاحبيهما ، انما بادر ففتح الاولى وراح يقرأ :

" صديقى العزيز عمر ، زرت بيتك مرتين فلم اجدك وقيل لى انك متغيب منذ أربعة أيام .

سأعود غدا ( السبت ) 1955/2/24 عند منتصف النهار ، لعلك تكون قد عدت ، صديقك المخلص الذي يرجو ان تتقبل فائق تحياته : خالد

لم يكترث عمر كثيرا برسالة خالد ولا بموعده، انما فض غلاف الرسالة الثانية . فاعترته هزة ، وأحس بدقات قلبه تعنف وتتزايد ، عرف الخط خطها هي ، فتيحة التى لم تكتب له أو تحاول الاتصال به طيلة ثلاثة اشهر ماذا تريد ! لقد كان يظن انها نسيتة ، ولم يعد يخطر ببالها ، حتى أنه كاد ان يطوى صفحة حبهما ، ويعقد قرانه باخرى . . كان الذنب على كل حال ذنب الظروف الى حد الان . . .

اسند عمر ظهره الى الجدار ، وراح يقرأ بنهم وشغف : " حبيب قلبي عمر " اكتب اليك هذه الرسالة ، وانا اشعر اننى فى اعماق بئر عميقة ، بل انني بالفعل كذلك ، لابلغك صرختى : النجدة يا عمر حبيبي ، النجدة . . . فان لم تسارع لانقاذى فستعلم بعد ايام اننى غادرت الحياة ، وغادرها معي قلب يحبك . . لقد قررت الانتحار بطريقة أو بأخرى . ان عدمت نجدتك ، وسارت الامور فى المجرى الذى هى عليه الآن ، وحتى اذا لم أمت ، ولم تسعفني الظروف بالخبال ، فالذى لا شك فيه هو ان الحاجز الذي يفصل بيننا الآن ، سيبقى الى الابد . .

اما كيف ذلك ؟ فها أنا أشرح لك كل شئ . . منذ الواقعة ، اى منذ اليوم الذى اكتشف فيه أبى علاقتنا ، فهددك بالقتل ، كما هددني أنا ، وحاول بالفعل ان يقتلنى ، لو لم تخلصني أمي من مخالبه بمشقة ، منذ ذلك اليوم يا حبيبى . . انقطعت صلتى بالحياة ، بالعالم الخارجى . . لم استطع أن اتصل بك ، بل ولم ار فائدة فى ذلك ، وكنت اعلم انك لم تحاول الاتصال بي ، وحتى لو حاولت ، فلن تجد الى سبيلا ، ربما انك اتصلت بابي ، ولكن ذلك لن يزيد الطين الا بلة ، ان ابى فظ غليظ ، حقود سيصدمك ولاريب ، فلن تعود .

انقضت ستون يوما ، شهران كاملان ، يا عزيزى ، وانا فى سجنى ذاك ، كل ما حولى متنكر لى ، يصرخ فى . . انك مذنبة ، أبي ، لا يكلمنى ، ولا يرفع بصره نحوى . . أمى تنظر الى فى عتاب واشفاق وصمت . . الفراغ المهول ، يطاردني من زاوية الى اخرى

ماذا اكثر من هذا لفتاة يعمر قلبها الحب ؟ بل لفتاة اطلت على عالم الحب ٠٠ ؟ ثم ٠٠

ومند شهر ياحبيبى زارنا ابن عمى خالد ، فالح أبى على استبقائه لست أدرى لماذا ؟ لعله ليتولى حراستى . . ولم اشعر بوجوده اول الامر . . لكنه اكثر من التودد الى . . وكان الوحيد الذى لا ينظر الى بعين العتاب . . وقد وجدت فى ذلك عزاء . . وسلوى . . حتى انه خطرت ببالى خاطرة ، هي سبب مأساتى الان . . لم يكن خالد يعلم عن الواقعة اى شىء ، وقد سرني ذلك بل وشجعنى على تنفيذ ما خطر لى . . .

