حضرت ( 1 ) - تلبية للدعوة الشخصية التى وجهتها الى الحكومة السودانية مشكورة الندوة المنعقدة من 7 الى 11 جانفى المنصرم بالخرطوم ، عاصمة السودان ، ارض النيلين وملتقى الحضارتين العربية والأفريقية ، لاستطلاع افاق العمل العربي الافريقي من أجل التحرر والتنمية ، والتمهيد الى حواد ايجابى متواصل فى كافة المجالات وعلى كل المستويات من أجل تعميق الوعى بوحدتنا وضبط الخطة الكفيلة بحسن استثمار مواردنا الطبيعية ومقدراتنا البشرية لما فيه صالح شعوبنا ، وتنسيق الجهود للتخلص من رواسب الاستعمار وتفادى جهلنا بعضنا لبعض ، وأخطائنا بعضنا فى حق البعض ماضيا وحاضرا ، وتطويع امكانياتنا لفائدة اخواننا الذين لا يزالون يناضلون فى قارتنا وفي وطننا العربي من أجل الاستقلال والحرية ، والاتفاق على المسار الامثل والمنهج الاوفق لتجسيم تضامننا هدفا ومصيرا .
وشارك في هذه الندوة نخبة من المسؤولين السياسيين والمفكرين الأفارقة والعرب ، وممثلو الحركات التحريرية في افريقيا ، ومنظمة التحرير الفلسطينية ونواب عن جامعة الدول العربية ، ومنظمة الوحدة الافريقية ، واتحاد الجامعات الافريقية ، واتحاد وكالات الانباء العربية ، واتحاد الاذاعات العربية ، واتحاد
العمال الافارقة ، ومنظمة نساء عموم افريقيا ، ورابطة المرأة العربية الافريقية ، واتحاد الصحفيين الافارقة ، ومؤتمر البحوث الاقتصادية والاجتماعية فى افريقيا ، والمعهد الافريقي للتنمية والتخطيط ، ومنظمة اليونسكو ، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية ، ومركز الاعلام التابع للامم المتحدة بالخرطوم ، والمنظمة العربية للثقافة والعلوم ، وعدد كبير من المراسلين الصحافيين ، وممثل المؤسسات " ذات الصلة " ، ووكالات الانباء المحلية والعالمية .
والذي جعلني أتعمد ذكر العدد الوافر من بين المؤسسات الرسمية والشعبية المشاركة فى ندوة الخرطوم هو ما لاحظته فيها بكل أسف من غياب الاطارات والخبراء التونسيين الذين اعتقد انه فى امكانهم - لو وجدوا التوجيه والتشجيع الكافيين - ان يساهموا ، مثل اخوانهم المصريين ، والافارقة عامة ، فى سير وتسير واشعاع هذه المؤسسات وغيرها ، مساهمة ايجابية ، وهم اليوم ، أكثر من أى وقت مضي - متوفرون وأكفاء والحمد لله ، وان يكونوا بذلك خير سفراء لتونس بوصفها دولة عربية وافريقية شاعرة بواجبها ازاء شقيقاتها في القارة السمراء معتزة بالطابع المثالي لملحمتها النضالية المكللة بالنصر المبين فى دروب الاستقلال والحرية ، فخورة بوضع تجربتها الطريفة الموفقة فى مجال العمل التنموى الجدى من أجل الازدهار والكرامة الحق على ذمة كل الاخوة الذين يتطلعون الى مناهج البناء والتشييد الموصلة من أيسر السبل وبأدنى التكاليف .
