الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

إبراهيم بوجادوره

Share

سيارة خضراء عائلية ، تنساب فى سهل أجرد ، فسيح ، تنزلق عجلاتها على رمل رطب ، يتطاير منه غبار خفيف وكثيف فيحجب الأفق ، تنعرج السيارة ، نعلو وتهبط ، تظهر وتحتجب ، تقترب وتبتعد ، انها تسرع فى اتجاه قبة بيضاء منتصبة على سفح (( جبال فائض)) الزرقاء التى تمتد الى الافق على شكل التواءات وانحناءات . . داخل السيارة وجوه عديدة ، مختلفة ، امرأة فى منتصف العمر ، ملتحفة ، جالسة قرب السائق علوان النوفى ، وخلفهما أجسام مرصوصة ، اختلطت فيها الايد والارجل ، وتحاكت الرؤوس ببعضها البعض فى تمايل . . العرق ينضح ليمتزج بحبات الغبار المتسربة من خلال الشقوق والثقوب . هدير السيارة يتجاوب مع صياح خروف مشدود فوق سطح السيارة يحاول التملص والافلات ، رافعا رأسه ثم لا يلبث أن يرتخلى منصاعا للقيد الذى أوثق أرجله . .

كانت المرأة تتمتم وقد بدا ذلك من طرف اللحاف الذى غطت به فمها ، نرفع عينيها الى فوق مبتهلة فى خشوع ومذلة ، ثم لا تلبث أن تستسلم لأفكارها وهواجسها، منشغلة بعض الشىء بما يدور فى السيارة من حديث حول ابراهيم بوجادوره ، ذلك الولى الذى أصبح يستقطب أحاديث القرية ، فكم من حكاية تعبر عن معجزاته وتنبؤاته ! وكم من قصة تروى صدق أحاديثه . .!  ابراهيم بوجادوره أصبح اسمه على طرف كل لسان ، وفى قلوب العذارى ، وفى أفئدة العاقرات . فى احلام الصبية ونظرات الشيوخ . .  كان ابراهيم بوجادوره فى أواخر الاربعينات شابا ريفيا وسيما ، هاجر الى تونس العاصمة واندمج فى أوساطها ، وتعرف على بعض العائلات فى حمام الأنف وباردو والمرسى ، ووقع انتدابه جنانا فى بساتين عائلة تنتمى الى البايات ، وأصبح فى مدة وجيزة ابن

الدار كما يقولون ، يتقابل مع النساء ، والبنات ، يصاحبهن للتنزه ، يسامرهن ويسليهن بطرائفه المضحكة ، لم يكن يعرف هناك بابراهيم بو جادوره ، فاسمه الحقيقى ابراهيم الخليفي نسبة الى سيدى خليف وهو الولى الموجود على سفح سلسلة حبال فائض الزرقاء. .  ابراهيم فارع الطول ، غزير الشعر ، عريض الشاربين ، واسع العينين ، يختلف وجهه عن وجوه شباب المدينة ، لونه الاسمر الريفي يزيده مهابة ورجولة ، وأسنانه الطبيعية ناصعة البياض بدون استمال مواد التنظيف . .

كان ينكب على حديقة المنزل ، يشذب الأشجار ، ويقلم الأزهار ، ويعزق التربة ، ويسقى الغرس ، ويطبخ الشاى تحت الصفصافة العالية . . وينام فى غرفة مخصصة له . لم يكن ابراهيم يدخن ، أو يعاقر الخمرة أو يرتاد الماخور ، أو حتى يفكر فى مطارحة الغرام مع أية بنت كانت مهما بلغت من الحسن والجمال ، وهو الريفى الحريص على عفته واستقامته وعدم خيانة الماء والملح . . ولكنه بدأ يحس أن أشياء كثيرة تختلف حوله عما كان يشعر ويؤمن به ، يرى ولا يكاد يصدق ، ويسمع ولا يقبل الاقتناع بسهولة. . لم يعد يفكر جيدا فى قرية سيدي خليف ولا فى مزارعها أو هضابها وأوديتها ، فى طيبة أهاليها ورقتهم ، وعذوبتهم ، فى جمالها وعذريتها غرق ابراهيم فى تلك الاسرة التى انعمت عليه ، وفسحت له مجال العيش والحياة وأنسته فى أبيه وأمه. .  تغير ابراهيم فى هيئته ، فى مشيته ، فى لغته ، فى حركاته وفى كل شىء . . وهو يتفنن ويبدع فى رعاية ذلك البستان ، والذوبان فى ابرازه كأحسن البساتين التى تفتخر بها الاسر الغنية فى العاصمة . . رفيقة فتاة المنزل الفاخر وابنة سيده ، لم تكتمل بعد سنتها السابعة عشرة ، هى زهرة الحى وفاتنته . . قد رزق أبوها بخمسية أطفال ، ثم أنجبتها أمها ، فكانت قرة عينيها وبهجة آمالها ، تربت فى دلال وبحبوحة عيش الى أن أصبحت شابة ، يافعة ، تنطبق عليها كل مقاييس الجمال ، تلهت بها العيون منذ طفولتها وخطبها شبان موسرون ولكن أباها كان فى كل مرة يرفض معللا ان ابنته ما زالت صغيرة ولم يحن بعد التفكير فى خطبتها أو زواجها . .