قررت الانتقام ، من ابى ، من أمى ، من نفسى ، منك أنت ، من الحياة ، من المجتمع ، والثأر لنفسى ، لقلب الجريح لحظى المغتصب . .

ولم تكن الوسيلة لذلك ، سوى خالد ابن عمى ، الذى ابغضه واكن له الاحتقار . .

فانطلقت ، انطلقت ياحبيبى ، فى ذلك السبيل ، منحته اول يوم بكل سهوله ما شقيت انت من اجله اياما ولم تتحصل عليه الا بعد عسر وعناء . .

اغمضت عينى ، وقربت شفتى من شفتيه وسرعان ما سرى التيار ، لقد خيل الى فى تلك اللحظة وفى غيرها من اللحظات ، ان الشفتين الملتصقتين بشفتى ، وأن الانفاس اللافحة الممتزجة بأنفاسى ، وان الصدر الذي يضمنى اليه ، هى شفتاك ، وانفاسك ، وصدرك ، فوجدت لذة ما بعدها من لذة وشعرت بأسى عميق ، حتى اننى تنهدت هامسة

- آه يا عمر حبيبى قد يبدو هذا خيانة ، ولكن ماذا فى وسعى ان افعل ، أني ابحث عنك وبينى وبينك حجب ، واستار ، وعوالم ، ابحث عنك يا حبيبي فسلكت طريقا انها طريق الخيانة ، ولكن أنا ابحث عنك ، وعن نفسى فى آن واحد . ان المرأة تجد حبيبها حتى فى الوسادة ، وقد وجدتك في خالد الذى ابغضه واحتقره ومهما يكن . .

فقد تطورت الامور بسرعة لم أكن لا توقعها ، استسمح خالد من ابى أن ارافقه فى نزهه مرة ، فسمح له ابى بما اراد ، لعل ذلك اشفاقا على ؟ ثم تكررت النزهات ذهبنا مرتين للسنما ، ومرات للشاطئ ، واكثر من مرة الى اكثر من مكان . . تحدثنا عن رجاء ووسيلة ، تماما كما كنا نحلم أنا وانت بالمستقبل الزاهر . .

وباختصار يا حبيبى عمر . . النجدة ، النجدة ، لقد هويت في اعماق بئر عميقة . . ان خالدا خطبنى وابى مسرور بذلك رغم انه غير راض عنه ، وينظر له بنفس النظرة التى انظر بها انا . .

على هذه الحقيقة استفقت ، انها مرة ، مزعجة فظيعة ، وانا فى مازق ، مازق وضعت فيه نفسى بنفسى ، أو وضعتنى فيه الظروف . لا ادرى . .

اردت أن انتقم فانتقمت من نفسى ، وبحثت عنك فاضعتك . . اسرع ، اسرع يا عمر ، لا تحنق على ، وافعل ما تراه كفيلا . . اننى رهن اشارتك فاسرع ، والا . .

المخلصة الى الابد فتيحة . . "

بينما لا تزال الرسالة بين يدى عمر ، تتراقص حروفها وتتشابك سطورها ، حتى لكانها تريد ان تقفز من الورقة وتتبعثر فى كل مكان من المنزل ، بل من الحياة كلها ، فلا يكاد يحول بصره الى شىء ، حتى يبصرها تتراقص ، هى الحروف التى خططتها أنامل فتيحة ، ثم تمتم

- وخالد لماذا يلح على الاتصال بى . . ودون ان يجيب نفسه ، أطرق يفكر ، فيما يجب فعله ، فتيحة فتاة حمقاء ، بلا شك ستقدم على الانتحار ، ستنتقم هذه المرة بهذه الطريقة بعد أن

فشلت بالطريقة الاخرى . عليه اذن أن يسعى لانقاذها بكل وسيلة ، فماذا يمكنه ان يفعل ؟ صحيح انه تقدم لخطبتها ، لكن ابوها صدمه صدمة عنيفة ، وخدش كبرياءه ، واهانه ، بالاستهزاء منه . أية طريقة يتبعها يا ترى لانقاذها انها منطقيا خائنة ، وغبية ، تستحق أن تنال جزاءها ، ولكن لا ، لا ، انها تحبه ، انها لم تفعل ما فعلت الا من أجله ، حتى الخيانة . . عليه هو أن يفعل شيئا ، ما هو هذا الشئ يا ترى ؟ ايقربها ، قد يكون ذلك وقد يكون غير ذلك . . ولا يزال أمامه خمسة وعشرون يوما من عطلته ، يستطيع ان يفعل فيها شيئا . .

