تحين ساعة الولادة ، وتدور عيوننا خلف الجفون في المحاجر ، تختفي ومضات القلق المبحر في صمت اللهفة ، ثم ، يميس في غلائله الصمت منسابًا يضاجع غبش الفجر في " أم الحيران "( 1 ) وعبر القيظ تتحقق نبوءة العرّاف يحكي أنَّ طفلاً سوف يَنبت في مكان يُقال له " الوحدات "( 2 ) حاسر الرأس حافي القدمين تستر جسمَه البندقية . .
- أُمّاه ، قد خلا البيت إلا من بقية عزم ، قد كبرْت - كَبُرَ مقتًا عندك أن تقول ما لا تفعل. .. أترون ، قد كبر الفتى ؟ فى الضوء يحمل سلة " الترمس " ويقضي يومه حول الأزقّة ، وعند العتمة الصماء يركع قرب سور البيت مُنبطحًا على بطنه يتلصّص .
.. ثمة موجة ضبابية تَعصر بطن " أيلول " تجيش في صدره أحلام قتل الطفل قبل أن يتبرعم ، كقطرة صافية وسط بحر من قيظ الصحراء أتى، نظراته المتعبة تتوسد مقبرة الشهداء غربي المخيم ، يطوف خياله حول وجوهٍ كالحة سمعها بالأمس تقول ، فلتحرقه نارُ جهنم إنْ بَرْعَم .
كلّ طفل يحمل السلاح سيقتل
خانعة أبدًا نظراته الضبابية ، كسحابة صيفية تطل عيناه من ثقب الدبابة ثم تختفي خلف الفولاذ..
زعموا أن أسدًا قد هرم فتمارض، فصارت الوحوش تزوره ، ينقضّ عليها
فيقتلها ، أحدهم نبتت له الأظافر والمخالب قال للأسد ، آثار الأقدام عندك كلها نحو المغارة ، لا أثر لمن يخرج ، سلّم ثم عاد .
تقول شريعة الإسلام إن الذبح في غير ذكر الله حرام.. طعم لحم الطفل مُرّ إلا إذا سُمِّي عليه ، وعلى الجسد الأعف كانت تخترق الصدر رصاصة .
.. مكتوب عليها لا اله الا الله.. فلتُسمَلْ عيناك ياوطن النصر في " اليرموك وبدر" كان عنترة لا يأكل إلا إذا خوى ، وكان الزير يستثقل ظل كل الشوارب إلا شاربيه ، والحجّاج ، كان الحجاج رجلاً ولا كل الرجال .
الشيخ
" كرهت أن تكون مُغسّلاً للموتى بأجرها أنت تقبع بين أنتن الروائح دون أجر "
يغوص اللحم في عتبات المسجد المُشْرع في وسط المخيّم ، غرقت مسارب الوضوء فيه فباتت مُحنّاة كخضّاب العروس في ليلة التجربة.
" لو كنت في البيت لضاجعت زوجتى حتى تمل المضاجع.. حضرت مجزرة اللد في مسجدها قبل عشرين سنة كانوا أحياء فانكفأوا على وجوههم وعيونهم مفتوحة ، أما هؤلاء فلا أثر للعينين حتى ولا الأطراف "
مال الشيخ برأسه نحو المحراب ، قعد مُتهالكًا فوق جُثة مُشوّهة ، أحضرت إحداهن رضيعها ورجته أن يقبله عنده ، قال لها لا أقبل الا الموتى ، قالت لا تُحمّلني مؤونة نقله إلى الجامع عندما يموت ، ضَحِكَ حتى استلقى على ظهره تخضّبت عِمامته ببقعة حمراء قانية..
فليكن ، إن لم يمت بقذيفة مات من النتن
قبل أن تُغادر الجامع تخطّتْ عشرات الجثث ، عادت لتبسم له باستحياء، قد تطول غيبتي دعني أُلْقمْه ثدي ..
صعد إلى المنبر ، نفخ ودجيه بقوة: " أيها الناس ، يا عبادَ الله ، لا شكّ أنكم تسمعون وتعون كما لو كنتم أحياء تُرزقون ، قد قلتُ لكم ونبّهتكم مِرارًا أنْ
تأكلوا كل طعام يحوي الكلس كي تنبت فيكم الأظافر حادّة تُمزّق كل شيء ، أيها الناس ، أيها . . "
خطا نحو صحن المسجد ، أُلقيتْ له في الباحة بعض قطع اللحم داخل بطانية ، تحسّسها جيدًا ، الرأس ، الأطراف ، المعدة ، وأخيرًا البندقية ، " حسنًا يا بُنيّ ، كانت لك أظافر حادة واستعملتها جيدًا "
أوف ، أوف يابا ، تبًّا لخادم المسجد ، كان يقول لي صوتك قبيح ها أنذا أكتشف أنه أنعم وأرقّ وأحلى ما خلق الله..
