قصة
نبدأ في هذا العدد نشر قصة طويلة لاول مرة منذ بروز هذه المجلة بعنوان " إفلاس أو حبك درباني " وهي قصة مستوحاة مما كان يوجد في المجتمع التونسي منذ ثلاثين سنة : لا شك أنها تثير مشاكل وتعالج عقدا في أدبنا التونسي وتخطط نفسيات عارية من الزخرف والتكلف . إلا انها لا تروم التقويم من حيث هي ، ولا تسعى الى التنويه بحميد الاخلاق او تالد المجد . هي ثورة على التحفظ والتزمت والمألوف . . . فيها انتهاج سبل جديدة وجرأة وحياة نأمل ان تمهد لادب تونسي صميم . ونحن في أسرة " الفكر " رأينا أن نعرضها بما لها وما عليها - تباعا - من دون أن نجهل ما قد يثيره أسلوبها من نقد وما قد يبعثه حوارها العامي من قلق وضيق وما قد تبقيه واقعيتها العارية من أثر سيء في بعض النفوس - ولكنا سعينا الى خدمة الادب ، والادب من الحياة النابضة او لا يكون .
على أنا أبعد الناس عن ادعاء الحقيقة او احتكارها فقد يجد بعض القراء في هذه القصة ما يستهجن وقد يناقشنا بعض الادباء مفهوم القصة ورسالتها وأسلوبها - لذا نرحب بكل ما سيوجهه هؤلاء واولئك الى الفكر من الملاحظات والانتقادات حول هذه القصة بعد قراءة جميع حلقاتها . ونعتقد أن تبادل الرأي حول " إفلاس " وحول " القصة التونسية " عامة عمل مفيد ، بل حيوي بالنسبة للادب التونسي الذي تهمنا خدمته قبل كل شيء . " الفكر "
إن القصة روح قبل ان تكون مظهرا ، وفكرة قبل ان تكون حادثة ، وان روح القصة الحي وفكرتها الصميمة يجب أن تكون قبسا من الانسانية التي إليها مَرَدُّ الفن الرفيع .
- 1 -
كان
الشيخ اسماعيل الصدراتي والممثلة فوزية نعيم والممثل سليم البرجي عائدين من التمرين في " كروصة " بين القصبة وباب منارة . وكانت اجراس الخيل ووقع حوافرها تملأ سكون ليلة من ليالي شتاء ١٩٢٥ . واذا بالشيخ يصيح ، مشيرا الى احد المارة
- هذاكه موش الباجي ؟ شد يا كرارصي . يلعن السخط والله يعطيني لحية هارون الرشيد والااناو إياه للبرماناص .
اوقف الكرارصي ونزل الشيخ . - امشيو توة نخلط على ساقي .
قالت فوزية : - يا ولدي اخطاك . ها الشوهه باش تعملها
نزل الشيخ وتابعت الكروصه سيرها خيم الصمت وثقل الجو ، واخيرا
قال سليم : - ما اصعبو الشيخ ! - آش ريت ؟ - عاد حتى معاك انت ؟ يحبك ياسر - كل واحد يقاسي اللي كتب له لم يجد ما كان يتوقع . بل آنس
اطراحا فيه تكلف ، فتجاسر قائلا : - برشه ناس يحسدوا الشيخ ويتساءلو كيفاش منجمتو مع اخلاقو المزمرة
- ما يخفاكش المرأة ليها راجل في ها الدنيا . وانا وبنتي وامي اشكون باش يقوم بينا ؟
- والشيخ عندو باش يقوم بيكم ؟ - انت ماهوا احسن من بلاش وبرة ؟ شعر سليم بانه سيد الموقف ، واخطر ما قد يقع له صفعة من يدها اللينة . لا ضير ، هما على انفراد ، وليس من يذيع الخبر . دخلت الكروصه في ظلمة بين باب الجديد وباب الجزيرة فاقترب منها وتحسس هل من نفور وضمها وقبلها وانتظر . . .
- هكه سليم ! استنى . رد بالك من الحمير يمشيش يبلحط لك وجهك . . واخرجت منديلها وبللت طرفه
بريقها واخذت تمسح له ولما خرجت الكروصة الى ضوء باب الجزيرة تركت له المنديل وهمست .
- تحت شفتك ما زال شوية عندها وصلوا امام نهج سيدى البيدي فنزلت ، خفيفة كالروحانية ، واختفت في ظلام زنقتها .
صاح سليم بالكرارصي : - كمل لباب بحر من فضلك - ايص ! قدم ! . . . وطريق الكرارصي سوطه في الهواء وانطلقت الكروصة بجلاجلها تخترق الانهج نحو باب البحر ثم البيقة ثم باب سويقه وسليم مستلقى ينعم . . .
اهل المقاهي في العابهم وضوضائهم والباعة " بنصباتهم " والدكاكين انقلبت اندية بعد انقضاء النهار في بيع وشراء هو ذا صاحب الدكان في جماعة من اخوانه يسمرون بالتاي والاحاديث الحلوة . وتلك الدكاكين الخابيء ضوءها او المرصع ظلامها باقيباس " السواقر " إن بها انسا وحركة وحديثا ذا شجون .
الكروصة تهرول وسليم ينعم : " ايها العباد ، اسمعوا وعوا ، انا سليم ابن حميدة البرجي ، اني سعيد ! "
وتذكر صيحة لامرتين وسط بحيرته : " توقف ايها الزمن "
هو في الثانية والعشرين من عمره تحصل على الشهادة الابتدائية ، ثم التحق بجامع الزيتونة فتنقل بين عرصاته حتى التطويع ، لكنه رسب في عدة دورات فسئم التعلم وطوله واصيب بأزمة " التصتيكه " ولم يعد يفهم شيئا من خصومة المعتزلة وأهل السنة ولا من اختلافات البصريين والكوفيين وابتغت نفسه الخوض فى ميدان الحياة . ففر من الجامع وجدياته الكالحة واختلف الى مجتمعات الشاب اللاهية الريانة .