استطرد عمر : - أن رأى فتيحة فى خالد ليس الا وجهة نظر ، ولربما هي تحتقره لانه يحتقرها ، ويحتقر كل فتاة عربية ، ان له فكرة اشاطره فيها ، فالحب عندنا ليس الا بابا نفتحه للمشاكل والمئاسى . . ولكن مع ذلك فان هذا لا يستوجب احتقار الفتاة أو الشاب ، بل يستوجب دفعهما الى الثورة ، الى التمرد المعقول فهناك اغلال وقيود يجب تحطيمها . . على أولا أن اتصل بخالد . . ان اذهب اليه حالا ، فمن الحماقة أن لا يعرف الانسان رأى خصمه . .

وفى اللحظة التى قرر فيها عمر الذهاب الى المرسى وغادر محل سكناه فى طريقة اليها ، فى تلك اللحظة بالذات ، كانت فتيحة تنظر الى خالد باشمئزاز وهو يبتسم ابتسامته المعهودة ، قال لها :

- يجب ان نكون فى تونس قبل منتصف النهار ، ان اعصابك متوترة ولا شك ، فعليك أن تتنزهى ، وتبدل البيئة والجو ، ولقد اعددت لك مفاجأة ، لن أقول ان كانت سارة أم لا . انها مفاجأة وكفى

فقاطعته : - أريد أن أعرف هل أنت خصم أم صديق ، أما انا فاننى لا احبك . . بل - عليك أن تغيرى رايك فى حاولت فتيحة أن تفهم ما يعنى ، وان تنفذ الى اعماقه فتقف على حقيقته . فكان عليها ان تستعيد كل ما جرى البارحة في دارهم ، لقد جرت حوادث عنيفة جدا ، ولكنها مع ذلك بسيطة لا معنى لها حين تفكر فيها الان ماذا جرى البارحة !

بينما كانت فى باحة الدار تفكر فى حبيبها عمر وما سيفعله حين يتلقى رسالتها . . وما يمكن ان يطلبه منها من تضحيات لكي ينقذها ، بينما كانت كذلك وكان الليل قد أرخي سدوله ، وابوها في غرفته يطالع صحيفة كعادته وأمها فى غرفة الاكل ترتب المائدة ، اذ دخل خالد ، نظر اليها وابتسامته تلك لم تفارقه وتمتم

- فهمت كل شىء ان الفتاة العربية غير صريحة . تلك مأساتها . . ثم دلف الى حيث أبوها ، وليست تدرى ماذا دار بينهما بعد ذلك ، بل ولم تكثرث حتى بهما . . انما بدا لها انها تأخرت فى الاستنجاد بعمر ، وقد فات الفوت ، فلتكن الكارثة ، فاسرعت الى المطبخ ، حيث صعدت على كرسي وربطت حبلا بوتد فى اعلى الجدار ، ثم وضعته فى عنقها ، وقبل ان تتسلق الحبل ، وتبعد الكرسى برجلها زمجرت فى حنق

- لن اتحمل حدوث اى مشكل ، لقد قلت له ذلك ، سأتصرف فى الحياة حسب امكانياتي

وما أن كادت تصرخ صرخة مفزعة مرعبة حتى كانت امها تقف أمامها مشدوهة ، لا تدرى ما يجب أن تفعله غير صيحة :

اه ، ابنتى ، ماتت ، ياللكارثة . . لماذا ماتت ؟ فاسرع خالد وعمه ، وانحنيا عليها ، خلص أبوها عنقها من الحبل ، ثم رفع بصره الى فوق ، كان الوتد قد اقتلع ، حالما ابعدت المقعد من تحت قدميها ، لم تمت اذن ! غير أنها مغمى عليها ، لعلها قد اعتقدت أنها ماتت فاستسلمت كما يستسلم كل من تفارقه الحياة ، تعاونوا فحملوها الى سريرها ، وهناك كان اول من تكلم هو خالد قال :

- كما كنت ذكرت لك ياعم ، لا فائدة من الاصرار ، وأؤكد ان الحل الوحيد هو الذى اقترحته عليك . .

