إن المتتبع للحركة الثقافية بتونس مثلا بالنسبة الى انتاج منتجيها إبداعا كان او دراسة وبحثا يمكن له أن يعرف مدى تشبع صاحب الانتاج بموضوعه او درجة استيعابه لأداة إبداعه في الفن الذى ارتضى ممارسته ومنه الى حصيلة ما أمكن له تلقيه من معلومات وتجارب سبقته .
وليس الامر يتعلق بدرجة العلم او المعرفة او القــدرة على الاستيعاب إذ هذا موكول الى قدرة كل فرد وطاقته على هضم ما وجده لديه وفي متناوله من معلومات ومعطيات وكذلك قوته على الاضافة أو الابداع بل إن الذى نعنى هنا هو جملة هذه المعلومات والمعارف والمعطيات وطريقة حفظها والاستفادة منها .
ولو ان الثقافة العربية لم تجد الـــرواة قبل التــدوين يجمعون الشعـــر والامثال وايام العرب بالحفظ والسند ويحفظون القرآن وسيرة الرسول ومآثر الصحابة والتابعين لما أمكن لها ان تصمد امام الثقافات الاخرى وتقدر على هضمها وترقى الى مشارف الاضافة فى ميادين عديدة .
فالرواية كانت هي أداة الخزن الاولى للمعرفة والراوية بذاكرته الامينة هو ناظم الآلة ( ordinateur ) الذي من المفروض ان لا يخطئ لا بالزيادة ولا بالنقص ولا بالتحريف . ثم جاء التدوين رافدا كبيرا ومعينا أمثل للدقة فى 3 579
أمانة الخزن ولكن الحفظ الامين بقي هو الركيزة الهامة في تداول المعلومات والمعارف .
ولقد ادركنا نخبة من علماءء جامع الزيتونة كانت لها القدرة على الاعتماد على الحفظ واستيعاب كتب عديدة أدبية ودينية ورواية ما فيها بكل أمانة ودقة ، وحضرت مجالس الشيخ العربى الكبادى وغيره من الادباء وهم يروون الطرف والنوادر والصفحات الادبية من امهات الكتب مثل البيان والتبيين للجاحظ والعقد الفريد لابن عبد ربه وغيرهما . فكانت الرواية هي الاداة الاساسية لكل تقدم وهى الكفيلة بمد العالم بالقدرة الكافية للنهل بسرعة وفي طرفة عين او فى بعض الاحيان بالاستعانة بالكتب من عدة مصادر علمية من دون عنت ولا إعياء .
واليوم وقد تعددت العلوم والمعارف وأصبح الدارس والباحث والعالم لا يقدرون لكثرة المعطيات والمعلومات ان يعتمدوا على ذاكرتهم مهما كانت قوية فانه من الغبن للثقافة العربية الاسلامية أن نتباطأ فى استعمال الاداة المثلى وهي الناظم الآلي وفى الازورار عن الاعلامية ( informatique ) في مجال الثقافة خوفا مما قد يطرأ عليها مما لا بد منه لتكون متلائمة مع المجتمع ومترابطة مع تقدم الانسانية فى مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع .
ولهذا فانه لا مفر اليوم - بعد ان تكونت فى تونس لجنة قومية للاعلامية - ان يؤمن المثقفون وغيرهم بالمشاريع التى بدأتها وزارة الشؤون الثقافية منذ سنة 1981 في ميدان الاعلامية .
والاعلامية هى (( علم معالجة الاعلام معالجة عقلية بواسطة مكنات آلية والاعلام هو الركيزة الاساسية للمعارف الانسانية وربط الاتصال بين الميادين التقنية والاقتصادية والاجتماعية )) لقد يظن البعض ان الاعلامية محصورة فى الميدان الرياضى وفي حل محاولات معقدة بينما هى موعودة اساسا لخزن المعطيات وللقيام بدور الراوية او الدليل للوثائق الهامة في موضوع ما . 580 4
واذا قدر لأهل الثقافة العربية الاسلامية ان اخطأوا الثورات العديدة التى قامت با البشرية ابتداء من الثورة الصناعية فانه ليس من الوعى والمسؤولية فى شئ الازورار عن الثورة الجديدة وترك الاجيال من العالم العربى الاسلامى تلهث فى سبيل اللحاق بالامم الاخرى .