ـــ صباح الخير يا ابراهيم . .

يرفع ابراهيم رأسه ويسوى من انحناءته ممسكا بمقص الاشجار ، تفاجئه صاحبة الصوت بابتسامة تذيب الكبد، وبعينين صافيتين أنقى من لون السماء تجذبهما رموش سارحة . . انبهر بهذا الكدس من الفتنة والروعة . . وتزحلقت

عيناه عبر الفم القرمزى للمحائر الى العنق البلورى الطويل ، الى فسحة صغيرة على الصدر حيث يحضن أعلى الفستان ارنبين صغيرين متوثبين ، وقفز نظره الى الابطين حيث يطل سفحا النهدين فى تمرد وجبروت . . وغاب قليلا فى بحر من التصورات والافكار :

ـــ يسعد صباحك يا رفيقة ، كيف الحال يا عروسة ؟

وانتظر ابراهيم قليلا لكن رفيقة ظلت صامتة ، مكتوفة اليدين ، سارحة بعينيها فى أشحار الحديقة كأنها تريد أن تلتهم العالم بحدقتيها . .  وكانت خصلات شعرها الناعم تضطرب على جبينها ، وتنحدر الى كتفيها فى شكل أمواج مثيرة . .

ابتسم ابراهيم فى حيرة ، ورماها بنظرة فاحصة ، فتأملته من الرأس الى القدمين :

ـــ إنى قلقة يا أبراهيم . ـــ أنا في خدمتك ، هل تطلبين شيئا ؟ ـــ لقد طلبت من أبى أن يسمح لي بالذهاب الى الشاطى ، ولكنه بدا متخوفا ولم يوافق الا بعد تفكير طويل ثم اقترح ان تصطحبنى الى الشاطىء ، فهو يثق فيك كثيرا . . هل توافق ؟

ما زل تقول هذه الفتاة ؟ أى سحر هبط على من السماء ؟ أى قنبلة ؟ أى حظ اصطفانى وجعلني أظفر بهذا الكنز ؟ بلع ريقه وقال :

(( . . كما تشائين يا رفيقة . . )) على الشاطىء الأخضر الجميل الممتد الى البعيد تتمدد أجسام مختلفة النعومة والخشونة ، تتغذى من الشمس المتدفقة حرارة ، وفى الماء الصافى المائع تستلذ اجسام أخرى. .  لغط وهرج ومرج ، صياح باعة (( القلوب )) والمشاميم يزيد المكان أنسا وحركة . . ابراهيم يحذق التأقلم مع كل الأجواء ، فالذى لا يعرفه يحسبه ابن العاصمة ، زيادة على حسن بداهته وذكائه . . سحبت رفيقة ثوبها وبدت كسمكة منتزعة من البحر ، وبان جسمها الممرد كأنه قطعة من النور وتاه ابراهيم فى جاذبيته وكاد يفقد عقله ، طلبت منه أن يخلع ثيابه للسباحة معها ، وشعر برواسب الخحل تغلف وجهه ، لكنه تغلب عليها وخاف من الاستخفاف ، وسرعان ما لبى الدعوة . . وكانت برودة الماء تنفذ اليهما ، فغطسا ،وامتدت الايدى الى بعضها البعض ، أحس بقشعريرة تغمره ، وأحست بعالم جديد تكتشفه . .