احس بالحاجة الى " المصروف " فطرق ابوابا كثيرة واستقر كاتبا لاحد المحامين بالعاصمة .
فرح بمكانته هذه ، وان كانت اوجه الحسن لا ترضي غيره فقد وافقت منه ميولا : ليس عليه كبير عمل ، فالمكتب مكتب محام في عشرة السبعين لم يبق فيه من القضايا الحية الا ستة او سبعة ملفات . وموقعه في شارع جميل زاخر هو باب بنات وبه كنز من الكتب الادبية عثر عليه بين الملفات وزوايا الخزائن
ياتي مع الثامنة صباحا ويمر على القهواجي يطلب قهوة ثم يفتح المكتب
وهو شقة ذات حجرتين متقابلتين اليسرى للاستاذ واليمنى له وبينهما مجاز طويل ينتهي بباب المطبخ وبالمطبخ كنز
الكتب الادبية . فقد اتخذها الاستاذ مستودعا للوثائق والملفات المحفوظة والمرتبة حسب السنين في درج يغطي كامل الحائط وذلك عمل حياته القضائية كلها . وما فضل عن استيعاب الملفات امتلأ بالجرائد والكتب . بعضها محشو حشوا وبعضها فوق الرف الاعلى وبعضها متكدس في خزانة حائطية . وتداخلت الملفات والمجلات والجرائد والكتب يكسوها غبار كثيف انتصبت به خيام العنكبوت ، وباض حوت الكتب هناك وفرخ
في هذه الادغال ينغمس سليم باحثا عما يطابق هواه . فتعرف الى مؤلفات نيقولا حداد واديب اسحق والروايات المترجمة عن اساطين الادب الغربي كالثالوث كورناي وراسين وموليار ومعلمهم شكسبير وميلودرامات عصر الفروسية والقرصنة ومجلات شرقية اكثرها مجلة الصباح ، حيث وجد اخبار اهل الفن وطرف الممثلين وملحهم ايام كان يوسف وهبي وجورج ابيض وعزيز عيد يملؤون الشرق بدويهم الفني .
وكان يحلو له ان يتجول بخياله في حديقة الازبكية وشارع عماد الدين والاوبرا ومسرح رمسيس . فيعجب بصور منيرة المهدية وفاطمة رشدي ويعجب لهؤلاء الرجال والنساء انصاف
الآلهة ويتساءل : هل توجد بتونس من لها عيون منيرة او فصاحة فاطمة او من له زعقات جورج ابيض او مواقف يوسف وهبي المؤثرة ؟
كان يغشى المسارح ، ولا يتصور ان يرفع ستار ولا يكون مشاهدا لما خلفه من مناظر ، تارة في " الاوركستر " وتارات في " الانفيتياتر " .
اقتحم الوسط الفني بان نقد بعض المسرحيات على الجرائد ، فكان نقده خالصا ؛ إن أعوزته الدراية الفنية فلم يعوزه الذوق في حكمه ، خاليا من الاطراء التزلفي ، لانه لم يكن يعرف المديرين ولا يعلم شيئا عن تنافسهم ومكائدهم ، خاليا من نقرات القلم على أم الرأس لعدم طمعه في مودة الممثلات او الممثلين ولا إغاظتهم ، تلك النقرات التي تدل على انتقام شخصي وحزازات لا غيرة على الفن .
هدده بعض الغاضبين وشجعه بعض الراضين ودخل نوادي التمرين وقام بخدمات مختلفة : اقتبس وترجم ولقن ومثل ونسخ ومسخ .
على ان ملاحظاته في التمثيل والاخراج والاقتباس كانت تدل على احساس مرهف لا بأس به وكثيرا ما يأخذ بها المدير الفني إن كانت العلاقات طيبة .
حاول فأنتج شيئا شخصيا لكن باءت محاولاته بالفشل فاستقر في ذهنه انه احد رجلين : اما " قليل " واما عبقري غير مفهوم والى ان يتضح اي الرجلين هو ، اقتنع بالقيام بادوار بسيطة .
كان متفائلا جذلان . لا ينقصه شيء . أمه عجوز تعطف عليه وتتسامح معه عندما يغالطها في حساب منابها السنوي من الحبس . ورئيسه الاستاذ المحامي لا يضايقه في شيء . حسبه ان يجد المكتب مفتوحا في التاسعة عندما ينزل من " الترنفاي " ويتدرج نحو مكتبه فينهمك في اعداد قهوته ومطالعة الصحف الهزلية .
وان صادف وأرسله الى محكمة الدريبة او الديوان في قضاياه القليلة ، فلا يحرم نفسه من مغازلة الشابات المتقاضيات وبعد الظهر ، عندما يعود الاستاذ الى بيته في ضاحية أريانة فيبقى المكتب له وحده , يستقبل رفاقه من الممثلين فيخطون تصميم الاعلانات المقبلة ويتمرنون ثم ينطلقون الى صيد الفتيات الجميلات وقنصهن بباب البحر والقرانة .
وكان للمسرح عليه سلطان واي سلطان . يشعر اذا كان في الكوليس بين المناظر والاعمدة والابواب والادوات المسرحية المتراكمة تراكم
ادوات المرمة ، يشعر بروح شكسبير العظيم تهيمن على كل ذلك وتجعل منه حلما وشعرا واختلاجات رفيقة ؛ رجل المطافيء هو في نظره احد جنود هملت والماشينيست شاعر اذ يشارك في الاخراج وقطعة الخشب التي تصلح لشد المنظر هي شعر ايضا .