فقالت أمها مخاطبة زوجها : - كان عليك أن تنظر الى الامر نظرة واقعية . . انها ابنتنا الوحيدة ومن ادراك

وفكر أبوها : - حقا لقد كانت حمقاء ، ولو ماتت لكنت أقتله بدوره . . غير انه خاطب زوجته قائلا :

- انظرى ان كان الحبل قد جرح عنقها  وهم أن ينصرف غير ان فتيحة فتحت عينيها الذابلتين وارتسمت على شفتيها العذبتين ابتسامة بريئة حلوة وقالت كأنها تهذى :

- حبيبي ، ماذا سيقول أبى يا ترى ؟ البنت نسميها وسيلة اما الابن فانني اقترح رجاء ، ولك انت ان تختار له اسما . . اننى احبك يا عمر . . آه ترى هل يوافق أبى . .

ثم صمتت وصمت الجميع . وساد الجو سكون رهيب بديع وبعد لحظات قطعته

فتيحة وقد عبس وجهها ، وفارقت الابتسامة البريئة شفتيها العذبتين :

- لقد حذرتك يا خالد ، فلم حدثت أبى عن الرسالة . كان أبوها قد غادر المكان ، ولا يعلم الا الله فيما كان يفكر . . فاجابها خالد :

- اقسم لك أننى لم أقل لابيك سوى أن عمر طيبا ، وانه يستحقك وأننى عدلت عن خطبتك ، صدقينى ، اننى لست وضيعا كما تعتقدين . . ثم ان عمر من اعز اصدقائى ولن أتوانى عن مديد المساعدة اليكما . .

قالها بتأثر . ثم غادر المكان ، دون أن ينتظر معرفة رأى فتيحة هل صدقته أم لا ؟

سمعت فتيحة صوت امها تخنقه العبرات ، وهى تمسح بيدها على شعرها .

- حرام الانتحار ، يا بنتى حرام - اليس زواجى ممن لا أحب حراما . . اليس حرمان محبين من بعضهما حرام ؟ . . ان الحرام كل ما أتاه ابى معى

- كنا نعتقد أنك أحببت خالد . . . - كلا ، كلا ، انما كنت اريد الانتقام فحسب . . كنت أفعل مع خالد ما حرمه على أبى مع عمر . . كنت أثار لنفسى ، اسمعي يا امي لن أتزوج خالدا ، كلفني ذلك ما كلفني . .

بدأت اعصاب فتيحة تتوتر ، وشعرت أمها بذلك فغادرتها ، بعد ان طمأنتها بأنها ستحاول اقناع ابيها بذلك . . وبعد قليل استسلمت هى لنوم عميق . . لعل الحظ اسعفها ، فرأت عمر فى المنام اثناءه . .

استعادت فتيجة حوادث البارحة كلها ، بينما خالد كان يثرثر بما لا تدرى واخيرا همست :

ماذا سنفعل بتونس يا خالد ؟ اعتقد انه يجب ان اغير رأيك . . فرد عليها فورا .

انهضى يجب أن نكون هنالك قبل منتصف النهار وستعرفين فيما بعد ماذا سنفعله . ان المفاجاة يجب أن تاتي على حين غرة والا لما كانت مفاجأة .

