الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

إستفتاء المنهل , حول تصدير أدبنا

Share

-١-

رأي الأستاذ السيد على حافظ أحد صاحبى جريدة المدينة المنورة الغراء

حضره الفاضل رئيس تحرير المنهل الاغر      المحترم

بعد التحية : لقد تأخر جوابي على استفتاء المنهل ؛ وما انا بمريد ذلك ، ولكنى اصدقك ولامفر من الصدق ، فقد حاولت غير مرة الكتابة اليك وخصصت لها وقتاً فلم أوفق ، ولعل موضوع الاستفتاء كان من عوامل التأخير او كان من عوامل عدم التوفيق لا ادرى ، وعلى كل حال فقد كانت المحاولة ، وكان التأخير فعذراً

والآن وقد مضى من هذه الليلة نصفها ، وبدأت التهم النصف الآخر ، وانا اسمع للصبا شهيقاً وزفيراً ، واشعر بتياراته الباردة المثلجة المرسلة من ثقوب الروشن تمس يدى ووجهي مساً رفيقاً ، وتلعب بضوء السراج ، وتعبث بهذه الصحيفة البيضاء التى تطالبني بتدوين جوابى لك

وهذه الآونة وضعت استفتاءك بين يدى معتزماً الكتابة إجابة لطلبك وإليك

الادب فى بلادنا - يا أستاذ - معذور حيث لم يتجاوز آفاق البلاد فهو لم يبعث للحياة والبقاء عندنا حتى يصلح للتصدير ، وما اشبهه بالرجل الغريب الحائر الذي يتجول فى الطرقات فلا يجد منفذاً ولاملجأ وهو إذ الم بجد هادياً للطريق " وقائداً للتوفيق " إنتحر وقبر ، فى لجة من الحيرة فلو كان لنا ادب دسم يصلح للبقاء لرأيته صادراً دون ما كانمه ولرأيته مرعماً الاذان على الاستماع ، والقلوب

على الوعى ، ولشاهدته مجتازاً بلادنا إلى البلاد العربية المجاورة ، وعابراً أفاقها الى الاقطار الاخرى ليعد فيها للترجمة والنشر والاقتباس ، كما هو الشأن في الآداب الحية الاخرى التى نراها تصدر

فالادب يا أستاذ اذا لم يتغلغل في صميم الحياة وجميع نواحيها ويوجهها لخير الناس وخدمة المجموع اعتقد انه ليس بأدب يستحق النشور والبقاء والتصدير

فاذا كنت تبحث عن أدب للتصدير فهات لى ادباً دسماً حياً ناضجاً مخلصاً وانا زعيم بتصديره لأعلى متون الماء وا كتاف الهواء بل على كاهل الطاقة الذرية المدهشة وانازعيم باجتيازه الاطلانطيق ، والهادى والمحيط . ولكن أين هذا الأدب منا ؟

انا لا اقول انه لا يوجد لدينا أدباء ناضجون قديرون على انتاج الادب الحي ولا اقول ان ادب البلاد المجاورة الذي يغمرنا الآن كله صالح للبقاء والتصدير ، فقد يدعوك بعض هذا الادب المصدر الينا الى القىء فى كثير من الاحيان ، ويسمو بروحك بعضه ، ويساغ فيهضم ، ويفيد . ولكنى اقول ان الادباء لناضجين لدينا يعوزهم الصراحة والجرأة حتى ينتجوا أدباً حياً صالحاً للتصدير والله يرعاك .

-٢-

رأى الاستاذ محمد طاهر زمخشرى

لعلك أيها الأستاذ أردت بهذا السؤال ان تثيركوا من النفوس المكبوتة ...أتريد ان تخرج بنا عن ربقة القيد ، فنقول الكلمة الصريحة التى تثخن جراح زمرة كتابنا وأدبائنا وشعراءاً أول ما تنطلق .

فالأدب هزيل ضعيف لا فى مادته وأسلوبه ولكن فى روحه وقوته ، الأمر الذي جعله غير معترف به حتى فى هيئتنا الاجتماعية ، اذ ليس له قيمة معنوية رغم مجالدته وصموده تلك المجالدة التى أرهقته لأنها لم تنظم اهدافه ، بل لم يستخدمه أحدنا فى هدف معين يعود بالصالح على المجتمع والوسط . .

لذلك لم يعرف من أدبنا الاشذرات بلغت الذروة فى الكمال من حيث الجودة ومتانة الأسلوب وغزارة المادة ، ولكن لم يضمن لها البقاء فما هى الا صدى خافت يتردد حينا ثم يخبو تدريجياً إلى حيث ينكمش على نفسه ويتلاشى !!