فكان بين المكتب والمحاكم والمسرح سعيدا ، لا ينقصه شيء . . . لا ، بل اذا خلا الى نفسه ، يجد انه ينقصه شيء . . . ينقصه الحب ! حب عميق يملأ فراغ قلبه ويجعل من تلك التي تستجيب اليه عروس أحلامه وبطلة روايات تدور فى خلده .
هذا الفراغ ملأته فوزية نعيم الممثلة في فرقة " النهوض التمثيلي " .
ظهرت فوزية نعيم في الفرقة كما تظهر الفقاعة بعد المطر ، وأتى بها الشيخ اسماعيل الصدراتي ، المدير الفني وصاحب ادوار البطولة في الروايات الكلاسيكية . وزعم انها زوجته ، كان استعدادها الفني محدودا ، فقد أرهق الشيخ نفسه في جعل إشاراتها طبيعية فلم يفلح ، واجتهد في مقاومة يديها اللتين تبدوان شيئا زائدا في جسمها كلما مثلت فلم تهتد الى ما ينبغي ان تفعل بهما . وكانت طامة الملقن العظمى . انها عسيرة الحفظ عصية . ان لحنت تمسكت بلحنها فلا يجدي تصحيح الملقن ، وقد يتمكن
احيانا من تقويم لسانها الذي ينطق الراء غينا ، لكن على المسرح تنطق كما قررت هي . وكذلك ان انفعلت يغلب الطبع فترجع الى لثغتها .
تاتي النادي صحبة الشيخ سافرة وتشارك في التمارين بمرح ونشاط . ويلذ لها اللعب بعواطف الرفاق ، تبتسم لهذا وترمقه بعينين حلوتين تتركانه يحلم . وترجو ذاك ان يمد لها شربة ماء بنغمة توسل واغراء لا تقاوم . بل يتمنى المرجو لو يرضيها في اكثر من ذلك ، ان امن عيون الشيخ الخضراء لانهم يحترمونه ويخشون شره . فانه انتهر احدهم مرة ، لما سمعه يخاطبها باسم لطيفة - وقد كان الشيخ يسهو احيانا فيناديها بهذا الاسم وبمجرد ما تفهم من مخاطبها تقربا مريبا ، تلطم بكلمة او نظرة تعيد بها الاعصاب الى هدوئها . وان جاءت اللطمة اعنف مما تقصد ، فخيم الانقباض والفتور على الجو فسرعان ما ترجع الى اغرائها وتوسلاتها ، تضمخ صوتها بالحنان والرقة وتبالغ في لثغتها لتسأل اتفه الاشياء : ما هي الساعة ؟ او هل تقرر الروسيني ام تياترو ابن كاملة لاخراج الرواية الجديدة ؟ او :
- شبيه ، وخيتي ، حسونه عاقد عبستو ؟ انت غضبان ؟ نشطح لك شويه باش تزهى ؟
فيعود الانشراح والانبساط
وكانوا يتكلفون عدم الاكتراث بها . ويذكرون فيما بينهم قصورها وبعدها عن الفن .
وتغيظهم هي باعتدادها بانوثتها وعدم جدوى غزلهم معها واستخفافها بملاحظاتهم الفنية ، ولعمري ان سلهبة اعضائها ونعومتها وحسن استدارة عضديها وزنديها الرخامية البضة واشاراتها الساذجة ، كل ذلك له من الرشاقة الطبيعية ما يزري بقواعد فنهم .
يسر الواحد منهم لصاحبه سخرية بها او ملحة من غلطاتها على المسرح او هنة من جهالاتها ، فان وقع منديلها يخف لالتقاطه وتقديمه اليها ، مستجديا كلمة شكر او نظرة عطف . لا يسلمون ولا يقرون لها بالجمال . نعم ، لا يقال فيها انها جميلة كما تراه المجلات والخاطبات والمتعارف عند النحاتين الاغريق ، لكنها شهية . وهذا لا يقال وانما يدرك ويخفى .
اختلفت فيها الآراء . منهم من يزعم ان الشيخ اجتلبها من " برارك " الحلفاوين ومنهم من يزعم انها من بائعات الهوى في الشوارع ومنهم من يفترض انها ارملة شابة تشتغل بالتمثيل كما تشتغل غيرها بالخياطة او " الكبوس " .
قبل ظهورها في الفرقة بأربعة
اشهر ، التقى بها الشيخ في ليلة من ليالي الصيف بمطبخ في سيدي مردوم .
تشاجرت في تلك الليلة مع خليل لها عقدت عليه بعض الامل فتركها وخرج . فاستمرت وحدها تشرب وتعدي بالفول وتنظر الى الطواول العامرة بالسامرين يتناولون السمك البوري والبريك والقناوية ومرق الدجاج .
وكان كل مجلس في لهو عن غيره . لا كلفة ولا مراقبة . بعضهم في جلبة صاخبة وبعضهم في هدوء ورقة . واختلطت رائحة الخمر والدخان والاطعمة الشهية فاكسبت الجو حدة وحرارة ورفع احدهم عقيرته بأغنية رائجة :
يا زارعين الفل فوق عليكم
مكتوب ربي جابني لديكم
وشبان يودعون صاحبهم الذي
حصل في العسكر وهو ثمل ينشدهم :
يا أمي علاش تبكي عليه
وأنا مسافر للعسكرية
وجماعة يتوسطهم مغربي في لباس السفر وبحذائه امتعته وهم يسألونه ويسمعون منه وقد لعبت الخمرة برأسه وجعل يقص عليهم بحماس وتأثر . سأله احدهم :
- وكيفاش قلت عم الحاج , بالله عاودها .
