احيانا كثيرة يوصف المرء بمتناقض النعوت ، واحيانا كثيرة يقيم الفرد من افراد بيئته الاجتماعية بمتباين القيم ومتعارض التقديرات ؛ فهذا زميل مشترك بين الجماعة ينعت من احدهم باتقاد الذهن والالمعية فى حين يرميه اخر بجمود الحس وتحجر العقل ؛ وهذا قائد تراه ثلة كبيرة او صغيرة من الوسط رمزا فريدا للتفوق العقلي والحنكة السياسية فى اللحظة التى ينعت فيها من افراد الثلة المقابلة بوصمة التقصير او القصور او بكليهما - ترى ما الداعى لاختلاف الاتجاهات ولتضارب التقدير بين افراد الوسط الواحد وازاء المقيم الواحد ؟ ثم ما الداعى لاتصاف كل من الفرق او الافراد المتعارضة بالضعف او الغرور فى نظر من جانبه فى الحكم وخالفه فى العقيدة والاتجاه ؟
للاجابة عن هذا الاستفسار نكتفي بذكر طبيعة الفروق الفردية فى تحليل ظاهرة من الظواهر النفسية ، ولنأخذ على سبيل المثال ابسط العمليات المعرفية عملية الادراك الحسى Perception - يحسب الكثير من الناس ان المدركات الحسية التى تعج بها البيئة المآدية المحيطة بالانسان هى واحدة لدى كل احد ، وانه ليس من المعقول فى شئ ان يختلف بصددها شخصان ، بل هي مطردة الدلالة واوحدية المفهوم عند الجميع - مثل هذا الحسبان ليس له اساس من الواقع المعاش على الرغم من شيوعه وذيوعه بيننا الملاحظة العلمية والتجارب المعملية انتهت الى ان ابسط المدركات الحسية هو مدرك فارقى بين الناس ، وان الموضوعية فى مبناها الفلسفى ومفاهيمها التطبيقة لا تكاد توجد فى ماعدا الابنية الذهنية التجريدية طالما تصر النتائج التجريبية للدراسات العملية فى مضمار العمليات النفسية على ان هذه الاخيرة قوامها طوائف من العوامل يمكن تصنيفها الى
١ ) عوامل خارجية تتصل بخصائص وطبيعة المثير الفيزيائي ٢ ) عوامل ذاتية متصلة بالذات المدركة فى كلها الذى تتكامل فيه مقدراتها الفسيولوجية والنفسية
فبافتراض اتفاق المحددات المادية لعملية الادراك الحسى واختلاف الابنية المعرفية Structures cognitives للشئ موضع التجربة بين عديد الاشخاص فالمفسر الوحيد لهذا التباين فى الصور الذهنية لدى جميعهم هو بلا شك اختلاف `واتهم
المدركة فى خصوص مقدراتهم التجريبية المكتسبة - هذه الحقيقة العلمية النفسية القاضية بتدخل ماضى الفرد فى ادراكه للحاضر اكدتها التجارب المعملية وناصرتها معظم البحوث النظرية المنضوية تحت لواء مختلف المدارس النفسية المعاصرة ؛ فقد انتهت هذه وتلك الى ان عملية الادراك فى ابسط صورها مثلما تتأثر بشدة المثير وضعفه بغرابته ومألوفيته . باستمراره وتقطعه مثلا هي ايضا تتأثر بعوامل ذاتية بحته ترجع على العموم الى التكوين الفردى للشخص المتمثل فى تلك العملية المعقدة التى ما كان لاحد ان يتحكم فى عواملها ولا فى نتائجها تحكما مطلقا - فالتجربة المتوالية والاستقرائية فى هذا الميدان ايدت تدخل المحصول الثقافى فى ابسط عمليات الادراك للفرد ، وتدخل الميول والعادات والتقاليد وحتى الحالة الصحية الدائمة والطارئة في هذه الظاهرة النفسية كما اكدت تأثر الادراك الحسى بالحاجات العضوية والنفسية المتناوبة او المتوالية على الوجود البيولوجى والنفسى يوميا -
بهذا المفهوم لعملية الادراك يمكن القول فى لغة مبسطة ان رغيف الخبز ليس واحدا فى نظر كل الناس ، وان الصورة الذهنية لجهاز الراديو ليست واحدة بالنسبة لافراد الاسرة الواحدة ، وحتى الاذان للصلاة هو الآخر لا يدرك ادراكا متساويا بين جمهرة النساك ذلك لانعدام التساوى المطلق بين الافراد فى الشق الثاني لعوامل الادراك وهو الشق الذاتي منها الشامل لذلك الكل المعقد من استعدادات جسمية بيولوجية وفسيولوجية الى اتجاهات تربوية ، الى اعراف اجتماعية ، الى محاصيل تلقينية ، الى الوان عاطفية ، الى معايير ذهنية واخلاقية الى آخر الأكداس المكدسة من التراث الثقافي والمعرفى فى شتى الشؤون وشتى المناحى والمقدرات الانسانية . . . فكل هذه العناصر المرجعية لعملية الادراك الحسى تتدخل تدخلا بالغ الخطورة والتعقيد فى بقية العمليات النفسية الاخرى ذات الصبغة العقلية البحتة ومن هنا تاتت صعوبة التدقيق في تعليل تصادم الاهواء بالاهواء وتناطح الآراء بالآراء . وهنا تكمن علية اختلافات الاتجاهات العقلية بين افراد الوسط الواحد ، ومن هنا تبتدئ الجهود الرامية الى تفسير وتعليل تضارب المساعي وتعارضها فى ميادين السلوك الرمزى والعملى ، ومن هنا ايضا تبتدىء البحوث والمحاولات المناهضة لذلك الابهام وتلك الغرابة ازاء تباين المعتقد وتدابر المواقف وتنافرها بين الافراد والجماعات .
من هذا التحليل الموجز " لديناميات " السلوك فى ظاهرة لادراك الحسى امكننا ان نلقى ضوءا على طبيعة الفروق الفردية ، وامكننا ان نتعقل حتميتها فى كل مجتمع انسانى ، وامكننا آخر الامر ان نبرز التفاوت فى التقدير والحكم على انه راجع اولا وبالذات الى التفاوت فى مقاييس الحكم ومعايير التقدير الناجمة هى الاخرى عن التفاوت فى كم وكيف المقدر الذهنى ذلك المقوم الانسانى الذى ما اتحد فيه شخص مع آخر أنى كانت ظروف التوحد الوجدانى والمعرفي .