ولهذا فان الاعتماد اليوم على الناظم الآلى (Computer) امر لا بد منه فى جميع الميادين وفي الثقافة بالذات لان هذا الجهاز (( هو آلة إلكترونية متكاملة قادرة لا على القيام بالعمليات الاعتيادية الميكانوقرافية ولكنه قادر على القيام بالاختيار واصدار القرارات اعتمادا على النتائج الحاصلة أو المعطيات المسجلة )) .
وايمانا بكل هذا فان وزارة الشؤون الثقافية فى تونس قد بدأت منذ سنة 1981 هذا العمل الطويل النفس . فبادرت بانشاء مركز الدراسات والتوثيق حول التنمية الثقافية قصد تقويم المخزون الوثائقى الثقافي الذي نملكه ثم معالجته وترويجه وخزنه عن طريق الاعلامية واحداث شبكة قومية للاعلام والتوثيق الثقافيين عمادهما بنك للمعطيات الثقافية ومنه التشجيع على البحث والابتكار في ميادين الالسنية الاجتماعية والادب والانتربلوجيا الثقافية والتاريخ الثقافى وهذا كله يفضى الى اقامة حوار بين الثقافات يساعد على خلق حركية جدية فى ميادين المعرفة والتنمية الثقافية .
وكان ان صادفت هذه السياسة صدى عند المسؤولين فى الينسكو فتم بالتعاون مع وزارة الشؤون الثقافية التونسية والالكسو أول اجتماع عربى للمعطيات الثقافية من 4 الى 6 جوان 1981 .
وبدأت من ذلك الوقت زيارات الخبراء لتونس وانعقاد الندوات والتربصات قصد تحقيق مشروع للمعطيات الثقافية كتجربة رائدة فى تونس . وبدون الدخول فى جزئيات هذا السعى ومراحل تطبيقه فانه امكن لوزارة الثقافة بالاستعانة بالمركز القومى للاعلامية الى تقديم تجربة اولى الى السيد محمد 5 581
مزالى الوزير الاول فى مارس 1983 بمناسبة انعقاد المجلس القومي للنشر وكانت التجربة تتمحور حول جمع القوانين الخاصة بالثقافة فى ميادين عديدة وخزن معطيات حول مجلة (( الفكر )) وتميزت هذه العملية بطرافتها إذ هي لأول مرة تخزن فى تونس معطيات ثقافية وبالحروف العربية وتلت ذلك أعمال تطبيقية اخرى تخص الكتاب بخزن حصيلة بحث اجتماعى ثقافى حول السعر بمعرض الكتاب العربى بتونس في دورتى 1983 و 1984 وكذلك التطبيق فى مجال الاعلامية التوثيقية التى تتمثل فى خزن البيلوغرافيا القومية الخاصة بسنتى 1982 - 1983 واستعمالها استعمالا يسيرا .
واعتبارا من ان هذا العمل جدي فانه تم يوم 28 ماى 1984 توقيع اتفاق بين وزارة الشؤون الثقافية والمركز القومى للاعلامية ويقضى هذا الاتفاق بضبط مراحل تطبيق مشروع الاعلامية بالنسبة الى المعطيات الثقافية ووافقت اللجنة القومية للاعلامية على هذا المشروع كما أن (( بيت الحكمة )) المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات أزمعت على استعمال الاعلامية فى بعض مشاريعها .
وهكذا فانه ليس من نافلة القول أن نقول : إنه بات اكيدا ان تتضافر كل الجهود لانجاح هذا المشروع الذي نتمكن به من معرفة التراث الادبى واللغوى والتاريخى للعالم العربى والعالم بأجمعه وهو كفيل بأن يكون بمثابة الحركة الروائية التى عرفتها الثقافة العربية قبل عهود ازدهارها وهو سيكون الدافع لخلق حركة فكرية تعتمد عدة علوم أهمها معرفة الثقافات والحواربين الحضارات والاقبال بكل تفاؤل على التعامل مع الماضى من أجل حاضر أمثل ومستقبل أجمل .