وان أخشى ما أخشاه هو أن يكون غيابنا في ساحة العمل العربية الافريقية ناتجا عن انصراف يكاد يكون كليا الى بعدنا الاوروبي والمتوسطى وحده ، يفسره - ولا يبرره ! - نمط ثقافتنا ونوع " تفتحنا " على العالم وما لا نزال - مسؤولين ومثقفين ، وأساتذة جامعيين وشبابا متعلما ورجال أعمال ... - نطالعه ، ونسمم افكارنا به - من حيث لا نشعر - من مقالات و " دراسات " وشهادات تزخر بها بعض الصحف والمجلات الغربية التى لا تخفى ارتباطات البعض منها بالاوساط الصهيونية أو الرأسمالية أو الامبريالية العقائدية والثقافية المتعددة المصادر ...، حول حال القارة الافريقية وما تعانيه من فئوية بشرية ولغوية وما تتخبط فيه من جهل ومرض وفقر ومجاعات . . . وحول تخلف العرب رغم بترولهم او من أجل بترولهم كما يحلو للبعض أن يقول . . . وما يقاسونه من تناقضات اجتماعية وحضارية واتفاقهم . . على الا يتفقوا ، وكل ذلك لا يزال ينقض على لا شعورنا لبث
الاحساس بالحقارة فى نفوسنا وتبشيع ماضينا وتلويث خيالنا الفردي والجماعى كلما ألم بنا طيف العرب ومرت بخاطرنا صور العروبة ، وجعلنا لا نتذكر من مواكب أيامنا غير حادي العيس ودنيا البداوة ، وداحس والغرباء وتناحر بكر وتغلب ، والجانب الماجن اللاهى من ألف ليلة وليلة . . بينما النظرة السديدة والسياسة الحكيمة والمصلحة البعيدة وابسط معاني الشرف والعزة واحترام النفس تقتضى كلها :
1 ) الا نهمل ان مسؤولية الاستعمار فى تمادى وجود هذا الواقع ، الذي يجب الا يحهل عاقل سلبياته وثغراته ، لا تنكر ولا تغتفر . فهو الذى احتل الشعوب بالحديد والنار واستغل الارض ونهب الزرع والضرع وحال دون مواصلة النهضة التى انطلقت قبل انتصاب الاستعمار ذاته ومواكبة التقدم العلمي والصناعي الذي تدعم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر خاصة ( 1 ) ، وهو الذي كيف الاطارات والشباب تكييفا يرمى الى مسخها وتشكيكها فى نفسها ، ولا يزال في اقطار كثيرة يفرض ارادته بالقوة الغاشمة ويحاول المحال .
2 ) الا ننظر إلى هذا الواقع نظرة قرارية سلبية بل يجب ان يكون موقفنا منه ثوريا فنشد العزم على تغييره وبذل فى سبيل ذلك اكثر مما بذلنا فى معاركنا من أجل الاستقلال السياسي .
3 ) ان نعي الحركية التى تشهدها الآن القارة الافريقية فى كل المجالات وان نقدر تقديرا صحيحا آفاق المستقبل العربى الافريقي المليئة بالوعود كما ادركت ذلك الدول العظمى نفسها وبعض الدول الاوروبية التى أخذت تتسابق اليوم الى تركيز حضورها لا اقتصاديا وعسكريا فحسب بل كذلك وبالاخص بشريا وذلك بإيفاد أكثر ما يمكن من خبرائها وفنيها واساتذتها . . 4 ) ان انصرافنا إلى الاهم - ونفرض فرضا انه يتمثل حاضرا فى توجيه
اهتمامنا الى أوروبا والبحر المتوسط - اقتصاديا وثقافيا خاصة - لا يعنى ترك المهم ، بل ان كلمتنا لن تكون مسموعة ومنزلتنا مرموقة ، إذا نحن لم نرسخ قدمنا فى العالم العربي وننتسب قولا وفعلا الى افريقيا ونقرأ الحساب لمقتضيات الجغرافيا والتاريخ . فنحن إزاء الغرب عرب مسلمون وأفارقة ولو فعلنا المستحيل للخروج من جلدنا (1) والتشبه بغيرنا .
وان أول خطوة في تقمص بعدنا العربى الافريقي وابسط ما يفرضه أضعف الايمان ليتمثل في معرفة الواقع والوقوف على تطوراته وملابساته وتبين الروابط التاريخية والجغرافية والحضارية والمصالح الاساسية المشتركة فى الثقافة والسياسة والاقتصاد ، وادراك المحاولات المتعددة والمتنوعة التى لا يزال الاستعمار القديم والجديد يبذلها للابقاء على امتيازاته المشطة والاستفادة من طاقتنا وموادنا الخام وأموالنا ) 2 ( ومواردنا الزراعية والحيوانية وهى السلاح الاخضر الذي غاب عن البعض منا توفره لدينا فارتعدت فرائصهم لما هددنا باستعماله ضدنا بعض " العمالقة " بمجرد أن تجاسرت الدول العربية المنتجة للبترول على طلب الانتفاع الاقصى من ثروتها الطبيعية . . .