- ماني قلت لك يا ولدي هذيكه تكون آخر كلمة نقولها في تونس كيف نشد باب عليوة .
- هاك محسوب توه في باب عليوة . ماك الليلة قاصد ربي ؟
- ايوه . هادوك القش والعمال على الله .
- بالله يا عم الحاج قولها . تنحنح المغربي وبدأ ينشد وقد انتبه اليه السمار فصمتوا :
تبقاي بخير يا مدينة تونس
بهجة المدن بالتمام
فيها دق الغرام
وانزل فيها الرسام
راسمو
تعجبوني بنات تونس
حَيْتِي يوشمو وشام
م الرقبة حتى الحزام
يعطيو القول ما يغدروا
هاكى لا يوالفوا
تقدم الليل واخذ الناس يغادرون المكان وحاسبت آخر جماعة الغلام اليهودي وخرج الجميع يترنحون : يشعلون سواقرهم ويخللون اسنانهم ، وبدأ الغلام يكنس ويرتب ، ولم تبق الا هي ورجل يستفرغ بقية زجاجة وامامه لحم مشوي . فلم يكن مناص من التقاء عيونهما . اطال الرجل النظر اليها وزمجر .
- أجارتنا ! إنا غريبان ها هنا
وكل غريب للغريب نسيب
تفضل . . . والا نجي بحذاك
قعدنا وحدنا . عاد ماو نونسو بعضناخير
واخذ معه ما يصلح فى مائدته واقبل
عليها .
- ما تنحرجشي مني . هاك تشوف منيش وليد صغير هانى شايب مهلوك . كان ظهر لك نونسك ونكملو نشربو ما كتب وتشكي لي بهم قلبك . كان ظهر لك نشيعك وين تحب كان ظهر لك نمشى على روحى .
- اقعد مرحبا بيك - نقل لك انا شكون باش يطمان بالك وانت موش لازم تقل لي شيء انا يا للا اسماعيل الصدراتى . . . .
- انت اسماعيل الصدغاتي ! - اى نعم يا للا انا هو اسماعيل الصدراتى امتاع التياترو ، انا هو . . .
( وانهمر يقص عليها حياته الفنية وعظمته وادوار البطولة التى قام بها وانه شقي اذا خرج من عالم التمثيل ودخل الحياة الواقعية . يشعر بانه اجنبى عنها . لا اسرة له ولا بيت ولا اصدقاء . يقضي اكثر اوقاته فى المقاهى والحانات واذا غلبه النعاس يتجه متثاقلا مختل الخطوات الى مسكنه بباب المنارة ، فينكب هناك الى الصباح . لم يتفق مع امرأة ولا رجل فهو يعيش على الهامش )
سكت برهة واخذ الزجاجة فوجدها قد فرغت فسألها الزيادة . اومات ان نعم وشرع فى " طرادة " طويلة يبثها ما اختزن فى صدره من ظلم الحياة . وهي تصغي اليه وقد رقت لهذا الشريد العظيم ، واحست بشبه فى حياتيهما واعجب هو من حسن اصغائها وصبرها على الكاسات . وتمت ليلتهما فى العلو الصغير بباب المنارة . وقد خلس الشيخ شمعة فى طريقه من للامنارة ليستضيئا بها .
وللا منارة كما تعلمون هى طاقة فى الجدار داخل الباب العتيق يعتقد العامة فيها البركة وهى لاتخلو من بخور وشمع تضعه العجائز هناك من باب النذر .
نهضت من الغد عند الضحى . فوجدت نفسها فى العلو بمفردها . افاق الشيخ قبلها ، فاشترى لها فطيرتين وجدتهما في صحن على الطاولة وخرج .
قامت تستكشف المسكن ومحتوياته . هو علو مقام على ما كان سورا
للمدينة ، فوق دكان حلاق ، به حجرتان تنفذ احداهما الى الاخرى ، ولكل حجرة شباك يفتح على بطحاء باب منارة .
( تجولت في الحجرتين واطلت على المرحاض وبه سبالة ؛ فاصلحت من شأنها وافطرت ، ثم اخذت ترتب وتنظف , ودارت دورة المراة المقدودة ، فسوت
الاعلانات التى تقوم مقام الصور على الجدران . وابادت مستعمرات من البق وجدتها ، ونفضت وغسلت وكان العلو صغيرا محكما لا يكلف كبير مشقة فى ترتيبه ، ثم استندت الى النافذة وبقيت تتفرج )
اشرفت على بطحاء باب المنارة الرحبة الجميلة ، الحية حياة تونسية صرفة .
رأت الدوحة الهائلة التى تملا الجهة العليا خضرة قاتمة وزقزقة ، ومنها تنحدر البطحاء الى نهج السكاجين ، كانت الشمس تغمرها ، والناس فى ثيابهم الخفيفة الزاهية يدبون فى انحائها مجدين .
رأت رجالا واطفالا يزدحمون على دكان " الفطايري " يمدون نقودهم ويصيحون طالبين فطائرهم . وصاحب الدكان متصدر امام طاجينه ، يجس بين أصابعه المبللة قطعة العجين ثم يلقي بها - مستديرة - فى زيته الحامي فيقوم لها طشيش وفقاقيع محرقة ، ثم يكيل عليها الزيت حتى تحمر وتستوي فيرفعها بسفوده ، ويوكل امرها الى وزيره الواقف امامه على جذع . وهذا يوزع الفطائر على أصحابها بعدل عمر ، الاول فالاول .