هذا وان دورة نمائه بطيئة لعوامل كثيرة تماسكت وتراصت فقامت حوله كالنطاق حصرته فلا يقوى معها على انطلاق...

وأهمها قلة وسائل النشر ، وعدم التجانس بين الأدباء المجيدين مع وفرة عددهم فلو وجدت وسائل النشر وتهيأت الأسباب لوجد الأدب واحة خصبة تضمن له أول ما تضمن النماء المطرد ، وبجنى من وراء ذلك الرواج الذي يساعده على ان يكون فى المكانة المرموقة ، فيصبح معها نافعا مجدياً ، ومخصباً منتجاً

إننافى حاجة الى تثبيت اقدامنا فى الوسط والبيئة ، قبل التصدير فلوسايرنا رغبة القارىء فى عرض الموضوعات التى يستسغها ويحلو له الأصغاء اليها لربحنا الصفقة ، ولتمكنا من ارهاف هذه الأذن لسماع مانريد ان نقوله ثم نرتفع بمستواه تدريجياً الى حيث يستطيع ان يهضم كل ما تستمع اليه مهما ثقل هضم ذلك على أدرا كه واذا كان العضو يقوى بالمران فان الأدراك تهدبه الممارسة !

فهذه وسيلة نوسع بها أجواء ادبنا الأقليمى فيصبح مدوي الصدى مجلجلاً يتردد صداه فى صميم حياتنا ووسطنا ، وحياتنا ليست حلقة مفقودة بالنسبة . للحياة العالمية العامة ، فكثيراً من الأقاليم تتعطش الى سماع اخبارنا وترهف الأذن وتحملق البصر متطلعة مستخبرة عن مقدار حيويتنا بحكم المجاورة ، وبحكم المصاحة المشتركة .

وأدب كل اقليم هو الرسالة المفتوحة ، فمصر التى اصبح لها حق الأستاذية فى الأدب العربى لم تفكر حتى الآن فى موضوع تصدير أدبها الى الخارج ولكن أدب مصر يعمل لحساب المجتمع المصرى ، ألا ان الافق وسيع ، والصدى مدو ، فنحن وأمثالنا عالة عليه لأن مادته قوية تصلح فى كل زمان ومكان .

ومامعنى التصدير غير الصدى ، فاين صوتنا الذي يمكن ان يتجاوب صداه وأما أن هناك أدباء وصلوا من الجودة بحيث تتوفر فيهم كل المؤهلات

ليكون نتاجهم الأدنى صالحاً لكل بيئة ووسط فهذا مالا أشك فيه فهو صالح للتصدير كل الصلاح ، هذا اذ احسن توجيهه ، وأملنا عظيم فى دورة صحافتنا الجديدة ، ومآ ستقدمه من خدمات موفقة ناجحة .

-٣-

رأي الأستاذ عبد الغفور عطار

يسأل الأستاذ الانصاري - صاحب هذه المجلة - عن أدبنا وهل يصلح للتصدير وكيف يصلح ؟ ويظهر لي من سؤاله أنه يراه غير صالح للتصدير ، ولهذا فقد أردف بالسؤال الثاني " و وكيف يصلح ؟ " بل زاد فى رسالته الى : " وإذا كان لا يصح فكيف يصلح ؟ " فهو يرى عدم صلاحه .

والاستاذ تشائم في سؤاله ، وأظن أنه لم يرد أن يقيدنا برأيه وهو من نعرف حبا للحرية الفكرية ، وإلالما إستطلع الآراء ، وللاستاذ رأيه ، أما أنا فأرى أن لدينا أدباً صالحاً للتصدير إلى كل الممالك التى تتخذ العربية لساناً وقلماً ، فما نحن فى قافلة الادب بالمتخلفين عن ابناء العرب كلهم وان كنا لانأتى فى الطليعة

إن لدينا أدباً يصلح للتصدير ، وليس كل أدبناً صالحاً له ، فعندنا من الشعر والنثر ما يسمو الى الذرة المرموقة التى وصل إليها كبار الكتاب والشعراء ، ولا يعوزني الدليل على هذا .

