إن تفتحنا على الخارج وتطلعنا الى ما يكتشف وينشر ويذاع فى دنيا التربية والثقافة والفكر ، واعتبارنا بما تتكشف عنه العبقرية الانسانية وتزكيه التجارب البشرية . . . من الأصول القارة التى جعلناها - إلى جانب تمسكنا بأصالتنا والذود عن مقوماتنا وطرافة شخصيتنا _ شرطا أساسيا للخروج من هوة التخلف التى تردت فيها شعوب العالم الثالث ، ومدخلا ضروريا الى التعاون الخلاق بين كافة الافراد والامم وبالتالى تحقيق إنسانية الانسان .
_ على أن هذا التفتح لا يمكن ان يكون فى آتجاه واحد ، تتمسك به وتسعى إليه الشعوب المتخلفة ، من باب " فى بيته يؤتى الحكم " ! ، بينما تواصل قافلة الدول المصنعة التى حققت ثورتها العلمية والتكنولوجية سيرها الحثيث غير مكترثة بمصير ثلثى البشرية التعيس بل معتبرة إياهم سوقا رابحة لبيع منتوجاتها وما بار من أسلحتها وعتادها الحربى الرهيب !
ولئن أمكن تعليل هذه الظاهرة الخطيرة بمنطق الكسب المالى والرأسمالى أو حركية التوسع الايديولوجى الممهدة بدورها الى الامبريالية الاقتصادية والهيمنة السياسية ، فان لرواسب التاريخ واتجاهات المذاهب التربوية ومحتويات برامجها دورا تكمن خطورته بالضبط فى ضعف الشعور بهذه السلبيات والرغبة عن معالجتها واستئصال جذورها .
وكم قدرنا حق قدرها المجهودات الكبيرة التى لا تزال منظمة اليونسكو تبذلها كى تحمل المسؤولين عن التربية والثقافة والمربين عامة على مراجعة برامج التاريخ لتطهيرها مما تورثه فى نفوس الاجيال الصاعدة من تعصب وكراهية وحقد ومركبات آستعلاء وغرور ، والتعريف بما ابتكرته مختلف الحضارات فى شتى العصور من روائع الفكر والادب وساهمت به فى تقدم العلوم والفنون ، وكم أعجبنا بالنداءات الصادرة فى هذا المعنى عن ثلة من
كبار العلماء والمفكرين بالعالم المتقدم الذين يؤكدون على وجوب التقدير المتبادل لقيم الشرق والغرب ونشر كافة اللغات الحية والكشف عن عبقرياتها الذاتية ، إذ الحروب والشحناء ونزعة التفوق والسيطرة كامنة في عقلية البشر ونابعة من جهل واحتقار بعضهم لبعض فوجب ان تقاوم فى هذا المستوى أى بواسطة التربية والثقافة أساسا ومن البداية . وفى هذا الاتجاه نبارك الانجاز الكبير الذى حققته منظمة اليونسكو والمتمثل فى نشر " تاريخ الانسانية " فى تسعة مجلدات باشراف نخبة من كبار الاخصائيين الذين تمحضوا للعلم والتحقيق وتنزهوا عن الهوى لابراز جهد الانسان وسعيه مدى الأحقاب .
لذلك لا يسعنا إلا أن ننوه بما نشرته مجلة " التربية " الفرنسية الشبيهة بالرسمية فى عددها 132 المؤرخ فى 9 مارس 1972 حول ضرورة تعليم اللغة العربية فى المعاهد الفرنسية تحت عنوان " لماذا لا نتعلم اللغة العربية " .
وجاء فى هذا المقال بالخصوص : إن بعض الارقام أكثر دلالة من الخطب المسهبة . وإذا انصرف أكثر من 75 بالمائة من تلامذة المعاهد الثانوية الرسمية الى درس اللغة الانقليزية فهذا أمر طبيعي لا تحتاج دوافعه الجلية الى مزيد تبسط فى حدود هذا المقال . وكذلك الامر بالنسبة للغة الالمانية التى تأتى فى المرتبة الثانية بل ان اقبال آلاف التلاميذ على اللغتين الاسبانية وحتى الايطالية أمر ندركه لاعتبارات شتى . وأخيرا نجد مبررا لتزايد إقبال التلامذة على اللغة الروسية . لكن الذى يثير تساؤلاتنا هو ألا يتجاوز عدد الذين أقبلوا على درس اللغة العربية بكامل معاهدنا 400 تلميذ ! والحال أنها لغة مائة مليون عربى واللغة الدينية لخمسمائة مليون مسلم ! ثم وجب أن نذكر أنه يوجد بفرنسا 200.000 طفل جزائرى - دون التعرض الى غيرهم من الأقوام - بلغ 50.000 منهم سن الدراسة الثانوية .