رأت التجار يلجون السوق المظلم ، المدسوس بالزاوية الشمالية الغربية , خلف الدوحة كأنه نفق ، مزدان بمعروضات السراجين المطرزة . ومنهم الداخل من القوس او المنحدر الخفيف
الى السكاجين او الصاعد المجهود الى ربوة القصبة .
بقيت تتبع ما يجرى فى تلك البطحاء . خلبها العالم البديع الذى يزغد في ظئر الشجرة العظيمة . هناك سبالة تجري بماء بارد زلال ، وضريح مجاهد من الذين القوا بالاسبان فى البحر ، وهو ببابه وقبته من الصغر كأنه لعبة . ناهيك ان الواقف يستطيع ان يمس قمتها , وبين القبة والسبالة درجات اربع ينتهين الى كتاب ودكان سراج .
ينتثر الصبية في الظل والماء ، على الدرجات والقبة ، يلعبون ويمحون الواحهم ويتشاجرون ويمكرون ببعضهم مكرا بريئا فكها .
وتنبعث اصوات الآخرين من الكتاب بالقرآن الكريم ، شجية موزونة في حماس يأخذ بالالباب .
رأت براوطي يدفع - بسواعد قوية - برويطة مثقلة بالغلال . توسط البطحاء ووقف ينضد فواكهه ويغني عليها بصوت رخيم رتيب ، فجرى نحوه صبي من اولاد الكتاب ، فمسح له أنفه وقبله وأعطاه تفاحة بعد أن مسحها بذيل " بلوزته " ورجع الطفل الى زمرته .
رمقته وتمنت لو كان لها بعلا . وكانت هى امرأة بيت ، ولها ولد مثل ذلك الذى رجع يمحو لوحه مع رفاقه .
ثم يذهب ، فيتدخل بين ارجل الناس الواقفين على الفطائري ، ليجففه عند التنور .
( وتكون هى في عقر دارها تعد الغداء وتتفنن فى تطييبه لتنال اطراء زوجها ورضاه ، وتنتظر دخول ولدها من الكتاب فرحا متهللا ، فى وجهه نضرة ) ثم تستقبل زوجها وترفه عنه وتحنو عليه .
غير انها ليست كذلك . لها بنت لا تدري بالتحقيق من ابوها . وليس لها زوج . هي للجميع وليس لها أحد .
طلبت نفسها الاستقرار ، وملت مفاجآت الليل .
أُخذت بهذه الحياة البسيطة السامية ، وخطرت لها حياتها الدنيئة الخارجة عن القانون . فرجعت بها الذكرى الى خمسة عشر عاما خلت )
( رأت نفسها صبية فى العاشرة من عمرها . وكان اسمها اذ ذاك منوبية ، نزحت اسرتها من المنزل . الى تونس الخضراء وسكنت حومة الجيارة ) .
وكان أبوها يعمل بناء ، ولما تقدمت به السن ويبست أعصابه فلم تعد تطاوعه على تسلق السلالم ومسك توازنه على حافات السطوح ، قبع فى دكان يبيع مواد البناء ، ثم مات .
اشتغلت الام وابنتها بغسل ثياب
العطارة ؛ وهؤلاء قوم أولو جد وعمل ، يقدمون من بلادهم جربه ويعكفون على تجارة المعاش ، بعيدا عن اهلهم السنين الطوال ، وكانت جماعة منهم يختلفون الى دار الام بية ويتقربون بالهدايا الطفيفة لتعطهشم الى البيوت ورفاهيتها والمرأة وشذاها ، فتصنع لهم طعاما من حين الى حين وتخفف من وحشتهم فى خفاء وصمت .
( وقعت منوبية مع احدهم ، ولم تعلم قيمة ما قدمت الا بعد ان تولى عنها ، ولم يعبأ بها وحسبها اكلة من جملة اكلات
صودمت في عواطفها وكتمت امرها . هيهات ! لو تمكن الاعادة ، لكانت تعرف كيف تبيع عفتها غاليا . لكن فاتها ، وبقيت حاقدة )
وطنت النفس على ان تستمثر ما بقي باغلى الاثمان .
ومرت الايام . ولم تجد دائما الثمن الغالي ، الى ان سنحت فرصة مع كهل من بني عمومتها ، كان يقدم الى تونس من وقت الى آخر في شؤونه الفلاحية وجعل من دار الام بية محطا لرحاله .
احتجبت منه اول الامر . فلم ير منها الا لمحات عرفت كيف ومتى تظهرها ، كانت كافية لامتلاكه . ثم تدرجت معه وسلطت عليه فتنتها واغراءها واستعملت من الاحتشام والدلال والتجني ما أذهب
لبه . تمتنع من مقابلته احيانا إلا من شق الباب ، وتقبل عليه احيانا ، تمازحه و تلبس " قشابيته " الخشنة ، وتغسل له رجليه بالماء الفاتر في الشتاء ، وتقدم له من الوان الاطعمة ما يلاطف معدته الغليظة . وانهال عليهما بالتاي والكاكوية والحلوة الشامية والفاكهة والعطورات وتقارط الحرير للام بية .
مرت سهرات في غفلة من الزمان اذاقته من سلافها ، متصنعة الغلبة والقهر امام فحولته العاتية . وتعاقبت زياراته الى العاصمة وتقاربت بحاجة وبدون حاجه .
قدم يوما محملا ، كالعادة ، بالبيض والدجاج والزبدة والجبن ومختلف اطايب البادية ، فاستقبلته الام بية ، وعبثا قلب عينيه فى انحاء المنزل فلم ير منوبية .
