الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ، ، اقرأ ...

Share

قد يذهب الظن ببعض الناس الى أن عهد الكتاب ولى وآنقضى فى هذا النصف الثانى من القرن العشرين حيث طغت الوسائل السمعية البصرية على سائر أساليب المعرفة والتبليغ الاخرى واستبدت السرعة بحياة الانسان العصرى فاصبح لا يكاد يجد متسعا من الوقت ليتغذى من الكتاب وهو وعاء (( ملئ علما وإناء شحن مزاحا وجدا )) كما يقول الجاحظ .

والواقع ان الكتاب - رغم منافسة الاذاعة والتلفزة والاسطوانة - لا تزال سوقه نافقة وصناعته مزدهرة رابحة ولا يزال الاقبال عليه متزايدا مطردا ، ناهيك ان 500.000 كتاب جديد ينشر فى العالم كل سنة وأن ثمانية مليارات من النسخ تطبع فى كل عام ، إلى جانب الجرائد والمجلات بكل أنواعها ، بل ان مستوى الامم اصبح يقاس - فيما يقاس به - بالنسبة الموجودة بين عدد سكانها وأهمية الاعتمادات المرصودة للمكتبات .

ذلك ان الكتاب هو الغذاء الضرورى وأداة التثقف والرقى العقلى والروحى لجميع البشر منذ أن آنتشر التعليم ولم تعد الثقافة حكرا وامتيازا أو محظوظية لطبقة دون طبقة وبلاد دون اخرى ، واقتضت الديمقراطية أن تتقارب حظوظ الناس من المعرفة وتكافأ فرص النجاح والتفوق بينهم جميعا .

فليس من باب الصدفة إذن أن قرر المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو - فى دورته السادسة عشرة - أن يكون عام 1972 (( السنة العالمية للكتاب )) وأن

تشرع معظم الأمم منذ مطلع هذا العام فى العمل الايجابى بمقتضى التوصيات الصادرة عن هذه المنظمة الدولية ومختلف اللجان والهيآت الفنية التابعة لها ، وأن تتعاون مع اليونسكو الآتحادات الدولية لجمعيات المؤلفين والموسيقيين والناشرين وباعة الكتب ...

ولعل الغرض الاول الذى يريد الجميع بلوغه إنما هو تشجيع التأليف والترجمة ورعاية حقوق المؤلفين والزيادة فى انتاج الكتب واحكام توزيعها وهذا يقتضى الحث على القراءة وتيسير الطباعة والتخفيض من اثمان الكتب ، لذلك كان شعار هذه الحملة العالمية التى تتزعمها اليونسكو (( كتب للجميع )) .

ونحن نريد أن نلاحظ فى هذا الصدد انه اذا كان حظ العالم المتقدم من الكتب - تأليفا وصناعة ومطالعة - فى تزايد متواصل فان العالم الثالث يشكو - فى هذا الميدان ايضا - تخلفا شديدا ويستهدف الى خطر كبير .

واذا بان التخلف لكل الناس بسبب قلة القراء الناتجة عن ضعف نسبة المثقفين وكساد صناعة الطباعة وفساد مسالك التوزيع ... فان وجه الخطر كامن فى فرض هذا العالم المتقدم بضاعته الثقافية على الشعوب الضعيفة واغتنام هذه الفرصة - التى له فيها مسؤولية تاريخية لا تذكر - لتكييفها وتوجيهها الوجهة التى فيها مصلحته ودوام هيمنته وسلطانه .

وازاء هذا الواقع المر لا يسعنا إلا أن نستبشر ببادرة اليونسكو ونعلق عليها عريض الآمال لا لما ستحققه فقط من مزيد التوعية بفوائد الكتاب والتغلب على الصعوبات التى تعوقه عن النشر والتوزيع .. بل كذلك وبالخصوص لتصون ثقافات الشعوب وتأخذ بيدها كى تحقق نهضتها من دون أن تطمس طرافتها وتفقد شخصيتها وأن تشجع أيضا الترجمة والاقتباس من كنوز حضاراتنا إلى لغات البلاد الغنية التى كثيرا ما تجهلنا أو تتجاهلنا ، وانه علينا فى هذا

المقام أن نقوم بجهد جبار كي نعرف بأنفسنا ونترجم آثارنا الأدبية والفنية والعلمية القديمة والحديثة الى اللغات الحية الواسعة الانتشار .

لأنه بذلك يوجد الحوار بين الأمم وتتلاقح الثقافات ويغنم الفكر البشرى غنما كبيرا .

وعسى أن يتواصل مجهود اليونسكو كامل هذا العام والأعوام القادمة لأن الكتاب أصبح ضروريا للبشر ضرورة الماء والهواء ولأن كل شعب محتاج فى قوامه الروحى وفي انسانيته الى معرفة خصائص الشعوب الأخرى الثقافية والروحية . طالما أن أسطورة تفاضل الثقافات قد تبددت وبان زيفها كما تبدد أسطورة تفاضل الأجناس وظهرت بشاعتها من الوجهة الاخلاقية والحضارية .

وبذلك تتضاءل العنصرية الناجمة عن التجاهل المتبادل والكبرياء والتعالى ويحل محلها التقدير والاحترام فتزداد حظوظ التفاهم والسلم والوءام بين الناس أجمعين .

اشترك في نشرتنا البريدية