الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

إتجاه التعليم

Share

التعليم من اهم عناصر تربية الفرد فى المجتمع ، ويشتمل التعليم على معارف آلية ( تلقين القراءة والكتابة واللغة وقواعد الحساب ومبادىء الصناعات الخ . . ) وعلى توجيه فكرى . والغاية من كل ذلك ان يصير الفرد قادرا على القيام بالمهمات التى يتطلبها منه المجتمع . فليس التعليم غاية فى ذاته بل غايته تتعداه ، وهى غاية اجتماعية . وهذا الدور الاجتماعى جعل التعليم متصفا بصفتين متباينتين الى درجة التناقض . ونجاح المجتمعات والدول فى ميدان التعليم يقاس بمدى نجاحها في التغلب على ذلك التناقض وفى الحيلولة دون طغيان احدى الصفتين على الاخرى ، اذ ينتج اختلال التوازن بينهما الفوضى او الجمود

التعليم المحافظ يرمى الى حفظ كيان المجتمع الذي يظهر فيه ، فيصرف المعلم كل اهتمامه الى تلقين الناشئة المبادىء التى يرتكز عليها هيكل مجتمعهم والتى تعويدهم بالخضوع لسيطرته والى المحافظة على النظام الاجتماعى بتعليم كل فرد ما يليق بمستواه الاجتماعى وبالوظيفة التى عينت له .

وتقوى هذه النزعة المحافظة فى المجتمعات البسيطة وفى المجتمعات المقاومة لخطر خارجى او باطنى جوهرى او غير جوهرى . وطغيان هذه النزعة المحافظة وانفرادها بالسيطرة على التعليم وتوجيهه طبيعي فى المجتمعات البسيطة البدائية ، ولكنه غير طبيعي فى غيرها : فلا بد ان يفسح المجال لظهور نزعة معاكسة هى نزعة الى التطور تبدو فى كل مجتمع متسع ، ومما يمكن ان ترمي اليه هذه النزعة تغيير النظام الاجتماعى بتحوير شكلة ونظام طبقاته ومراجعة المبادئ التى يقوم عليها وخلق امكانيات جديدة للنشاط الفردى والجماعي وتعويض المواقف العدائية بينه وبين مجتمعات اخرى بعلائق تعاونية الخ . . فان أصر المجتمع على ابقاء التعليم خاضعا الى النزعة المحافظة وحدها ، صار التعليم سببا من اسباب الشلل الاجتماعى وعوضت احيانا الحاجة الى التطور بنزعات ثورية .

مجتمع متسع غير بدائى ، اى في مجتمع متشعب غير بسيط . يكون التعليم مشتملا على نزعات محافظة وعلى اخرى ترمى الى التطور . والمعضلة ان نجد التوازن الذى يسلم به المجتمع من الشلل ومن الازمات ، ويبحث عن ذلك التوازن في شكل التعليم الجوهرى : فلا بد ان يتحرر التعليم الى حد كبير من سيطرة المؤسسات الاجتماعية الاخرى ، دون ان يحرم المتعلم من كل ما يجعله قادرا على القيام بواجباته السياسية ، التى هى ايضا حقوق له على المجتمع . ويبحث عن التوازن ايضا فى مواد التعليم : فيعلم الناشىء لغة قومه وادبهم وتاريخهم . ولكنه لا يترك جاهلا للغات الامم الاخرى وآدابهم وتواريخهم وببحث عنه فى طرق التعليم ، فلا يكون تلقين التاريخ مثلا تمجيدا صرفا لكل ما فعله الاجداد ، بل يجب ان يكون معينا على التفكير وعلى الشعور بان التقدم يتطلب من الجماعات ، كما يتطلب من الافراد ، عملا مستمرا ليس سهلا ولا منزها من الخطإ. ويجب ان تمكن طرق التعليم الفرد من تنمية مواهبه الفردية وقدرته على التفكير بنفسه ، دون ان تؤول الى الفوضى العقلية والمدرسية ويجب ان يصير المتعلم أقوى تفهما لوسطه دون ان يكون ضيق الفكر متعصبا .