قامت العجوز تؤثر له الفراش وتطعمه ما يشتهي وتسابق شهواته ، لكن هذه الزهور واين العبير ؟ فى النهاية لم يصبر وسأل :
- ويني منوبية ؟ فتلكأت العجوز ثم قالت له بغاية اللطف .
( يا سي عمر انت عاقل ، وتبارك الله عليك ما يخصك شيء ، ووخيتك منوبية يتيمة وما عندها كان وجه ربي . جيتك عزيزة ، مرحبا بيك فى كل وقت .
على الراس والعين . اما مانخفيش عليك : تهزينا في الافام والناس ما يخليو حد في راحة ، علاش ما تكتبش صداقك عليها . هى بنت عمك وما تعلا عين على حاجب ، وكانك فى المنزل بدارك وكانك فى تونس بدارك ، تبارك الله عليك ماكش خصيص ، وربي حلل لك اربعة . وكان تحب موش لازم تسمع ام اولادك ، كيف ما قالوا يرحمهم ميات صداق ولازلة ) وكتب صداقه
وكانت اقامته مع زوجته الجديدة خلسات تفرق بينها اشهر طوال .
رجعت منوبية فى تلك الاثناء الى عطارها وغيره ممن يشتهي قلبها .
قدم مرة مرة فلم يجدها . فالح في طلبها . فاضطربت العجوز واعتلت بانها مريضة وانها فى دار احباب لها ، ولما ارعد وهدد قدمت وبعينها رضة زرقاء . قالت - لما سألها - انها وقعت فى الحمام .
واطرق يحاول ان يتصور كيف تصاب العين من كبوة في الارض ! واذا بالباب يطرق فسمعها تهمس :
- قل لو مكبوب السعد هوني . كأنه أفاق من سكرة . تراءت له التكاليف . وفطن لتحول عيون المحبة والوله التى عهدها الى ازدراء وتأفف . واستحضر في ذهنه ما سمع من كيد النساء .
فطلقها وفاز بنفسه وتركها حبلى ببنت اسمتها على بركة الله رفيعة .
أسفت على ذهاب سي عمر لاعتبارات صورية . ثم قبلت ما آلت اليه كنتيجة حتميه لسيرتها . وارتمت فى حياتها الجديدة بمرح وطرب .
. . . كن جماعة مثلها يجتمعن عند قهرمانة ينادونها " أمي " وهناك تسمت " لطيفة " وكن يتفاخرن ببهاضة
اجورهن وبراعتهن فى " تكسير الوجوه " . طافت بالشطوط والاوتيلات .
وذاقت مر الصنعة وحلوها ولم تكن تدري : أهي الحاجة التي تدفعها في هذا السبيل أم هو توق ؟
ذهبت مع الكبير والحقير والحسن والقبيح ، وضحكت ممن تعلق بها ، وبكت ممن تركها ، ورأت ميولا مختلفة . احبت بعضها وكرهت بعضها ووقعت في مواقف حرجة ، وقضت سويعات حلوة ، وكانت تخاف الاخطار وينخلع قلبها عند العربدة او المصادفه السيئة . فركنت الى ملازمة الحريف اطول مدة ممكنة . وهكذا عرفت رابحا . . . لكن صروف الليالي كانت تقلب عليها هناءها ، كلما انفتح قلبها لاحد : منهم من تمنعه ظروفه ومنهم من لا يأبه بها ومنهم من يريد استثمارها الى ان التقت بالشيخ في مطبخ سيدي مردوم .
. . . أصوات الصبية تنبعث من الكتاب شجية موزونة . . ما الذى القى بها الى ههنا ؟ صدف الليل والشارع . . . الشيخ في منحدر العمر وهي شابة غضة . . .
خنقتها العبرة فابتعدت عن الشباك واخفت وجهها في منديلها واطلقت العنان لدموعها ، فبكت بغزارة حتى استراحت . ثم اخذت " الكارطة " وجعلت تسوي الورق بإزاء بعضه . ثلاثة اسماط ، فى كل سمط اربع ورقات ، ثم انحنت معتمدة بوجهها على جمع يدها ، وراحت تسائل الصويرات عن مصيرها وتطبق ما رأت على حالتها : هناك كتب فى بيت سيأتي في طريق الليل ، الفرح يعم الجميع ، إلا سيد قلبها ، فهو معرض عنها ، بينه وبينها ورقتان : حمراء وسوداء . ثم جمعت الاوراق وضربتها واعادت الترتيب واطلعت : فرح بين المرأة والرجل ، الغريمة متغيرة فى دار الخمسة ، هناك مال فى طريق النهار ، سيد قلبها في سمط اخر . وضربت الورق واعادت الترتيب ثالثة : غيار عند سيد القلب ، فرح في دار الآخرين .
وتمادت في لهوها هذا . . . عاد الشيخ فى الظهيرة . فوجد نظافة وترتيبا ووجها حبيبا يستقبله .
- أملاك بين يدي أم بشر ؟ ترى جاءت حواء لتؤنس آدم في وحشته .
وضمها الى صدره ثم ابعدها بيديه ونظر اليها وقال :
- من انت ؟ ومن اين اتيت ؟ وماذا تريدين ؟
- ما وقلت لي ما تنشدنيش . خل الدنيا هكاكه .
وترك الدنيا كذلك . وأراها مفتاحا ثانيا للباب عسى ان تخرج ، لانه عدو الضغط على الافكار ، اجابت :
- وين عندي نمشي . ومرت الايام . قال احدهم : للنساء ان يعطين مالا يملكن ، يعطين السعادة للرجال وهن شقيات . يلتمسن الفتيته فلا يجدنها .