وهذا معناه انه على القيادات والجامعات والمعاهد العليا وأجهزة الاعلام والمنظمات الجماهيرية ان تبادر ببعث الهياكل المناسبة والتشجيع على
الاختصاص الضرورى قصد " دراسة النظم السياسية والبحث عن الاتجاهات الموجودة والأفاق المنتظرة وعوامل التضامن الراهنة والمستقبلة والتعرف الى الآداب والفنون واللغات والاديان والقبائل المتواجدة فى قارتنا وتيسير تعليم اللغات الافريقية للعرب وتعليم اللغة العربية للافارقة فى كل من البلدان الإفريقية والعربية ، ووضع كتب تدريسية للمدارس والجامعات العربية عن افريقيا ومثلها للمدارس والجامعات الافريقية عن العرب والعلاقات الافريقية العربية والعمل على تخصيص كراس للدراسات الافريقية فى الجامعات العربية واخرى للدراسات العربية فى الجامعات الافريقية والسعى الى تقديم آلاف المنح الدراسية للطلبة الافارقة فى المدارس والجامعات العربية . . " .
ان هذه الاقتراحات وردت في كتيب أصدرته منظمة التحرير الفلسطينية الباسلة بعنوان " مركز الدراسات الافريقية العربية " الذي بادرت ببعثه وتخصيص جانب من طاقتها البشرية والمادية لانجاحه ، رغم جهادها المستميت لتحرير أراضيها من الغاصب الصهيونى ورغم المضايقات التى لا يبخل عليها بها بعض " ذوى القربى " . ذلك ان الثورة الفلسطينية واعية تمام الوعى لأبعادها العربية الافريقية ومدركة وهى فى خضم المعركة القاسية من أجل الوجود انه لا حرية ولا استقلال ولا تنمية ، ولا مناعة فى اخر الامر ، من دون شعور مرهف بضرورة الاتحاد والتضامن والتكامل بين العرب والافارقة ومن دون عمل دائب لتحدى الاستعمار الروحى والثقافى الذى لن تتوقف مساعيه من احل تفتيت كياناتنا وتبديد طاقاتنا والتسلط على مقدراتنا وتشكيكنا فى انفسنا وفي مستقبلنا المشترك .
ان عقيدة الوحدة العربية الافريقية ، التى لا تنفي التنوع بل تقوم على أساس التكامل والتضامن والمحبة ، تدعو اليوم اخواننا الافارقة الى مزيد الإقتناع بأن موقفهم المشرف ازاء اسرائيل ليس من باب المجاملة والتفضل بل يمليه عليهم الواحب كما املى الواجب على البلدان العربية قطع علاقاتها مع الكيانات العنصرية في افريقيا .
ذلك ان النظام القائم في اسرائيل نظام عنصرى أساسا ، لأن القوم اخذهم الغرور فراحوا يبررون ايديولوجيتهم العنصرية بكونهم متحصنين بغريزتهم العرقية كما ادعى ذلك "هرتزل " وهم لا يؤمنون بتساوى الارومات البشرية من حيث مقدراتها الذاتية وملكاتها العقلية والشعورية . . ويعاملون
العرب معاملة البيض فى جنوب افريقيا لسكان البلاد الشرعيين عندما يزجون بهم فى المعازل العنصرية ) 1 ( .
أليست العنصرية - كما جاء فى قاموس العلوم الاجتماعية الصادر باشراف اليونسكو هى " الاعتقاد بأن احدى الجماعات السلالية محكوم عليها من الطبيعة بنقص وراثى بينما تكون مجموعة اخرى مقدرا لها بتفوق وراثي ؟ .