فسوريا والعراق وكل بلد - غير مصر - متخلفة فى ميدان النثر الفنى ، وما أظن كل كتابها يمتحون مما يمتح منه العقاد والمازني وهيكل وطه وقطب والزيات ، وإن كان فيهم من يمتح متحهم ولكنه لا يصل إلى المنزع الذي يصلون إليه لنقص فى الثقافة أو فى معدن النفس الأصيلة المطبوعة

وأين فى البلدان العربية كلها مثل هؤلاء

أما الحجاز ففيه كتاب تدنو أساليبهم من أساليب كتاب مصر الافذاذ الذين إستطاعوا أن ينهضوا بالنثر والشعر نهضة لم تشهدها العربية فى ماضيها فى قرن واحد لا فى القرون كلها

وليس غريباً على أدباء الحجاز أن يجودوا الشعر والنثر وقد قرب العلم الأبعاد فما يلقى فى مصر وغير مصر من محاضرات وخطب نسمعه ونحن فى مكة وما يكتب فيها يقرأ بعد ثلاثة أيام فى مكة وهي المدة التى تصل فيها صحفنا إلى المدينة ، فكأن مصر والحجاز وطن واحد من الناحية الجغرافية ، ولانغالي إذا قلنا إن المطابع والأذاعة والمواصلات السريعة قضت على الحدود الاقليمية محت المسافات

وأدباء الحجاز لايتقنون اللغات الأجنبية فلا تزحم ثقافتهم العربية ، فهم مضطرون الى القراءة والدراسة ولاتنفس لهم غير الأدب المصرى على الأخص والأدب العربى على العموم يلتهمونهما التهاماً ، وأصبحوا يعرفون عن أدباء مصر أ كثر مما يعرف المصريون أنفسهم عنهم ، لأن هؤلاء تتوزع أوقاتها ثقافاتهم الأمم الأخرى ، أما الحجازيون فلا

وليس أدباء الحجاز طلاب تسلية يريدون تزجية الفراغ وإنماهم عشاق فن يريدون أن يفهموا الحياة ويكشفوا عن ضلالاتها ويغوصوا في وأعماقها ويسيروا أغوارها ويشهدوا موا كبها ويروا مافيها من صور ومشاهد وآلام وأحلام

وهم أحرار الفكر يمتازون بالسماحة والطيبة ورجاحة العقل وسلامة النية ونبل الضمير فلا يندفعون مع المغرضين وانما يقفون كالحكم العدل لا يضلهم عن الحق شئ ، ويتقبلون نتاج الفكر قبولاً حسناً ويحتفلون به أيما إحتفال

ولعل الفراغ الذي لديهم أتاح لهم الدراسة والتحصيل والتعمق وقراءة كل ما تقذفه المطابع العربية من غث وثمين ، حتى قضوا عديداً من السنوات وهم يركضون فى الطريق قراءاً حتى أطاعهم القلم فكتبوا أو كتبوا ثم اجادوا فيما يكتبون وينظمون

وما أظن احداً ينكر استعدادهم للادب الصحيح ، وادمانهم قراءة الأدب - قديمة وحديثة - وذلك - ولاشك عندى - شقق لهم طرق الكلام والتعبير وحسن أسلوبهم ؛ ومنحهم الفرصة السعيدة ليدخروا واما يكون لهم عوناً وزاداً وقد أمسكوا بالقلم يفصحون عما فى أنفسهم

بل وما أظن أحداً ينكر تأثير الأدب الجديد فيهم وتأثرهم به

نصل من كل هذا إلى أن معدن أدباء الحجاز المطبوعين نفيس ، وانهم تلقوا الأدب الجيد عن رجاله الأفذاذ ، فهم - بعد هذا - أدباء بحق تلقوا كثيراً من المعارف الانسانية باحساس منهوم وفكر صاف ، ودرسو إنتاج القرائح درس الناقد النزيه الذى يطيبه الحق وحده .

واذا قلت أدباء الحجاز فانما أقصد أفرادا لا يتجاوز العشرة ، أما غيرهم فاما أن يكونوا ناشئين أوشداة أو أدعياء ، وهم كثير ليسوا من الادب الجيد فى شئ .

وفى ادب هؤلاء العشرة ما يصلح للتصدير فللسرحان والعمودى والفقي  والقنديل شعر يستطيع ان ينهض على رجلين قويتين كما يقف شعر بعض الشعراء البارزين فى العالم العربى ، بل أستطيع أن أقول : أن عندنا شعراء إذ ارزن بكثير من الشعر العربى الحديث لرجح به ولو كان الميدان رحباً لأقمت  الدليل على ذلك بالنماذج التى تحت يدى ، غير أن هذه مجلة لا تتسع صفحاتها المعدودات لأكثر مما إتسعت الآن

أما النثر الفنى فقد أجاده أدباء الحجاز إجادة طيبة ، وان كانت أرواح العقاد والمازني وطه وهيكل تطل من بين كتاباتهم ، ولعل ذلك من الادمان الطويل لقرائتهم ومن الألفة التى مضى عليها أكثر من عشر سنين لهؤلاء الأدباء العباقرة ، إلا أن أدباءنا لم يفنوا فيهم بل لأساليبهم خصائص وسمات تدل على شخصياتهم.