وجد الشيخ ما لم يتعوده : حنانا وعطفا ودفئًا . وخيل اليه انه يمثل رواية فيها من الواقعية ما ليس فى الروايات .
قام بدور الزوج المثالي . يعود الى البيت في أوقات مضبوطة وينشر بين يديها الحلواء والفاكهة واللوبان والسواك وما الى ذلك مما يطرب المرأة وهي عنده كالطفلة الصغيرة يفرحها ليفرح . ثم يقضيان سهراتهما في صفو خالص : الشيخ يقص مغامراته وهى ترتق له القميص او تعد التاي او يلعبان الورق او غير ذلك مما يروق لهما .
دخل يوما فلم يجدها . فابتسم بمرارة وخطر له اول وهلة انها سرقته وانصرفت وانتهت الفذلكة . فالقى من يديه ما كان بهما وبادر الى درج كان يضع فيه دراهمه . فوجدها كاملة .
جلس على مقعد وجعل يفكر ويجيل بصره . كل شيء نظيف مرتب لم تسرق الدراهم . وذهبت ! هل انتهى الحلم ؟ لماذا ؟ يا خسارة ! كاد ان يكون سعيدا .
خرج واضاع الوقت كما اتفق له وابطأ في النادي ومر على الحانة ولبث يعاتب نفسه ويقرعها .
ما اسرع ما يألف المرء لين العيش والسعادة ! ما له كالفطيم ؟ عليه ان يعتبر الستار قد نزل . وانه عاد الى سيرته الاولى !
امتدت امامه عدة قوارير فارغة ورجاه صاحب الحان ان " سامحنى باش نقفل " .
قام يترنح ورجع متثاقلا الى العلو . وما كان اشد سروره لما رأى النور من النافذة .
طلع ، فوجدها نائمة كالرضيع . أنفاسها هادئة . جلس عند رأسها وطفق يبكي ويلاطف شعرها حتى استيقظت فابتسمت له وجلست .
- اللطف عليك ، آش بيك تبكي ؟ - نبكي على العملة اللى عملتها بيه .
اجهدت نفسها ليستقيم نطقها وقالت : - على خاطر خرجت ؟ ماك قلت لي . - لا ، انت حرة . اما سنستني بروحك واشنيه الآخرة ؟ لازم باش تمشي . لواش وريتني الهناء والسعادة . خليتنى فى همي . ما عادش نصبر عليك . نعرف هذا هبال من واحد كيفي . اما آش نعمل ؟ نصبر . وكيف ما عديت خمسين سنة وانا كيف التبيب نعدي البقية . انا حلفت ما نسألك على حتى شي اما تحبش انت تقل لي ؟
- عاد اشبيه ؟ علاش ما نقل لكش ؟ مشيت لدارنا نطل على بنتي .
- عندك بنتك ؟ - اي نعم . - وآش عجبك فيه قاعدة عندي ؟ - آش بيك بكلك تعجب . - توة الاتفاق ما ننشدكش على ماضيك . طيب . ومستقبلك آش ناويه تعمل . عندك بنتك مخليتها وقاعدة عندي لواش ؟
- اللي يحبك يموت ؟ - خلي من كلام اللعب . - شوف . آش شكيت لي ليلة اللى تلاقينا . قلت ما عندك حد لا مرا ولا ولاد وبيتك ظلام وانت غريب ، هاني مرتك وبنتتى بنتك وانا اهلك ونتلها بيك و نسيغ في رضاك تحبش ؟
- هذا ليه وانت آش حاجتك بيه . - انا حاجتى براجل يدخل عليه ويخرج ويجيب لي خبزة ناكلها انا وبنتي .
- وتظنني من اللى ينجمو يجيبوا الخبز ؟ هاك ريت . رواية نربحو فيها تجيني هاك الميتين ثلاثة واربعة وخمسة نخسرو فيهم . والقفه والدبوزة كل يوم .
- عاد اشبيه ماني نخدم الشغل . - اسمع يا بنتي . انا راني خالطت ياسر وريت ياسر وما نيش نرضع في صبعي . اذا حاجتك باش تتغطى بيه وتعمل اللي في بالك راك غالطه ياسر وقت اللى انت مازلت ما تخلقت انا شكون يعرف عليه . صاحبت وصاحبوني ورايتهم انواع واشكال وانت وين نعرف عليك اشكون متبعك بالك حد يلوج عليك ؟ بالك هاربه على راجلك تعدي بيه وقت ومن بعد تخليني . ما نحبش اشكون يلعب بيه .
- ماو قلنا اللى فات مات ما عاد فيه حساب ، ننساوه واتهنا اللى قلت الكل ما ثماش .
- ها الطفله منين . - من راجلي يا غلبه ! طلقني توة عامين .
- وعندك طلقتك ؟
- غدوة نجيبها لك نقراها - ووينو توة راجلك ؟ - ها البحث باش تعمله لي . مشى لبلادوا في المنزل .
- هذا موش الماضي . هذا المستقبل آش يظهر لك ؟ لو كان تطلع هاربة من راجلك ماو يحطوني فى الحبس . وانا ما نيش خايف من الحبس اما نحب عشرة صحيجة ، انت تلقى فيه اللي تحب ، وانا نلقى فيك اللى نحب . ما تعمل ليش قرون .
- اتهنا يا سيدي هذاكه شيء وفى ومات . اللي حاجتي بيه هي بيت وراجل ساترني .
- في عفارم ! أما لو كان نطيح لك بحاجة . . . شوف سهم كرطوشة انت في الجبانة وانا فى الحبس .