ولبت المشاعر النداء ودخل ابراهيم ورفيقة فى حلم لا نهاية له . . تسلل أحدهما الى الآخر عبر عالمين متعطشين للقاء ، عبر صدره القوى ذى الشعر الكثيف ، وعبر صدرها المتوهج ، النابض بالدفء ، الصارخ بجنة الحياة . . تعلم ابراهيم التدخين من رفيقة ، وأصبحت تغدق عليه السجائر الرفيعة ، وتعلم أشياء أخرى أصناف القبل وألوان المداعبات ، وكلمات العشق ، ومطارحات الغرام . . وتطورت العلاقة الى أكثر من ذلك . . أصبح يقاسمها النوم فى فراش واحد دون أن يفطن به أحد . . لكنه من الخوف لم يتجرأ على افقادها أعز شىء لديها ، رغم انصياعها وانهيارها ، بل كان يحملها الى دنيا اللذة والدوخة فقط . .

تقدم لخطبة رفيقة شاب ينتمى الى عائلة معروفة ، ذات يسر وجاه ، ووافق الاب ، واصطدمت رفيقة بمرارة ، اذ انها لم تكن متحمسة كثيرا لهذا الزواج الذى سيخرجها من جنتها القديمة ، لكن تأثير أمها عليها جعلها ترضخ ، وتفارق السعادة المتنامية التى عرفتها فى ابراهيم . . وجد ابراهيم نفسه فى فراغ قاتل بعد أن رحلت رفيقة ، أصبحت الحديقة عنده فجاجا لا تعطى الا الملح ، ولا تمنح الا الجدب ، لم يعد يظفر بأية ابتسامة عذبة فى الصباح ، وأصبح البيت عنده موحشا قفرا . . ساءت صحته ، وانقطع عن تناول الطعام ، وانهارت قواه ، وأصبح شبه عاجز عن العمل . . داهمه السل بشبحه المفزع ، وعشش فى كيانه ودخل المستشفى ، ثم عاد الى سيده . . لم يكن متحمسا هذه المرة اليه ، اقترح عليه أن يعود الى القرية للاستجمام والراحة ، وأن يتغذى من هوائها ونقاوتها ، وكان ينوى ابعاده والتخلص منه ، وفارق ابراهيم فردوسه ، وعاد الى القرية حاملا أحزان المرض وهشيم الذكريات . . زار به أهله سيدى خليف ، وقبل التابوت ، وهناك اندمج فى ذلك الجو الصوفى المتأمل . . ليستريح بعقله ، ويدخل فى متاهات أخرى من التفرغ والضياع ، نسى العاصمة ، وتناساه المنزل الذى قضى فيه أجمل فترات العمر ، وتغافلت عنه الحديقة ، وضيعته رفيقة خلف بيتها الجديد ، وداسته الأيام ، وغمره الزمن وقيده فى ذلك الجبل الأزرق الشاهق ، يسرح بين تلك الصخور الصلبة ، ونباتات المثنان والحلفاء . .

. . كانت السيارة الخضراء تتسلق الربوة شيئا فشيئا ، متعلقة بالثنية الرملية المتعرجة. . صياح الخروف يملأ ذلك المكان . . تتوقف السيارة ، ويصمت المحرك. . ينزل علوان النوفى ويسرع لفتح الباب الايمن ، وتخرج المرأة الملتحفة ببطء ، تنفرج وجوه بقية الركاب ، فيبادررون بالخروج ، يمسحون العرق ويقتنصون الهواء . . ينزل بعضهم الخروف ويفكون أسره فى انتظار

ذبحه . . عمك بلفاسم الزارعى حفيظ المقام يتقدم لاستقبال أصحاب السيارة ، كان يلبس زيا عربيا أبيض ، وعلى رأسه قلنسوة مثقوبة ، وعلى عينيه القطيتين نظارة متدحرجة الى طرف الانف ذات زجاج مستدير أبيض سميك شارباه معفوفان الى الأعلى تنمان عن المهارة فى التصيد والتشمم ، وكان يدير بيده مروحه من السعف ، وبالاخرى سبحة يمرر حباتها بأصابعه النحيفة ، بينما انسدلت على كتفيه جبلية مطرزة ، تدلت منها سلسلة فضية تفضى الى ساعه غاطسة فى احد الجيوب ، أما السروال العربى الفضفاض فقد شده بدكه حول حزامه ، بينما هبطت قندليسته فى شكل الدلو او آلية الخروف ، وهو ينتعل فرديى بلغة اكتفى بادخال المشطين فيهما . . كان بلڨاسم الزارعى يطنب فى تقبيل الجماعة ، وحسن الاستقبال ، وحرارة الترحيب ، ويصلى على الرسول ، ويقبل يده ويضعها على جبينه فى خشوع ملفق . . أختلى بعلوان النوفى خلف شجرة متآكلة الجذع من أربطة الدواب ، تكدس الروث تحتها تكديسا ، وتهافت عليها الذباب علوان النوفى كهل فى الخمسين ، له صابة من البنات ، ولم يرزقه الله طفلا ، عقد النية ، وجاء لزيارة سيدى خليف ، وتلمس البركة للمن عليه . بولد يكون قرة عينه ، ويخلفه بعد الممات . .