وفي القطار ، راحت فتيحة تفكر . . انصرف فكرها فى آن واحد ، الى خالد الذي يجلس امامها ، ثم الى عمر الذى لا شك انه قرا رسالتها ، ثم الى ابيها . وتساءلت في سرها ، ما تنطوى عليه نفس خالد يا ترى ؟ واية مفاجأة اعدها لها ؟ انه عرف عنوان عمر ، ولربما ذهب اليه ، ولعله صديق له بالفعل

فوجده فى عرس ، فأراد أن تقف هى بنفسها على المشهد الرائع : عمر حبيبها بين احضان عروسه ! فتيأس بعد ذلك منه ، ولن يبقى أمامها سوى خالد او من يختاره ابوها . . لكن خالدا قال لها البارحة ، انه حاول اقناع أبيها بأن عمر طيب ؟ اصحيح ذلك . . الا يكون ابوها نفسه يتئامر ضدها مع خالد ؟ كل ذلك ممكن وليس فى وسعها الا ان تنتظر المفاجاة . .

أما عمر ذلك الشاب الانموذجي الذي نزل لها من السماء . . فاحبته من سويداء قلبها ، كما أحبها هو . . عمر الحبيب أيكون قد نسيها وتزوج ؟ حينئذ لم يكن يحبها وانما . . ؟ أيدب اليأس الى قلبه بهذه السرعة صحيح أن الظروف قاسية ، وأن اباها أو أى أب آخر ان صمم على شئ فلن يثنيه عنه أى اعتبار أم أن عمر بدوره راح يبحث عنها فى اخرى كما بحثت عنه في خالد - فتورط . لكن عمر ، يجب ان لا يتخلى عنها بهذه السهولة ، ان اى عاقل يعرف أن الحب فى ارضنا بين اثنين اذا اكتشف فشل ، لكن المعجزات . . نعم فى بعض الاحيان تحدث معجزات فتجعل ذلك الحب ينجح في آخر لحظة .

وأبوها . . أبوها ذلك الصامت كالقبر ، ماذا كانت مشاعره البارحة وهو يشهدها طريحة ، وحبل الموت فى عنقها الا يكون قد رق قلبه ، فأعاد التفكير فى أمر حبها . . فيسمح لنفسه بأن يتصورها مع عمر في عرس . . ان عمر لم يأت ما يضره ، انه لم يفعل سوى انه أحبها كما يحبها هو ، أبوها ، ولربما اكثر . . .

الحقيقة لا يعلمها الا الله وحين نزلا من القطار ، ركبا سيارة ايجار همس خالد في اذن سائقها - 397 نهج تربة الباى . . من فضلك

في ذلك الحين كان عمر يطوف بمقاهى المرسى باحثا عن خالد ، ولما لم يجده اتخذ قرارا محرجا : سيذهب الى دارها ويصعد الدرجتين ، ويدق الجرس ، ويسأل عن خالد فأن وجده فحبذا ، وان اطلت عليه فتيحة فسيعرف ماذا يفعل . . وليكن ما يكون . .

وهناك ، وبعد ان ضغط على الجرس ، انتصب كالتمثال فى انتظار الرد . . لم تخامره أية فكرة ثانوية ، يمكن أن تجعله يتراجع ، كان كل ما فى رأسه هو أن يرى خالدا أو فتيحة . . وان حدث غير ذلك ، فيتصرف كما تسمح الظروف . . .

وبالفعل حدث ما لم يكن يتوقع ، لم يخرج خالد ، ولا فتيحة ، ولا أمها

انما انفتح الباب ، وانتصب فيه رجل يتخطى الخمسين ، تبدو على ملامح وجهه الصلابة ، والغلظة . . التقت عيناه بعينى عمر . . كان الرجل هو والد فتيحة ! ! والد حبيبته . ؟

انقضت فترة طويلة والرجلان ينظران الى بعضهما بعضا ، دون ان يقوى احدهما على التلفظ بكلمة . . كان رأس عمر يزخر بالافكار - وكذلك كان رأس والد فتيحة غير ان افكار هذا تختلف عن افكار ذاك ، كان كل منهما جبلا يقف تجاه جيل . . جبلان متناقضان متحديان لا يربط بينهما سوى خيط واحد ، هو فتيحة ، لانها لم تستطع ان تتخلص من ايهما بل ولانها مزيج من الجيلين فكر والد فتيحة ، أن ينقض على عمر . . أو يصرح في وجهه

- ايها الوغد ، ما الذى اتى بك ، لقد اشرفت على الهلاك بسبب وما زلت تطاردها ، اغرب من امامي والا صببت عليك جام غضبي ، فمزقت رقبتك كما كان الحبل سيمزق رقبة ابنتى . .