انتقل الشيخ الى دارها . واصبحت له اسرة كما يشتهي : امراة وبنت ونسيبة وبطبيعة الحال اخرجها الى التمثيل واطلق عليها اسم فوزية نعيم واعتلت خشبة المسرح في ادوار صغيرة .
قد تحدث نفس بعضهم بالتهكم عليه والنظر من قريب اليها غير ان له في شراسته وماضيه ومغامراته ما يردع
فما كان ليتحاشى العنف وكان يطلبه فى شبابه . كلهم يتهيبونه ويخشون شره
وهكذا دخلت لطيفة التى كان اسمها منوبية وصار الآن فوزية ، هكذا دخلت الوسط الفني تحت رعاية الشيخ وحمايته .
طابت لها حياة التمثيل ووجدت ما تصبو اليه من لهو ومرح واعجاب الجماهير وتصفيقهم والاتصال بطبقة راقية من اهل الفن مما وافق غرائزها فهى مثل " المنيار " الذى فضل القفص . يصفر ملء حلقومه ويقفز في ارجائه وينقر من لباب الفاكهة الملتصقة بالقضبان تحت رعايه صاحبه : الحشايشي الفنان .
اخلصت لحياتها الجديدة وباركت تلك الليلة ، ليلة سيدي مردوم حيث لفظتها المحنة .
وتعلقت همة الشيخ بان يعطي درسا فى الزوجية موضوعه : التوفيق بين المدنية الشرقية المحافظة والمدنية الغربية المتطورة في وقت كانت هذه الافكار على بساط الجدل في النوادي والمجتمعات .
فى مصر رفع قاسم امين راية الدفاع عن المرأة وفي تونس كان الطاهر الحداد تتوحم بكتابه " امراتنا فى الشريعة والمجتمع " فكانت الموازنة بين محاسن
كل تربية ومساويها . امتازت عندهم الشرقية بطاعتها ولطفها ورقتها وحيائها وامتازت الغربية بالكيس والذوق ونظام البيت ومشاركتها زوجها فى حل مشاكله والخلاصة ان الشرقية انثى لبععلها والغربية رفيقة لقرينها .
ورأي الشيخ - الذى يستهدف معارضه لاعنف " طرادات " السخط والاحتقار - هو ان تكون المرأة شرقية ليلا وغربية نهارا .
وعلى هذا الاساس قامت العلاقة بين الشيخ ولطيفة . لها ان تخرج سافرة متى شاءت ، فاستعملت هذا الحق باعتدال وبررته بالشغل اذ انها اتفقت مع بعض المغازات على خياطة الثياب
لمحت الشيخ مرارا فى غدوها ورواحها فيدعي انها الصدفة وتفهم هى ان نفس عطيل تحت الفلسفة التقدمية فكانت حذرة لبقة .
اعلمت من لقيها من معارفها بحياتها الجديدة وحذرتهم من مخاطبتها فى المستقبل وان الماضي قد دفن . . . الا رابحا . . .
فإليه ذهبت لما افتقدها الشيخ في علو باب المنارة . . .
. . . وكانت معجبة بالشيخ وتحبه حقا وتخشاه . فقد تصادمت حدته وحدة أمها فارسلتها الى المنزل إرضاء
له ، وكان يهددها بالانفصال والرجوع الى علو باب المنارة كلما أشكل عليه امر . لكن فى قلبها صبوة كلما تعذر إرضاؤها استعرت . نظرت حولها فوجدت في سليم جدا ورصانة ، فلم لا ؟
ظهرت في الفرقة الى جانب دليلة أشواق ، الممثلة الاولى عند ابتداء الموسم في الخريف ؛ فكانت محور بلاط من الشبان والمعجبين .
كانوا حول فوزية يحومون كالنحل على الزهرة الندية وحول اشواق يسوجون كرجال الحاشية .
احست اشواق . وخشيت المزاحمة . ولم تخل المودة بينهما من شوائب . ونظرت الى هذه الدخيلة شزرا من علياء مركزها الفني ، وجرت عليها ذيول الملابس المترفة . فلم تجد لشحنائها صدى . بل احتملت فوزية غطرستها وكبرياءها بطيب خاطر ولم تفكر في مزاحمتها واختارت بجانبها مكانا صغيرا ممحيا . معترفة لها بالتفوق تاركة لها إعجاب المعجبين بفنها ومقدرتها فى ادوار الملكات والخليلات ، مقتنعة أدوار الخادمات . فتلاشت هواجس
اشواق ولانت بينهما العلاقة ، لكن لم يكن في إمكانها ان تغفر لها احتكار إعجاب المعجبين بها إعجابا من صنف آخر !
توفرت لدى سليم ظروف مؤاتية : جواره لها في السكنى بحي باب الجزيرة واستنجاب الشيخ له . فزاد في مكايدة الجماعة بالتقرب منه وإعجابه به واكباره لفنه وعلمه ومساندته له في عناده وتعنته في التمارين والمباحثات المسرحية والادبية والسياسية . فان بدا من الشيخ عوج في ملاحظاته ، فتألب عليه الممثلون ، ينجده بانه قرأ في بعض المجلات الفرنسية او الكتب ان " سلفان " او " موني سوللي " كان هذا رأيه . فيطرح الشيخ ويؤكد عليه في إحضار الحجة ليدمغ بها المكابرين . وكان يستدعيه من حين الى آخر الى مرافقتهما في الكروصة . مما أثار حسد الجماعة وتهكمهم خاصة ولم يكن من الذين يتهافتون على التقاط منديلها اذا ما وقع . ثم ، لا سبيل الى نكران استعدادهما الطبيعي : هي للاجتذاب وهو للاندفاع . ( يتبع )