تلهى عبد الله بن مبارك ومعاوية لجدع بذبح الخروف ، وسلخه ، وتقطيعه كان نصب بلقاسم الزارعى منه : الجلد والرأس والدوارة وطابق من اللحم . . وانتصبت الجماعة تحت الخروبة ، بعد أن افترشوا ملاءات من الصوف وانهمكت المرأة فى اعداد الفطور وشى اللحم . .كان علوان النوفى قلقا لا يساهم مع الجماعة فى الاحاديث المتنوعة الا نادرا ، كان منشغلا عن هذرهم وضحكهم . . يحتسى كأس الشاى دفعة واحدة ويرجعه دون أن يشعر لمن يسلمه . . يفحص بعينيه الضائعتين كتلة الجبل الزرقاء ، الطاغية بثقلها ، كأنه ينتظر شيئا هاما ويشتد النبض . . وتنتبه العينان ، وتتنصت الأذنان ، ويكف الجميع عن الحديث وتسكن المرأة فى مكانها . . صليل سلسلة يأتى من بعيد منبعثا من وراء أغراس الهندى ونباتات الحلفاء اليابسة . . يبرز شبح أسود ، يكاد يخفيه الشعر المشوب بالبياض ، تطل منه عينان جاحظتان ضائعتان تحملان حرقه العذاب ، وأحزان العمر الدامى . . كان الشبح يتقدم متباطئا ، يجر سلسلة حديدية غليظة ذات رنين فاجع ، كانت تستعمل لقيد الجمال ، يتبخر الجسم مع الزمن داخل عباءة صوفية سوداء مطلية بالقذارة . . جثم الشبح بعيدا بعض الشىء ،

عاملا أصابعه الكالحة فى ثنايا اللحية الكثة المسترسلة الى الصدر ، وظل هائما يلتهم الجماعة بعينيه الفائضتين . . وكان بلڨاسم الزارعى يشير الى الجماعة أن يظلوا صامتين ، منتبهين الى الشبح ، وتحليل حركاته أو كلماته ان قام ونطق بها . . كان الصمت مقبرة يتجمد فيها الجميع ، لم يخرج عن ناموسها الا الذباب أو هرج الزائرين من بعيد . . تحرك الشبح ، تقدم شيئا فشيئا ثم ارتمى على علوان النوفى ، وطرحه ، وقبض على عورته قبضا شديدا حتى كاد يقلعها ، وأغمى على الرجل ، وتهافت عليه الجماعة لجذبه الى الخلف . وأقبل بلڨاسم الزراعى متثاقل الخطوات ، يدفع ساقيه العاجزتين عن التقدم ، وكان متشنج الوجه ، تلوح عليه علامات الاضطراب ، وصاح : (( يكفى يا ابراهيم . . انزع يدك . . لقد نال الرجل مقصوده )) .

فتح أبراهيم بوجادورة قبضته وتأخر متناثر الشعر ، يحبو ويلتفت الى الوراء ، يتضاءل رنين سلسلته الثقيلة ، ويبتعد خياله العالى شيئا فشيئا ليذوب فى كتل الصخر الثقيلة . .

تفرغ المرأة سطل ماء على زوجها ليستفيق ، ويهنئه بلڨاسم الزارعى شارحا ومحللا ما قام به ابراهيم بوجادورة :(( سعدك يا رب ! ))

لقد قبض ابراهيم (( شايلله )) على ذكرك يا علوان . . الحمد لله ، لقد فهم ولد سيدى خليف مقصودك ، فهو يشير بذلك على أن الله سيمن عليك بمولود ذكر . .  أبشر يا علوان )) .

انفرجت أسارير علوان وهو يسرع باخراج ورقة نقدية ، ودسها فى جيب فرملة بلڨاسم الزارعى . .

فى المساء ، كانت السيارة الخضراء تطلق الغبار فى تلك الحقول الصهباء وجوه متراصه تلتصق ببعضها البعض ينضح منها العرق ،امرأة منشرحة تدحرج خلفها اللحاف ترسل نظرات مشبعة بالامل من خلال البلور . . علوان النوفى يحرك المقود ذات اليمين والشمال ، يسترسل فى أحلامه ، بعد أن اقتنى تذكرة الدخول فى عوالم ابراهيم بوجادوره .

اشترك في نشرتنا البريدية