وفكر عمر فى ان يتقدم نحوه ، فيقبل يده ، ويستعطفه كما فكر ان يقول له بلطف :

سيدى اننى لا ابحث عنك ، بل عن خالد او فنيحة ، لكن الاول تصور عنق بنته والحبل يحيط به ، وهى طريحة مغمى عليها ، ورنت فى اذنيه اول كلمات رددتها فتيجة ، اننى احبك ياعمر ، ترى ما سيقول ابى .

فاحجم عن التلفظ بأية كلمة وجمد في مكانه . . كما تذكر عمر ان المنتصب امامه ، هو والد حبيبته الذى هدده بالقتل ، والذى طرده شر طرده ، لمجرد ان عرض عليه فكرة الزواج بابنته . .

هم الاول ان يعود ادراجه ويغلق الباب وراءه كما هم الثانى ان يطاطئ راسه ، وينصرف فى سبيل حاله ، الا ان هناك شيئا يجعلهما يجمدان فى مكانهما . . هنالك فتيحة ، تفرض على كليهما ان يفعل شيئا من اجلها

واخيرا جمع عمر قواه ، وقال بصوت هادىء :

- سيدى ارجو ان تكون قد نسيت الماضى . كما ارجو ان تسمح لى فاقول لك ان ابنتك حمقاء ، وقد ...

وقبل ان يتمم كلمته ، كان والد فتيحة يتقدم نحوه . . ظن عمر انه يريد به شرا . . وحاول ان يحدد موقفه ، وما عليه ان يفعله ، كما حاولت فتيحة فى تلك اللحظة وهى عائدة فى القطار مع خالد من تونس بعد ان ذهبا الى بيت عمر فلم يجداه ، ولم تعرف لماذا ذهبا اليه . . حاولت ان تفهم موقف خالد بالذات منها ، ومن عمر ، وهو يحدثها عنه وعن علاقته الوثيقة به ، وعن المأساة

التى حدثه عنها كثيرا ، وتألم من اجلها الما مبرحا ، دون ان يدرى هو ان ابنة عمه التى خطبها اخيرا ، هى الطرف الثاني فى المأساة ، ومما قاله لها ، أنه تمنى لو كان قد مد يد المساعدة لعمر ولها ، وانه يحب فتاة فرنسية ارتحلت الى مرسيليا ، وسيلتحق بها ، كما اوضح لها فكرته فى الحب في البيئة العربية

كان خالد يتحدث بلهجة اقرب ما تكون الى الصدق غير ان فتيحة ، كانت تنظر اليه ، على انه يواصل نسج خيوط مؤامرة دبرها بالاشتراك مع ابيها . . ولما سألته :

- ماذا قلت له فى الرسالة التى تركتها له حين لم تجده ؟ ابتسم ابتسامته المعهودة قائلا

المحطة الاخيرة ، لقد بلغنا المرسى ، ستعلمين فيما بعد فحوى تلك الرسالة وحينما بلغا الدار فوجئا بما لم يكن يتوقعا ، انتهى الى مسمع فتيحة صوت ابيها من قاعة الاستقبال مخاطبا خالدا

خالد ، انه هنا ، فدفعها الفضول الى تتبع خالد لتعرف من هناك . . وما ان اطلت براسها ، حتى ولت الى الوراء مشدوهة وسريعا عاد اليها خالد مبتسما تلك الابتسامة وقال لها :

- الا تزالين تحتقريننى . . غيرى رأيك فى ، ابتسمى . . ابتسمى . . ان اباك يبتسم لحبيبك ، لقد تم كل شى ، هل فهمت ؟ ابتسمى . وابتسمت فتيحة ، دون ان تدرى انها لو لم تتخذ موقفا لما اتخذ ابوها موقفه ذاك . .

اشترك في نشرتنا البريدية