أم محمد العكرماوية
" قمر لبلاد يا بنيه ما لو مثيل ، لما الرصاص كان يلعلع وايطوقوا البلد كان القمر يفضحهم ، ينزلوا الثوار فيهم حصيده ، اليوم قمر عمّان غايب ، قمر الوحدات يا بنيه من زمن ما طلّ "
شارات الضوء تصافح النجوم ، غيوم القصف والحرائق ما زالت فوق الوحدات ، الليل ، الصراخ ، النحيب ، الفزع ، الضحك ، الموت ، المضاجعة، القُبَل ، نطفة أخرى تخترق رحم امرأة في مكان ما ، البويضة فغرت فاها ، آلاف العلقات تزاحمت كى تدخل ، صراع عنيف يدور ، معركة قاسية تجري البويضة ما زالت تنتظر الفارس ، مات أحدهم ، قُتِلَ آخر ، تراجع ثالث، البويضة ما زالت تنتظر الفارس ، تناقص العدد ، سقط الضعفاء على بُعْد قليل، فرّ بعضهم إلى الأطراف ، البويضة ما زالت تنتظر الفارس ، ماتوا كلهم إلا الفارس
في وعاء الغسيل كانت تنقل الذخيرة ، تغطيها ببعض قطع الخبز الجاف والزيتون الأسمر..
" كلْ يا ولدي ولا تترك مكانك ، في " عين كارم (1) " كنت أزودهم بالطعام فقط أما اليوم فزوادة المدفع أولا "
تدور كالفراشة لا تستقر ، فى عيادة الهلال الأحمر كانت أم محمد ، عند المقاتلين ، في الملاجئ بين الأطفال ، في الجامع عند الشيخ ، تنقل الأربطة،
الطعام ، الرصاص ، القطن ، الجرحى ، القتلى ، تُزيل الأنقاض ، تزغرد كلما احترقت دبابة..
جاءوكم من جنوب المخيّم ، كونوا حذرين ، ثكلتك أُمُّك يا ضارب الآربى جي سلمت يمينك يا ضارب الآربى جي ، لا تُطلق بكثافة ، الرصاص يتناقص، صوِّبْ جيدًا " لو جابت أمك مثلك عشرة.. يا ويلي " أنت تعُبّ ، لا تشربْ إلا قطرات وإلا أوذيت..
ضحك الشيخ طويلاً ، بانت نواجذه ، نهض سريعًا يتعثر بالجثث " وأخيًرا أتبتِ يا أم محمد " أيها الناس ، أيتها الجثث التي تزداد باستمرار ، فلنُصَلِّ سويًّا على جثة أم محمد .
غدًا ... العيد
العيد يا أحبتي الصغار قريب ، لا تذبحوا الخراف ، لا تُريقوا الدماء ، ما سال منها في الوحدات يكفي..
على المنبر صعد الشيخ ، تعثّر بخطاه ، ابتسم ، طاف نظره يتفقّد النيام ، صرخ وصايا أيلول العشر..
المالُ والبنونَ زينةُ الحياةِ الدنيا.. اختزنْ رصاصتك البيضاء ليومك الأسود، قِ أهلك من النار ، غنِّ حتى وأنت تموت ، إنْ تعثَّرْتَ فانهضْ، وإلا فلن تقوم أبدًا أيها الفلسطينيون ، تكاثروا وتوالدوا فإني مُباهٍ بكم الأُمَمَ يومَ القيامة ، مَنْ حفرَ حُفرةً لأخيه وقع فيها ، كُلّ سِرٍّ جاوزَ الاثنين شاعَ ، عروسك الطلْقة وإلا فلن تتزوج أبدًا ، من مات دون وطنه وأهله وماله فهو شهيد .
" الجرّافة " تأكل الجثث ، حذارِ فتلك اليد مع هذا الجسد ، ليكنْ ، قبرٌ واحد للجميع ، فغدًا في العيد سوف تَعتصر الأمهات أثداءهن لإطعام الأرض .