ولهؤلاء المجيدين ادب يصلح للتصدير " الخارج " وأعتقد انه سيجد هناك إقبالاً وحفاوة .

وإني لا أقول - هذا القول إرتجالاً ، فلقد درست أدب العراق وأدب الشام وأدب مصر دراسة تمحيص ونقد موازنته فخرجت منها بأن لذينا نثراً جيداً أرقى من نثر العراق ومن نثر كثير من كتاب الشام ومصر

كنت قبل أيام أقرأ إحدى سنوات المكشوف الصادرة ببيروت فلم أجد فيها - على كثيرة كتابها - أديباً واحداً يسمو سمو القعاد أو المازني أو الحكيم

والزيات ، بل لم أجد كاتباً واحداً مطبوعاً ، وهذا إذا استثنينا ميخائيل نعيمة وخليل هنداوى وشاعرين أو ثلاثة .

أما عندنا فان أدب المقالات ممتاز جيد ، وأدب القصة قد تطور تطوراً سريعاً مشهوداً فى سنوات الحرب ، وقد اطلعت على قصص استطاع كتابها أن يوجد الجو انفي الملائم لها فى أسلوب طبيعي بعيد عن الصنعة والتكلف ووفقوا إلى أن يجعلوا أسلوبهم في حياته وقوته وحركته مساقا لحياة الحادثة أو الشخية وقوتها وحركتها

ومن كتاب القصة الاستاذ سعيد العمودى ولديه أقاصيص رائعة ، وعزيز ضياء ولديه رواية أو ثنتان ، ومحمد عالم الأفغاني . ولديه مجموعة قصص ، ومحمد على مغربي وله اقاصيص ممتعة ، وكلها مخطوطات ، ولو وجدت السبيل الى الظهور لكانت مما يصلح للتصدير وإما كتابة التراجم وتحليل الشخصيات ونقدها فقد استطاعت أن نسير فى طريق النجاح بخطى واسعه فيها كتب قيمة والفيض أبادى للانصارى ورجالات الحجاز للفلالي

أما النقد الادبى فهو موجود ولكنه خليط بالمهاترة ، ولو تجرد منها ومن الهوي لقدم نقاديا للعربية زاداً فكرياً دسماً خالياً من الأدران لدينا فى فنون الأدب شعراً ونثراً ما يصلح للتصدير ، ولكنه مخطوط موءود ينتظر البعث والنشور ، أماما نشر فلا يصح أن يصدر شئ منه لانه خاب هزيل ، وليس - هو إلا محاولات بدائية فى فن الأنشاء أو " تمارين "

أما المؤلفات العلمية أو التاريخية المطبوعة فبعضها صالح للتصدير واكثرها لا يستطيع أن يتجاوز ثغرة جدة ، أما المخطوط منها فاكثره صالح للتصدير

بعد كل هذا نستطيع ان نؤكد أن لدينا أدباً صالحاً للتصدير إلا أن الطريق غير مهد وغير أمين حتى تسير قوافلنا الى الخارج موقرة ببضاعتنا ليراها أهي مزجاة أم جيدة

وما ينقص أدبنا غير الدعاية ، فهي وحدها التى أخفتت صوت أدبنا الحى ، ولورزق الدعاية الطبية والاعلان الحق لبرز الى الوجود واحتل مكانه بين آداب الأمم العربية ، ولا متتح اعجاب القراء في كل مكان

ولورزق أبادؤنا ناشرين كالحلبى ومصطفى محمد ومكتبة المعارف لعرفهم

أبناء العربية فى كل بلاد ، ولو رزقوا التشجيع من زعماء الأدب الجديد نافسوا غيرهم المكانة والصدارة وللتبعة - هنا - شقان شق على " الخارج " الذي أهمل مهبط الوحي وأنسي ذكره ، وشق على أدباء الحجاز أنفسهم الذين آثروا الخمول والكسل والبقاء حيث هم لا يبعثون بنتاجهم الأدبي إلى عالم النور

ولكنى متفائل بالمستقبل حيث يتاح لنا أن نتاجر أدبيا مع الأمم العربية فنأخذ منهم ونعطيهم وما أظن ذلك اليوم ببعيد .

اشترك في نشرتنا البريدية