الصبر فى اللغة : الحبس ، ومنه قوله تعالى ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، يريدون وجهه ) - الآية ٣٨ - الكهف .
أي احبس نفسك معهم . وقد وردت كلمة - الصبر - ومشتقاتها في ثلاث ومائة آية من آيات القرآن الكريم .
والصبر شرعا هو حبس النفس عن الجزع والتسخط ، وحبس الجوارح عن مخالفة أوامر الله ونواهيه .
والصبر بهذه العبارة على ثلاثة أنواع ، الاول : صبر على طاعة الله بالمحافظة عليها دوما ، وبرعايتها اخلاصا ، وبتحسينها علما . وقوام ذلك الصبر لله ، وهو أن يكون الباعث له على ذلك الصبر . محبة الله وارادة وجهة ، والتقرب اليه . لا لاظهار قوة النفس والاستحماد الى الناس بالرياء والسمعة .
الثانى : صبر عن معصية الله بالخوف من لحوق الوعيد المترتب عليها ، أو بالحياء ،
وهذا أحسن اذ انه من شيم الكرام ، وقوام ذلك الصبر مع الله ، وهو دوران العبد مع مراد الله الدينى منه ، ومع أحكامه ، فيكون صابرا نفسه معها ، سائرا بسيرها ومقيما باقامتها ، يتوجه معها أينما توجهت ركائبها وينزل معها أينما استقلت مضاربها ، وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها وأعلاها ، وبه يبلغ العبد درجة التقى .
الثالث : صبر على امتحان الله بملاحظة حسن الجزاء وانتظار روح الفرج ، وتهوين المصيبة بعد نعم الله عليه ، سالفها وحاضرها . وقوام ذلك الصبر بالله ، وهو الوثوق بالله ، والاستعانة به ورؤيته انه هو المصبر ، وان صبره بربه لا بنفسه كما قال تعالى : ( واصبر وما صبرك إلا بالله )
ونستخلص مما تقدم أن الصبر على طاعة الله ، والصبر عن معصيته تعالى ، هما صبر على ما يتعلق بالكسب . وأما الصبر على امتحان الله فصبر على ما لا كسب لعبد فيه ، وان الأولين عبادة ، والآخر والعبادة غاية ، والاستعانة وسيلة ، والغاية مرادة لنفسها والوسيلة مرادة لغيرها . والكامل التام هو من جمع الثلاثة . والله مع الصابرين .
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الصبر فى كتابه الكريم على ستة عشر وجها :
١ - الامر به : ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ) - الآية ٣٥ - البقرة .
٢ - النهى عن غيره : ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ) - الآية ٣٥ - الاحقاف .
٣ - الثناء على أهله : ( والصابرين في البأساء والضراء ، وحين البأس ، أولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون ) - الآية ١٧٦ - البقرة
٤ - ايجابه سبحانه وتعالى محبته لهم : ( والله يحب الصابرين ) - الآية ٤٦ - البقرة .
٥ - ايجاب معية الله لهم : ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) - الآية 47 - الانفال
٦ - ايجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم : ( ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) - الآية ٩٦ - النحل .
٧ - ايجاب الجزاء لهم بغير حساب : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) - الآية ١٠ - الزمر
وقد ورد لفظ الحساب فى كتاب الله على ثلاثة أوجه :
أ - بمعنى العدد كما فى هذه الآية الكريمة .
ب - بمعنى التعب كما فى ( وترزق من تشاء بغير حساب ) . . أى بغير تعب ولا مشقة .
ج - بمعنى المطالبة كما فى : ( هذا عطاؤنا فأمنن أو أمسك بغير حساب ) . . أى بغير مطالبة وفقنا الله للجميع آمين .
٨ - اخباره تعالى بأن الصبر خير لأصحابه كما فى : ( و أن تصبروا خير لكم ) - الآية ٣٥ - النساء
٩ - اخباره بأن أهل الصبر هم أهل العزائم كما فى : ( ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور ) - الآية ٤٣ - الشورى .
١٠ - اخباره بأنه انما ينتفع بالآيات والصبر أهل الصبر ، كما فى : (( أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) - الآية ٥ - ابراهيم عليه السلام .
١١ - اخباره تعالى بأنه ما يلقى الاعمال الصالحة وجزاءها ، والحظوظ العظيمة الا أهل الصبر ، كما فى : ( ويلكم , ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ، ولا يلقاها إلا الصابرون ) - الآية ٨٠ - القصص .
١٢ - اخباره بأن الفوز والنجاة واللجنة , انما نالوه بالصبر ، كما فى : ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار ) - الآية ٢٤ - الرعد .
١٣ - اطلاق البشرى لأهل الصبر . كما فى : ( ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص فى الاموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) - الآية ١٥٥ - البقرة .
١٤ - ضمان النصر والمدد لأهل الصبر كما فى : ( بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) - الآية ١٢٥ - آل عمران .
١٥ - ان الصبر يورث صاحبه درجة
الامامة ، كما فى : ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) - الآية ٢٤ - السجدة .
١٦ - اقتران الصبر بمقامات الاسلام والايمان ، واليقين ، والتقوى ، والتوكل ، والشكر والعمل الصالح والرحمة .
ومن هنا قال النبى صلى الله عليه وسلم : ( عجبا لأمر المؤمن : إن امره كله خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن . إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له )
مراتب الصابرين خمسة : صابر ، ومصطبر ، ومتصبر ، وصبور ، وصبار .
فالصابر أعمها ، والمصطبر : المكتسب الصبر الملئ به ، والمتصبر : المتكلف حامل نفسه عليه . والصبور : العظيم الصبر ، الذى صبره أشد من صبر غيره . والصبار : الكثير الصبر ، فهذا فى القدر والحكم ، والذى قبله فى الوصف والكيف والله أعلم بالصواب .
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا فى عداد الصابرين فى البأساء والضراء ، وحين البأس ، أولئك الذين صدقوا ، وأولئك هم المتقون . آمين .