ان مفهوم التعليم وواجبات الدولة فى ميدانه قد تغيرت بمر العصور . فلم يبق من الممكن لامة مفتحة الابواب على العالم تائقة الى تحقيق الديموقراطية بأرضها ، ان ترضى ببقاء التعليم ميزة لاقلية محظوظة . فانتشار التعليم من مقتضيات عصرنا ومن مبادئه الاساسية .

وفي كثير من الاقطار تحقق تعميم التعليم في المرحلة الابتدائية . الا ان المساواة ، حتى فى تلك الاقطار المحظوظة ، غير تامة فى الواقع . ولا تقصد بهذا اختلاف المواهب وتفاوتها فى الاستفادة من الامكانيات المفتوحة لها . بل نقصد ما بقى للمستوى الاقتصادى من تأثير على سير التعليم . فديموقراطية التعليم لن تتحقق كاملة غير منقوصة حتى يستغنى جميع الشبان عن طلب الرزق في سن مبكرة .

والواجبات التي تفرضها الديموقراطية في ميدان التعليم ، من تعميم ومجانية

وحرية ، لا يمكن ان تضطلع بها الا الدولة ، لان ما يسمى بالتعليم الحر . اي ما ينفق عليه فرد او طائفة ، لا يمكن ان يطالب بما سبق . وتلك الواجبات ، من وجهة اخرى ، لا يمكن التفصى منها ، اذ لا تتم مشاركة جميع افراد الامة فى تيسير الشؤون العامة الا بتحصيلهم على نصيب ضرورى من المعارف .

وقد نشاهد فى هذا الميدان بونا شاسعا بين رغبات الامم الناشئة وحاجياتها ، وبين ما لها من وسائل مالية ، وقد تبدو تلك الحال للمتأمل فى صورة حلقة مفرغة : فضعف تلك الامم الاقتصادى يعوقها عن نشر التعليم وتجهيزه تجهيزا يوافق حاجياتها ، وضعف التعليم وجهل الطبقات الشعبية يؤخران تحقيق البرامج الاقتصادية . وهاته الحال ، كغالب شبيهاتها ، لا يمكن الخروج منها الا بجرأة تدفع الى مجابهة المشكلة بجميع تفاصيلها . ومعنى ذلك ان الانجازات فى ميدان التعليم يجب ان تعتبر من العناصر الاصلية للنمو الاقتصادى وان تشمل كل مرحلة من المراحل الاولى لذلك النمو تقدما هاما فى انتشار التعليم .

ومن شروط النمو الاقتصادى تكوين " الاطارات " اى الخبراء القادرين على تخطيط برامج ذلك النمو والسهر على تنفيذها .

ولذلك لا يمكن ان تقتصر مهمة التعليم في اى بلد كان على رفع الامية . بل يجب ان يعين المواهب على التجلى والتمو ، حتى لا يبقى اصطفاء النخبة موكولا الى الصدف ، او الى ثروة الآباء ودرجة اهتمامهم بأولادهم .

وان كان ما سبق ينبه الى اهمية التعليم الفنى والصناعى ، فمن الواجب التذكير بأن هذا الصنف من التعليم لابد ان يرتكز على درجة دنيا من المعارف العامة ومن التكوين الفكرى . وكلما طلبنا صنفا أرقى من الفنيين ، وجب تحضيرهم لذلك المستوى الفنى بتعليم عام اطول مدى . والتقتير فى هذا الباب مضيعة ، لان التعليم الفنى والتعليم الصناعى من اكثر اصناف التعليم احتياجا الى الاجهزة والنفقات .

وما ذكرناه من منزلة التعليم واثره فى حياة الامة ، وما يشعر به الناظر في شؤونه من تشعب مشاكله ، ينبه الى ضرورة ايكال امره الى معلمين اكفاء تسهر الدولة على تكوينهم تكوينا يوافق اهداف الامة . فايجاد الفنيين فى سائر الميادين يشترط وجود من يهيئهم للتحصيل على المستوى الفكرى اللائق وعلى الخبرة الفنية المطلوبة .

واد انتهى بنا النظر في عموم شؤون التعليم الى الحديث عن المعلمين ، فما ذلك الا دليل على ان حل مشاكله متصل بوعى الساهرين عليه خاصة وبوعى الامة عامة . وتقدم التعليم عنصر من عناصر ذلك الوعى ، فهو له فى آن واحد سبب ونتيجة .

اشترك في نشرتنا البريدية