ويلاحظ المقال أن تدريس اللغة العربية موكول أساسا الى مبادرات مديرى المعاهد وطلبات أولياء التلاميذ ، وهنا تكمن المشكلة : " ان اختيار اللغات يقع على أساس المصلحة والسهولة النسبية بحكم التقاليد وكذلك الجهل والافكار القبلية ، مما جعل لغات الغرب محظوظة ! " .
وتذكر المجلة ان عدد أساتذة اللغة العربية بفرنسا لا يتجاوز الثمانية عشر ، عشرة منهم مرسمون وثمانية وقتيون ، وأن المترشحين لمناظرة التبريز لا يتسابقون منذ 1968 الا من أجل منصب واحد فى السنة مما لا يشجع اقبال الطلبة الفرنسيين على دراسة لغة الضاد .
وأعجبتنا صراحة المجلة وشجاعتها وكذلك اريحيتها عندما عبرت عن أسفها الشديد بل استنكارها لهذه الظاهرة ! ودعت الى أن يدرك القوم ان المصلحة تملى عليهم أن يتصلوا بالعالم العربى ويدعموا علاقاتهم الثقافية به و " يوجدوا حوارا مع هذه الحضارة المجيدة التى طالما سطع نجمها فى دنيا العلوم والرياضيات والآداب والفلسفة والشعر " وأن ييسروا كذلك الاتصالات التجارية والاقتصادية وأخيرا عبرت المجلة عن تخوفاتها اذا ما آستمر الحال على ما هو عليه من أن تقع المبادلات فى المستقبل بين فرنسا والعالم العربى عن طريق اللغة . . . الانقليزية " .
وإن نشر هذا المقال فى مجلة تربوية شبيهة بالرسمية وتحلية كامل غلافها بصورة من مخطوط عربى ذى خط مغربى جميل ، ليدعونا الى التفاؤل لأننا بقدر ما نؤمن بضرورة التعاون الخلاق بين بلادنا وفرنسا ، وبالحوار الايجابى بينها وبين المغرب العربى خاصة والعالم العربى الاسلامى عامة ، ونؤمن بضرورة تعلم اللغات الاجنبية وفى مقدمتها اللغة الفرنسية التى نقدر عبقريتها وفضلها على الفكر البشرى عامة ، إيمانا منا بضرورة التفتح ومواجهة كذلك للتحدى العلمى والتكنولوجيى الذى يفرض اليوم نفسه علينا فرضا ، نعتقد أن نشر لغتنا بفرنسا يساهم فى تأليف قلوب شبابها الصاعد نحونا ويهيئه الى التفتح على العالم العربى وييسر الحوار الايجابى بين شعوبنا ويمهد الى الصداقة الحق المبرأة من شوائب الهيمنة والعنصرية مهما كان مصدرهما - هنا أو هناك - وبجعل من فرنسا أمة عظيمة فى قلوب الشعوب وخاصة منها شعوب البحر المتوسط .
وما دمنا متمسكين فعلا بالتعاون الثقافى الا يمكن أن نتصور يوما يتم فيه انتداب ثلة من أساتذة المغرب الكبير للتدريس بمعاهد فرنسا على غرار ما هو موجود الآن بالنسبة للأساتذة الفرنسيين بربوعنا ؟ إن مقال " التربية " يؤكد - فى نظرنا - عزيمة المسؤولين على تلافى منزلة اللغة العربية " المتواضعة " فى المعاهد الفرنسية ويبشر بيوم قريب تصبح فيه عبارة " التعاون " تدل على معنى المشاركة والتبادل فى أسمى وأخصب معانيهما .
ولن نزال يحول الله نعمل من أجل الصداقة الحق والثقافة الحق والسلم الحق ، الى جانب اخواننا وزملائنا الاحرار حيثما كانوا ، فى الضفة الشمالية او الجنوبية لهذا البحر المتوسط ، مهد لحضارات ومنبع القيم العليا الخالدة !