وإذن فانه على اخواننا الإفارقة الا ينخدعوا بدعايات اسرائيل والاوساط الاستعمارية عندما يساءلون عما جنوه من جميل العرب بعد قطع علاقاتهم مع اسرائيل ، وعليهم ان يمسكوا اعصابهم حتى لا تطفو حساسيتهم على السطح كلما ذكرهم ذوو " النوايا الحسنة " بسلوك بعض العرب في افريقيا وتجارتهم بالعبيد وفي هذا المقام يحسن بالدول المتقدمة التى تدعي اعطاءنا دروسا فى المساواة واحترام الانسان أن تهتم بالعود الذى في عينها قبل القذي الذي في عين الغير
أن اداب الزمالة النضالية يجب ان تسود علاقاتنا نحن العرب الافارقة ، ولا بد من شد الخواصر وتوثيق الاواصر كي نحكم الخطة ونبلغ أهدافنا التى نرى ان من أوكدها فى المدى القريب :
1 ( القضاء على جيوب الاستعمار الباقية في افريقيا وخاصة فى زمبابوى وناميبيا وجنوب افريقيا . . . 2 ( تحرير الاراضى العربية من قبضة الصهيونية ) سيناء - الجولان . . . ( 3 ( انتصار الشعب الفلسطيني وفوزه بحياة الحرية والكرامة فى وطنه .
4 ( مقاومة الاستعمار الجديد بكل ألوانه ، وهو الذي لا يزال يستغل العالم العربى وافريقيا رغم رفرفة اعلام الاستقلال فى فضاء الكثير من بلداننا .
5 ) الاتفاق على المحتوى الاقتصادى والاجتماعى والثقافى الذى يبقى الاستقلال بدونه حبرا على ورق واسما بلا مسمى ، والخروج به من مجرد التعبير عن حسن النوايا ووضعه فى مسار التنفيذ مرورا من مرحلة الخطة الى مرحلة البرامج وانتهاء الى مرحلة المشاريع وتطبيقها
6 ( السعى الى ان يكون الاعلام بأيدينا فنصنع نحن الرأى العام بواسطته ، ولا تصنعنا اجهزة الاعلام الاجنبية من حيث لا نشعر فاذا بنا مفتوحون من حيث أردنا التفتح ) 1 ( .
7 ( مزيد الوعى والعناية بالعمق الفكرى لحضارتنا وتحسيس رجال الثقافة والاعلام والمربين بضرورة الاضطلاع برسالتهم الريادية فى بناء مجتمعاتهم وتركيز اسباب المناعة المعنوية والمادية فى الاجيال الصاعدة ، وهذا يقتضي خاصة مراجعة الانظمة التربوية .
8 ( تشجيع الحوار العربى الافريقي مع الشرق والغرب على السواء لاستئصال كل أسباب الغرور والشرور والشحناء والتمهيد الى التعاون الايجابي النزيه من أجل الحضارة الانسانية الحق والسلم المقامة على العدل والاحترام المتبادل .
هذه بعض الارتسامات والملاحظات التى أوحت لي بها ندوة الخرطوم العربية الافريقية للتحرر والتنمية ، وكم تبدو بعيدة وعزيزة المنال هذه الاهداف التى بتنادى بها اليوم بعض رجال القلم والثقافة ونخبة من المسؤولين فى العالم
العربى وافريقيا . وقد يقابلها بعض " الواقعيين " بابتسامتهم الساخرة الشاكة ، وقد ينصرف عنها بعض الغارقين الى الذقن في شؤون يومهم لانه لم يعد لهم وقت . . يضيعونه فى الاحلام . . . أو أولئك الذين أضاعوا القدرة على الرنو الى السماء والتوق الى فسحة الامل . . .
الى أولئك وهؤلاء نقول ان الشباب يطمح دائما الى التزام القضايا البعيدة المنال اذا استهدفت التحرر والعدالة والخير والحق . . . وان البؤس المعنوى ، والمادى الذى كان سائدا على الشعب التونسي سنة 1934 لم يقعد الشباب التونسى وفى مقدمته المحامي الشاب الحبيب بورقيبة عن الامل والكفاح والتضحية طيلة ربع قرن حتى استحال الخيال واقعا والحلم حقيقة .
ان ندوة الخرطوم خطوة أولى فى طريق التوعية والتشاور والتفاكر نرجو ان تتبعها خطوات أخرى مدروسة ومركزة ، كما نرجو أن يكون القادة ورجال الفكر والقلم في مستوى آمال الشعوب العربية والافريقية التائقة الى الحرية والوحدة والكرامة .
ان الدرب طويل وشائك ، ولكن اليس كل من سار على الدرب وصل .

